أحد أنصار رجل الدين الشيعي العراقي مقتدى الصدر يرفع لافتة عليها صورة المرجع محمد محمد صادق الصدر خلال صلاة جمعة جماعية في مدينة الصدر شرقي بغداد في 15 يوليو 2022.
أحد أنصار رجل الدين الشيعي العراقي مقتدى الصدر يرفع لافتة عليها صورة المرجع محمد محمد صادق الصدر خلال صلاة جمعة جماعية في مدينة الصدر شرقي بغداد في 15 يوليو 2022.

بعد تجدد الخلافات بين التيار الصدري وحزب الدعوة وتوجيه اتهامات مباشرة للإطار التنسيقي بمحاولة تشويه سمعة المرجع الديني الراحل محمد محمد صادق الصدر، طالبت الكتلتان السياسيتان الشيعيتان الأكبر في العراق بسن قانون لتجريم الإساءة للمراجع بهدف "الحفاظ على السلم المجتمعي".

ويرجع تاريخ الصراع بين التيار الصدري وحزب الدعوة إلى العام 2008 حين أطلق رئيس الوزراء آنذاك نوري المالكي عملية عسكرية واسعة النطاق استهدفت وقف سيطرة مليشيا "جيش المهدي" الجناح العسكري للتيار الصدري على مناطق واسعة وسط وجنوب العراق .

استمر القتال الضاري بين قوات الجيش العراقي مع عناصر جيش المهدي لأكثر من ثلاثة أسابيع، انتهى بقتل واعتقال المئات من أتباع التيار قبل أن يبادر زعيمه إلى حل المليشيا وتسليم أسلحتها.

مقتدى الصدر والمالكي في مؤتمر صحفي جمعهما عام 2006
حزب الدعوة والتيار الصدري... صراع قديم ومفارقات
في الأيام الأخيرة الماضية، وعلى خلفية اتهامات ساقها التيار الصدري لأنصار المالكي بـ"الإساءة للمرجع الراحل محمد صادق الصدر (والد مقتدى الصدر)"، عبر حسابات الكترونية مرتبطة بحزب الدعوة، تجدد الصراع الطويل والعنيف الذي يحمل في سجلّاته سنوات من المواجهات السياسية والأمنية وإسالة الدماء والكثير من المفارقات.

قادت تلك المعارك إلى خلاف يوصف "بالتاريخي" و "المتجدد" بين أكبر كتلتين شيعيتين ينتمي كلاهما إلى الخط الصدري، فمؤسس حزب الدعوة هو محمد باقر الصدر الذي قتل على يد نظام البعث أوائل ثمانينات القرن الماضي، وهو ابن عم محمد محمد صادق الصدر، والد زعيم التيار الصدري حاليا مقتدى الصدر، والذي قتل هو الآخر على يد نظام البعث نفسه في تسعينات القرن الماضي.

 

صراع متجدد

 

تجدد الصراع السياسي بين الكتلتين الشيعيتين بعد الانتخابات البرلمانية العراقية أواخر العام 2021، وكاد أن يؤدي إلى حرب دامية بين مكونات البيت الشيعي داخل المنطقة الخضراء بعد اقتحام أنصار التيار الصدري لها، قبل أن يذهب زعيم التيار الصدري للتهدئة و يقرر سحب نوابه من البرلمان واعتزال الحياة السياسية.

لكن، عاد الصراع مجددا أوائل الأسبوع الحالي، بعد تغريدة للقيادي في التيار الصدري حسن العذاري وجه من خلالها أصابع الاتهام لجهات تابعة للإطار التنسيقي بالإساءة إلى المرجع محمد محمد صادق الصدر(والد مقتدى الصدر) عبر حملة إعلامية تروج لإقامته علاقات مع حزب البعث.

وطالب العذاري في تغريدته الجهات التي أساءت للمرجع بحسب تعبيره بتبني مشروع قانون "يجرم اتهام السيد الصدر، والإساءة إليه بالشتم والسب والتعدي".

ولم تقف الاتهامات ضد الجهات المنضوية تحت مظلة الإطار التنسيقي عند مواقع التواصل، بل خرجت إلى الشارع ليقوم مسلحون بمهاجمة مقرات "حزب الدعوة" و "منظمة "بدر" وحركة "أنصار الله الأوفياء" و"عصائب أهل الحق" في عدة محافظات عراقية وكتبوا عبارة "مغلق بأمر أبناء الصدر".

