تأسست كتائب بابليون عام 2014 وهي جزء من الحشد الشعبي في العراق.
تأسست كتائب بابليون عام 2014 وهي جزء من الحشد الشعبي في العراق.

أزمة متواصلة يعيشها العراق حالياً بعد قرار الرئيس العراقي عبداللطيف رشيد سحب مرسوم جمهوري بتعيين الكاردينال لويس روفائيل ساكو، بطريركا للكنيسة الكلدانية في العراق والعالم.

خطوة اعتبرها الكاردينال ساكو انحيازاً من الدولة العراقية لخصمه ريان الكلداني قائد ميليشيا بابليون المسيحية العسكرية، وهما على خلاف شديد منذ سنوات. 

صورة أرشيفية للكاردينال ساكو
الخلاف بين ساكو ورئاسة الجمهورية العراقية يتعمق.. ما علاقة ريان الكلداني؟
أثار قرار الرئيس العراقي بسحب مرسوم تكليف بطريرك الكلدان الكاثوليك في العراق الكاردينال لويس روفائيل ساكو، غضب الكنيسة الكاثوليكية في العراق، التي اعتبرته "قراراً سياسياً وكيدياً ضد المقام البطريركي العريق في العراق والعالم"، كما قالت في بيانها.=

التأسيس والجدل

 

في صيف 2014 أعلن ريان الكلداني تأسيس ميليشيا مسيحية عسكرية عملت تحت لواء الحشد الشعبي، ضمن جهود التصدي لتنظيم "داعش".

وصرّح آنذاك، بأنها تتألف من ألف رجل، وأن قرار تشكيلها صدر عقب سقوط مدينة الموصل في أيدي التنظيم الإرهابي.

وقال الكلداني: "إرهابيو داعش شرّدونا من منازلنا وأخذوا أموالنا وقتلوا شبابنا لذا قرّرنا محاربتهم".

روّجت وسائل الإعلام الموالية للحشد لوجود قادة عسكريين مثل الكلداني ومثل وعد قدّو (ممثلاً عن طائفة الشبك)، للدلالة على تنوّع فصائل الحشد وتعبيره عن مختلف الطوائف العراقية.

أقام الكلداني علاقة تعاون عميقة بالحرس الثوري الإيراني وبالمليشيات الموالية له في العراق مثل منظمة "بدر".

وبحسب تقرير نشرته الكنيسة الكلدانية، فإن ريان لم يكن شخصاً معروفاً، بل ظهر "فجأة" عقب إعلان الحرب على داعش.

خلال المعارك ضد داعش، اتهم مقاتلو "بابليون" بارتكاب انتهاكات إنسانية مروّعة استدعت من وزارة الخزانة الأميركية أن تفرض على الكلداني عقوبات في يوليو 2019. وقالت إنه "قطع أذن معتقل مكبّل اليدين" في فيديو تداولته المنظمات الحقوقية العراقية.

واتهّمت الوزارة ميليشا "بابليون" بأنها لعبت "دوراً أساسياً في إعاقة عودة النازحين إلى قراهم في محافظة نينوى بعدما هاجمت منازلهم ونهبتها مثلما جرى في قرية (بتناي)، كذلك نفّذ اللواء عمليات استيلاء واسعة على الأراضي الزراعية وبيعها بشكلٍ غير قانوني".

في حوارٍ مع "بي بي سي" كشف الكلداني أنه عاش فترة من الوقت في لندن وأن زوجته وأولاده لا يزالون هناك. وهذه المرة رفض التصريح بعدد قواته باعتبارها "سراً عسكرياً"، كما كشف عن امتلاكه أسلحة كثيرة من ضمنها الصواريخ.

خلال حديثه وصف حركته بأنها "أول قوة مسيحية في تاريخ العراق"، وأنه كان يهتم بزيارة المهجّرين المسيحيين العائدين إلى دورهم ليقول لهم "لقد انتهت المعاناة المسيحية".

وفي ردٍّ منه حول تناقض أفعال قواته مع "الكتاب المقدّس" قال الكلداني إن "يسوع نفسه نصح مَن لا يُملك سيفاً بأن يشتري واحداً".

بعد انتصار القوات العراقية، مدعومة بالتحالف الدولي، في المعارك ضد داعش، توجه الكلداني إلى الملعب السياسي، محافظاً على ولائه لإيران.

