بعد تجدد الخلافات بين التيار الصدري وحزب الدعوة وتوجيه اتهامات مباشرة للإطار التنسيقي بمحاولة تشويه سمعة المرجع الديني الراحل محمد محمد صادق الصدر، طالبت الكتلتان السياسيتان الشيعيتان الأكبر في العراق بسن قانون لتجريم الإساءة للمراجع بهدف "الحفاظ على السلم المجتمعي".
ويرجع تاريخ الصراع بين التيار الصدري وحزب الدعوة إلى العام 2008 حين أطلق رئيس الوزراء آنذاك نوري المالكي عملية عسكرية واسعة النطاق استهدفت وقف سيطرة مليشيا "جيش المهدي" الجناح العسكري للتيار الصدري على مناطق واسعة وسط وجنوب العراق .
استمر القتال الضاري بين قوات الجيش العراقي مع عناصر جيش المهدي لأكثر من ثلاثة أسابيع، انتهى بقتل واعتقال المئات من أتباع التيار قبل أن يبادر زعيمه إلى حل المليشيا وتسليم أسلحتها.
قادت تلك المعارك إلى خلاف يوصف "بالتاريخي" و "المتجدد" بين أكبر كتلتين شيعيتين ينتمي كلاهما إلى الخط الصدري، فمؤسس حزب الدعوة هو محمد باقر الصدر الذي قتل على يد نظام البعث أوائل ثمانينات القرن الماضي، وهو ابن عم محمد محمد صادق الصدر، والد زعيم التيار الصدري حاليا مقتدى الصدر، والذي قتل هو الآخر على يد نظام البعث نفسه في تسعينات القرن الماضي.
صراع متجدد
تجدد الصراع السياسي بين الكتلتين الشيعيتين بعد الانتخابات البرلمانية العراقية أواخر العام 2021، وكاد أن يؤدي إلى حرب دامية بين مكونات البيت الشيعي داخل المنطقة الخضراء بعد اقتحام أنصار التيار الصدري لها، قبل أن يذهب زعيم التيار الصدري للتهدئة و يقرر سحب نوابه من البرلمان واعتزال الحياة السياسية.
لكن، عاد الصراع مجددا أوائل الأسبوع الحالي، بعد تغريدة للقيادي في التيار الصدري حسن العذاري وجه من خلالها أصابع الاتهام لجهات تابعة للإطار التنسيقي بالإساءة إلى المرجع محمد محمد صادق الصدر(والد مقتدى الصدر) عبر حملة إعلامية تروج لإقامته علاقات مع حزب البعث.
وطالب العذاري في تغريدته الجهات التي أساءت للمرجع بحسب تعبيره بتبني مشروع قانون "يجرم اتهام السيد الصدر، والإساءة إليه بالشتم والسب والتعدي".
ولم تقف الاتهامات ضد الجهات المنضوية تحت مظلة الإطار التنسيقي عند مواقع التواصل، بل خرجت إلى الشارع ليقوم مسلحون بمهاجمة مقرات "حزب الدعوة" و "منظمة "بدر" وحركة "أنصار الله الأوفياء" و"عصائب أهل الحق" في عدة محافظات عراقية وكتبوا عبارة "مغلق بأمر أبناء الصدر".
لكن زعيم التيار الصدري زار بعض المقرات التي تم الاعتداء عليها وحذر في تغريدة من أنه في حال "لم يسن قانون تجريم سب العلماء، بغير وجه حق، أو بغير نقد بناء، فإن لنا طرقاً بعيدة عن العنف والقتل، فهذا ليس ديدننا".
تحركات في مجلس النواب
نفى حزب الدعوة الاتهامات التي نسبت إليه في بيان حذر خلاله مما سماها "فتنة عمياء". ودعا في بيانه مجلس النواب إلى "تشريع قانون يرفض المساس بمراجع الدين العظام الشهداء منهم والأحياء انسجاما مع الدستور". داعيا الكتل السياسية "دعم هذا التوجه التشريعي في المجلس."
وبادر خمسون نائباً عراقياً إلى رفع مذكرة لرئاسة البرلمان العراقي بهدف الحصول على موافقة لإدراج مقترح قانون يحمل اسم "تجريم الاساءة إلى مراجع الدين العظام والرموز الدينية".
ويعتبر النائب محمد الزيادي، عن كتلة "دولة القانون"، أن قانون "تجريم الإساءة إلى مراجع الدين" من "القوانين المهمة التي يحتاج إليها العراق في هذه المرحلة إلى سنها لمعالجة وإنهاء الفوضى السياسية والاجتماعية".
ويقول: "نرى اليوم الكثير من الإعلاميين ومستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي يقومون بخدش الرأي العام والشارع العراقي، ما يتسبب بأضرار كبيرة على اللحمة الوطنية للمجتمع العراقي، وبهذا نكون قادرين على إنهاء القضايا التي تؤدي إلى تأجيج الخلاف على المستوى القومي والديني".