لكن زعيم التيار الصدري زار بعض المقرات التي تم الاعتداء عليها وحذر في تغريدة من أنه في حال "لم يسن قانون تجريم سب العلماء، بغير وجه حق، أو بغير نقد بناء، فإن لنا طرقاً بعيدة عن العنف والقتل، فهذا ليس ديدننا".

 

تحركات في مجلس النواب

 

نفى حزب الدعوة الاتهامات التي نسبت إليه في بيان حذر خلاله مما سماها "فتنة عمياء". ودعا في بيانه مجلس النواب إلى "تشريع قانون يرفض المساس بمراجع الدين العظام الشهداء منهم والأحياء انسجاما مع الدستور". داعيا الكتل السياسية "دعم هذا التوجه التشريعي في المجلس."

وبادر خمسون نائباً عراقياً إلى رفع مذكرة لرئاسة البرلمان العراقي بهدف الحصول على موافقة لإدراج مقترح قانون يحمل اسم "تجريم الاساءة إلى مراجع الدين العظام والرموز الدينية".

ويعتبر النائب محمد الزيادي، عن كتلة "دولة القانون"، أن قانون "تجريم الإساءة إلى مراجع الدين" من "القوانين المهمة التي يحتاج إليها العراق في هذه المرحلة إلى سنها لمعالجة وإنهاء الفوضى السياسية والاجتماعية".

ويقول: "نرى اليوم الكثير من الإعلاميين ومستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي يقومون بخدش الرأي العام والشارع العراقي، ما يتسبب بأضرار كبيرة على اللحمة الوطنية للمجتمع العراقي، وبهذا نكون قادرين على إنهاء القضايا التي تؤدي إلى تأجيج الخلاف على المستوى القومي والديني".

وبشأن إمكانية استخدام هذا القانون، والقوانين المماثلة، لتقييد الحريات، يقول الزيادي: "سيتم تطبيقها من قبل مجلس القضاء الأعلى. ونحن جميعاً نؤمن أنه مستقل وبعيد عن التأثيرات الخارجية، وأنه لن يتم استغلال تلك القوانين بهدف تقييد الحريات".

في المقابل، يتحدث النائب أوميد محمد، عن كتلة "الحراك الجديد" لـ"ارفع صوتك" عن "صياغات مطاطية في قانون حرية التعبير المقدم حالياً في البرلمان العراقي. يمكن تفسيرها مستقبلاً كما يريد أي شخص في السلطة أو الأحزاب الحاكمة"، معرباً عن "رفض كتلته لسن أي قانون من شأنه التأثير على الأجيال المستقبلية لتعارضه مع مبادئ الدستور العراقي الذي كفل حرية التعبير".

 

حرية التعبير "مقيدة"

 

تقول الحقوقية أزهار الدليمي لـ"ارفع صوتك" إنه "من الناحية العملية فإن حرية التعبير التي كفلها الدستور العراقي غير مفعلة ومقيدة بشروط وقرارات الأحزاب والكتل السياسية، ولا نراها متاحة لجميع أبناء الشعب العراقي وخصوصاً الفئات المهمشة التي تشعر بأنها اليوم باتت غير قادرة على الوصول إلى أبسط حقوقها".

وتضيف الحقوقية العراقية أن البلاد "ليست بحاجة إلى سن قانون جديد لتجريم الإساءة للرموز الدينية كون ذلك موجود في القانون العراقي المرقم 111 لسنة 1969".

وتنص المادة 372 من قانون العقوبات العراقي على أنه يعاقب بالحبس لمدة تصل إلى ثلاث سنوات أو بغرامة مالية تصل إلى ثلاثمائة دينار، من "أهان علناً رمزاً أو شخصاً هو موضع تقديس أو تمجيد أو احترام لدى طائفة دينية".

وتنص المادة 433 من قانون العقوبات على أنه يعاقب من سب أو قذف غيره بالحبس وبالغرامة أو بإحدى العقوبتين السابقتين أيضا.

وحدد القانون بحسب الحقوقية القذف بأنه "إسناد واقعة معينة إلى الغير بإحدى طرق العلانية من شأنها لو صحت أن توجب عقاب من أسندت إليه أو احتقاره عند أهل وطنه". وإذا كانت الواقعة "تمت بطريق النشر في الصحف أو المطبوعات أو بإحدى طرق الإعلام الأخرى فيعتبر عند ذلك ظرفاً مشدداً".

ومع كل ذلك فإننا نرى أن القوانين "لا تطبق على المتنفذين ممن لديهم ارتباطات حزبية، ولكن سيتم تطبيقها على المواطن العادي والجهات المستقلة إذا ما انتقدت أو تظاهرت للمطالبة بحقوقها".

 

صراع "متنفذين"

 

يقول المحلل السياسي والقانوني صفاء اللامي لـ"ارفع صوتك"  إن "مسودة قانون الجرائم المعلوماتية المقدم إلى البرلمان والذي لم يتم إقراره بعد، يتضمن في فقراته مواد قانونية تعاقب من يسيء إلى العلماء والرموز الدينية".

ويوضح أن هناك "خلافا أساسيا قائما على تلك الفقرات كونها لم تحدد من هو الرمز الديني، وهو ما أثار حفيظة منظمات المجتمع المدني والمنظمات الحقوقية وأعضاء من البرلمان العراقي والصحفيين في العراق".

أما ما يطالب به زعيم التيار الصدري، يقول اللامي، "فهو قانون موجود ولكن يريده أن يكون مستقلا بذاته، وبشكل أوسع وأدق يعاقب وفقه كل من يسيء إلى العلماء والرموز الدينية. يتم كتابة فقراته بشكل مفصل من قبل أعضاء مجلس النواب، على أن لا يتعارض مع ما جاء في المادة 38 من الدستور العراقي والمتعلقة بالحريات".

ومع ذلك، يستدرك اللامي، في حديثه لـ"ارفع صوتك"، فإن قانون تجريم الإساءة للرموز الدينية "حتى لو تم إقراره، فالخلاف الذي لدينا اليوم هو بين قوى سياسية متصارعة، وحتى لو تم إقرار القانون فهي لن تهتم بتطبيقه، لأنها تعتبر نفسها فوق القانون".

 ويضيف: "الجميع رأى هذه القوى من قبل وهي تقصف السفارات أو تحتل المنطقة الخضراء على مرأى ومسمع من السلطة التنفيذية دون أن تكون قادرة على إبداء أي ردة فعل". ولذلك فهي قوى "تعتبر نفسها فوق القانون ومسيطرة ولديها أذرع إعلامية تتكلم بما تشاء بغض النظر عن القانون".

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

صورة تعبيرية لجامع النوري في الموصل شمال العراق
صورة تعبيرية لجامع النوري في الموصل شمال العراق

تحلُّ في منتصف الشهر الحالي ذكرى "المولد النبوي" الذي اعتبرته الحكومة العراقية إجازة رسمية لموافقته يوم 12 ربيع أول، وهو التاريخ الذي رجّحت المرويات التاريخية أنه شهد ميلاد الرسول محمد، استنادًا لمقولة ابن عباس "وُلد رسول الله عام الفيل، يوم الاثنين، الثاني عشر من شهر ربيع الأول".

بحسب الترتيب الزمني الذي أورده دكتور صلاح الدين بن محمد في دراسته "الإلزامات الواردة على بدعة الاحتفال بالمولد النبوي"، فإن أول من احتفل بالمولد النبوي هم الفاطميون سنة 362 هجرية بالقاهرة، وهي الاحتفالات التي استمرت في مصر حتى ألغاها أمير الجيوش الأفضل شاهنشاه بن بدر الجمالي وزير المستعلي بالله سنة 490 هـ.

بعد سنوات من هذا الإلغاء سيكون للعراق الفضل في إعادة إحيائها مُجدداً لتنتشر بعدها في أصقاع العالم الإسلامي حتى اليوم، فما قصتها؟

 

البداية من الموصل

عاد الاحتفال بالمولد النبوي للظهور مُجدداً على يدي الفقيه عُمر بن محمد الموصلي، الذي تمتّع بمكانة اجتماعية كبيرة في الموصل شمال العراق بسبب فقهه وزُهده، فحاز شهرة كبيرة في العالم الإسلامي حتى تُوفي سنة 570 هـ.

بحسب كتاب "الروضتين في أخبار الدولتين النورية والصلاحية" لأبي شامة المقدسي، فإن "زاوية الشيخ عمر" كانت محلاً لزيارة العلماء والفقهاء والملوك والأمراء. 