وبشأن إمكانية استخدام هذا القانون، والقوانين المماثلة، لتقييد الحريات، يقول الزيادي: "سيتم تطبيقها من قبل مجلس القضاء الأعلى. ونحن جميعاً نؤمن أنه مستقل وبعيد عن التأثيرات الخارجية، وأنه لن يتم استغلال تلك القوانين بهدف تقييد الحريات".
في المقابل، يتحدث النائب أوميد محمد، عن كتلة "الحراك الجديد" لـ"ارفع صوتك" عن "صياغات مطاطية في قانون حرية التعبير المقدم حالياً في البرلمان العراقي. يمكن تفسيرها مستقبلاً كما يريد أي شخص في السلطة أو الأحزاب الحاكمة"، معرباً عن "رفض كتلته لسن أي قانون من شأنه التأثير على الأجيال المستقبلية لتعارضه مع مبادئ الدستور العراقي الذي كفل حرية التعبير".
حرية التعبير "مقيدة"
تقول الحقوقية أزهار الدليمي لـ"ارفع صوتك" إنه "من الناحية العملية فإن حرية التعبير التي كفلها الدستور العراقي غير مفعلة ومقيدة بشروط وقرارات الأحزاب والكتل السياسية، ولا نراها متاحة لجميع أبناء الشعب العراقي وخصوصاً الفئات المهمشة التي تشعر بأنها اليوم باتت غير قادرة على الوصول إلى أبسط حقوقها".
وتضيف الحقوقية العراقية أن البلاد "ليست بحاجة إلى سن قانون جديد لتجريم الإساءة للرموز الدينية كون ذلك موجود في القانون العراقي المرقم 111 لسنة 1969".
وتنص المادة 372 من قانون العقوبات العراقي على أنه يعاقب بالحبس لمدة تصل إلى ثلاث سنوات أو بغرامة مالية تصل إلى ثلاثمائة دينار، من "أهان علناً رمزاً أو شخصاً هو موضع تقديس أو تمجيد أو احترام لدى طائفة دينية".
وتنص المادة 433 من قانون العقوبات على أنه يعاقب من سب أو قذف غيره بالحبس وبالغرامة أو بإحدى العقوبتين السابقتين أيضا.
وحدد القانون بحسب الحقوقية القذف بأنه "إسناد واقعة معينة إلى الغير بإحدى طرق العلانية من شأنها لو صحت أن توجب عقاب من أسندت إليه أو احتقاره عند أهل وطنه". وإذا كانت الواقعة "تمت بطريق النشر في الصحف أو المطبوعات أو بإحدى طرق الإعلام الأخرى فيعتبر عند ذلك ظرفاً مشدداً".
ومع كل ذلك فإننا نرى أن القوانين "لا تطبق على المتنفذين ممن لديهم ارتباطات حزبية، ولكن سيتم تطبيقها على المواطن العادي والجهات المستقلة إذا ما انتقدت أو تظاهرت للمطالبة بحقوقها".
صراع "متنفذين"
يقول المحلل السياسي والقانوني صفاء اللامي لـ"ارفع صوتك" إن "مسودة قانون الجرائم المعلوماتية المقدم إلى البرلمان والذي لم يتم إقراره بعد، يتضمن في فقراته مواد قانونية تعاقب من يسيء إلى العلماء والرموز الدينية".
ويوضح أن هناك "خلافا أساسيا قائما على تلك الفقرات كونها لم تحدد من هو الرمز الديني، وهو ما أثار حفيظة منظمات المجتمع المدني والمنظمات الحقوقية وأعضاء من البرلمان العراقي والصحفيين في العراق".
أما ما يطالب به زعيم التيار الصدري، يقول اللامي، "فهو قانون موجود ولكن يريده أن يكون مستقلا بذاته، وبشكل أوسع وأدق يعاقب وفقه كل من يسيء إلى العلماء والرموز الدينية. يتم كتابة فقراته بشكل مفصل من قبل أعضاء مجلس النواب، على أن لا يتعارض مع ما جاء في المادة 38 من الدستور العراقي والمتعلقة بالحريات".
ومع ذلك، يستدرك اللامي، في حديثه لـ"ارفع صوتك"، فإن قانون تجريم الإساءة للرموز الدينية "حتى لو تم إقراره، فالخلاف الذي لدينا اليوم هو بين قوى سياسية متصارعة، وحتى لو تم إقرار القانون فهي لن تهتم بتطبيقه، لأنها تعتبر نفسها فوق القانون".
ويضيف: "الجميع رأى هذه القوى من قبل وهي تقصف السفارات أو تحتل المنطقة الخضراء على مرأى ومسمع من السلطة التنفيذية دون أن تكون قادرة على إبداء أي ردة فعل". ولذلك فهي قوى "تعتبر نفسها فوق القانون ومسيطرة ولديها أذرع إعلامية تتكلم بما تشاء بغض النظر عن القانون".