وامتلك الشيخ عُمر علاقة وطيدة بنور الدين زنكي صاحب حلب، إذ اعتاد الأخير مراسلة الشيخ عُمر لـ"استشارته في الأمور العِظام"،كما كان يزوره كل سنة في شهر رمضان لتناول الإفطار معه.

تعززت هذه المكانة حين خضعت الموصل لسُلطان نور الدين زينكي عام 566 هـ فأوصى وُلاته عليها بأن يستشيروا الشيخ عُمر في كل كبيرة وصغيرة، حتى نال لقب "المولى".

بحسب أبي شامة المقدسي فإن الشيخ عُمر هو الذي أشار على نور الدين بشراء قطعة أرض خراب في وسط الموصل وحوّلها إلى مسجد أنفق على بنائه أموالاً كثيرة، هو "جامع النوري" الذي لا يزال قائماً حتى اليوم.

لم يكن "جامع النوري" هو أكبر إنجازات الفقيه الموصلي إنما إعادة إحياء الاحتفال بـ"المولد النبي"، أيضاً. وبحسب كتاب "خدمات الأوقاف في الحضارة الإسلامية إلى نهاية القرن العاشر الهجري"، كان الشيخ عُمر كان يقيم في كل سنة داخل زاويته احتفالاً بميلاد الرسول محمد، يوجّه فيه الدعوة لحاكم الموصل وكبار رجال الدولة للحضور إلى الزاوية حيث تُقدّم لهم الأطعمة والمشروبات ويستمعون للشعراء الذين حضروا هذه الاحتفالية للتنافس على إنشاد قصائد المدح النبوي.

تزامن هذا الاحتفال مع الاهتمام الجماعي الذي أبداه أهل الموصل طيلة العهد الأتابكي بمناسبة "المولد النبوي"، فكانوا يعتادون تزيين الدور والأسواق ويتجمهرون في المساجد.

في كتاب "رسائل في حُكم الاحتفال بالمولد النبوي"، لم يستبعد مؤلّفوه أن يكون الشيخ عُمر وغيره من أهل الموصل مالوا لإقامة هذه الاحتفالات كأحد أشكال تأثرهم بالفاطميين، الذين أقاموا صلات مباشرة بحكام الموصل على مدار سنوات طويلة، في إطار مساعيهم لإسقاط دولة الخلافة العباسية في العراق.

وذكر كتاب "تاريخ الموصل" لسعيد الديوه جي، أن أبرز حكام الموصل الذين رحبوا بهذا التقارب، هم  أمراء الدولة العقيلية الشيعية مثل حسام الدولة المقلد العقيلي (386 هـ- 391 هـ) وولده معتمد الدولة قرواش، اللذين حافظا على علاقات جيدة مع خلفاء مصر حتى أن قرواش أعلن تبعيته للخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله في 401 هـ، وهي خطوة لم تدم كثيراً بعدما تراجع عنها سريعاً بسبب تهديدات الخليفة القادر العباسي له بالحرب.

ووفق كتاب "الإعلام بفتاوى أئمة الإسلام حول مولده عليه الصلاة والسلام" لمحمد بن علوي الحسني، فإن الشيخ عُمر بعدما بات أول مَن احتفى بالمولد النبوي في العراق اقتدى به صاحب أربيل الملك المظفر كوكبري بن زين الدين بن بكتكين الحليف المخلص لصلاح الدين الأيوبي سُلطان مصر.

أربيل: مهرجان ديني حاشد

عمل زين الدين والد الملك المظفر الدين كوكبري والياً على الموصل، فحقّق نجاحاً كبيراً حتى أنه عندما مات سنة 563 هـ كان عدد من المدن الكبرى في العراق خاضعاً لحُكمه مثل: أربيل، شهرزور، تكريت، سنجار، حرّان وغيرها.

بعدما توفي زين الدين ورث ابنه مظفر الدين كوكبري حُكم أربيل، ولكن لصِغر سنه تولّى شؤون الإمارة أحد مماليك والده الذي خلع كوكبري عن الحُكم ونصّب بدلاً منه أخوه، هنا استعان كوكبري بصلاح الدين الأيوبي الذي أعاده أميراً على أربيل في 586 هـ.

يحكي عبد الحق التركماني في كتابه "ابن دحية الكلبي وكتابه (التنوير في مولد السراج المنير والبشير النذير)": "أخذ كوكبري عن الشيخ عُمر هذه البدعة وطوّرها وتفنن في إقامتها وبذل أموالاً عظيمة في ذلك".

وأورد كتاب "إمارة أربل في العصر العباسي" للدكتور سامي الصقار، أن كوكبري بدءاً من سنة 604 هـ "أولى اهتماماً بإقامة مهرجان ضخم للاحتفال بمولد النبي يتضمن العديد من الفعاليات التي لفتت انتباه الكثيرين من مختلف أنحاء العالم".

ووصف إحياء المناسبة: "في شهر محرم من كل عام هجري يبدأ توافد عوام المسلمين من بغداد والجزيرة ونصيبين وغيرها من البلاد على أربيل، بالإضافة إلى جماعات من الفقهاء والصوفية والشعراء، ومع بداية شهر ربيع الأول يأمر كوكبري بنصب قباب من الخشب المُزين تُخصص كل منها لاستضافة عروض رجال الأغاني والخيالة وأصحاب الملاهي، وكان الناس يزدحمون حول خيامهم لمشاهدة عروضهم".

قبل الاحتفال بيومين كان منظمو المهرجان يطلقون مسيرة ضخمة تتكوّن من مئات الإبل والبقر والغنم التي تزفّها الطبول إلى ميدان كبير تُنحر فيه وتُطبخ ثم يوُزع لحمها على الحضور، كما ذكر الكتاب.

في اليوم الأول للمهرجان كان كوكبري يحضر الاحتفال بصحبة الأعيان والفقهاء وعوام الناس لمشاهدة عروضٍ عسكرية يقوم بها بعض جنود الجيش، بعدها تُقام موائد طعام ضخمة للحضور، 

وقدر حسام الدين قِزغلي (حفيد ابن الجوزي) في كتابه "مرآة الزمان في تواريخ الأعيان"، أن أسبطة الطعام كانت تضم "100 فرس مشوية منزوعة العظام، و5 آلاف رأس غنم و10 آلاف دجاجة و30 ألف صحن حلوى".

بعد الانتهاء من الطعام، كان كوكبري يكرّم عدداً من الأعيان والفقهاء وكبار الضيوف ويوزّع عليهم الأموال. ووفق تقديرات المؤرخين فإن هذه الاحتفالات الضخمة كانت تكلف ما يزيد عن 300 ألف دينار (عملة تلك الفترة).

كيف يحتفل المسلمون بالمولد النبوي في البلدان العربية؟
يعبّر المسلمون -في كل مكان- عن حبهم للنبي من خلال مجموعة من الطقوس والشعائر الفلكلورية الشعبية المتوارثة، والتي تتنوع وتتباين باختلاف الثقافة والمكان. نرصد في هذا التقرير أهم المظاهر الاحتفالية بالمولد النبوي في مجموعة من الدول العربية.

يقول الصقار "رغم ما اشتهرت به احتفالات الخلفاء الفاطميين بالمولد النبوي من بذخٍ شديد فإنها على فخامتها تُعدُّ متواضعة إذا ما قُورنت باحتفالات أربيل، إذ كانت الحفلات الفاطمية تقتصر على ليلة واحدة تُقدم فيها الحلوى والأطعمة ثم يرتّل القرآن وتُنشد القصائد في حضرة الخليفة الفاطمي، بعكس احتفالات أربيل التي كانت تستغرق عدة أيام".

هذا الاحتفاء المهيب استدعى إشادة شهاب الدين أبو شامة في كتابه "الباعث على إنكار البدع والحوادث"، حيث قال "من أحسن ما ابتدع في زماننا ما يُفعل في مدينة أربيل في اليوم الموافق ليوم ميلاد النبي من الصدقات وإظهار الزينة والسرور".

أحد أشهر حضور هذا "المهرجان النبوي" كان المؤرّخ عمر بن الحسن حفيد الصحابي دِحية الكلبي الذي شاهد الاحتفالات 625 هـ وألّف عنها كتاباً بعنوان "التنوير في مولد السراج المنير" قرأه بنفسه على حضرة الملك فأجازه وكافأه بألف دينار.

وفيه تحدّث عن شهادته على ليلة المولد في "إربل المحروسة" وعن لقائه بـ"أفضل الملوك والسلاطين"، حسبما ذكر دكتور أنس وكاك في بحثه "قبسٌ من (التنوير في مولد السراج المنير) للحافظ أبي الخطاب بن دحية الأندلسي".