وفي 2017 أشاد بقاسم سليماني، القائد السابق لفيلق القدس الإيراني قائلاً: "لولا انضمام الحاج قاسم لجبهات القتال لاحتل داعش بغداد والنجف وأربيل".

في الانتخابات النيابية عام 2014، لم تفز "بابليون" بأي مقعد في البرلمان. وفي 2018 ظفرت بمقعدين، ونالت في 2021 أربعة مقاعد من أصل خمسة مخصصة للمسيحيين في البرلمان المؤلَّف من 329 عضواً.

عقب انتهاء العملية الانتخابية لاحقت "بابليون" اتهامات من خصومها في الشارع السياسي المسيحي، بأنها اعتمدت على أصوات الشيعة لتأمين الفوز بالانتخابات. وهو تكرار لاتهامات قديمة لهم بأن أغلب مقاتلي الحركة ليسوا مسيحيين إنما من الشيعة.

مع كل ذلك، بدا جليّاً أن الكلداني، بات زعيما مسيحيا رئيسيا في المشهد السياسي العراقي.

وخلال وصول البابا فرانسيس إلى العراق عام 2021، كان الكلداني ضمن مستقبليه. 

هذا التنامي البارز للنفوذ، قاده للوقوع في صدامٍ مع رأس المسيحيين الكلدان داخل العراق: البطريرك لويس ساكو.

 

حرب الاتهامات

 

بدأت الخلافات مع البطريرك مار لويس ساكو فور وصوله إلى منصبه، حيث أعلن تبرأه من كتائب "بابليون".

وبحسب بيان رسمي، أكدت البطريركية الكلدانية أن "لا علاقة لها لا من قريب ولا من بعيد بكتائب بابليون أو غيرها من الفصائل المسيحية المسلحة، وأن مرجعيتها السياسية هي الحكومة العراقية".

بعدها بعامٍ واحد، صرّح ساكو بأن "تكوين ميليشيات طائفية لا يعبّر عن ثقافة المسيحيين. فحماية المسيحيين وغيرهم هو واجب الحكومة". لذا فإنه لم يعترض على انخراط المسيحيين في القتال ضمن الجيش العراقي أو البيشمركة، لكن تكوين جماعات مسلحة دينية مستقلة "أمر غير مقبول، ونوع من الموت"، على حدّ تعبيره.

وكشف الكادرينال عن لقائه ببعض قيادات "بابليون" في مدينة تلكيف في نينوى عقب تحريرها، حيث استقبلوه حاملين صورةً للإمام علي مع صليب مسيحي. تصرّف أثار اعتراض الكاردينال الذي لام قيادات "بابليون" بدعوى أن "الأمر لا يحتاج إلى رمزٍ ديني".

في ختام حديثه، شدّد ساكو على أنه "ليس ضد انضمام مسيحيين إلى قوات الحشد الشعبي، لكنه يُعارض ارتكاب تجاوزات وانتهاكات لحقوق الإنسان بِاسم المسيحية".

أيضاً، خلال حوارٍ أجراه في مارس 2022، وصف ساكو حركة "بابليون" بأنها "جهة مسلحة تدعي أنها مسيحية، لكنها في الحقيقة لا تمثل المسيحيين".

وفي مارس الماضي، حاولت قوة تابعة لـ"بابليون" قادها أسامة الكلداني شقيق ريان بسط سيطرتها على بلدة بغديدا في سهل نينوى. لكن أهالي البلدة رفضوا ذلك، ودعم الكاردينال مظاهراتهم لرفض وجود هذه القوة.

بعدها بشهرين، اشتعلت معركة الاتهامات بين الطرفين، بعدما اتّهم الكاردينال ساكو أحد رجال الأعمال المقرّبين من "بابليون" بالاستيلاء على بعض ممتلكات الكنيسة، فردَّ عليه الكلداني متهماً إياه بـ"التدخل في السياسة والإضرار بسُمعة الكنيسة".

عندها، عقد ساكو مؤتمراً هدّد فيه بتدويل القضية المسيحية في العراق لو لم تتخذ الحكومة العراقية إجراءً ضد الكلداني، كما صبَّ نيران غضبه على إيفان فائق جابرو، وزيرة الهجرة العراقية الكلدانية بسبب علاقتها بالحركة.

الأخطر من ذلك أن الكاردينال اتّهم الكلداني بأنه يسعى لشراء "رجال دين" لتوسيع نفوذه داخل الكنيسة أيضاً.

من جانبه، أعرب يوسف توما المطران الكلداني في كركوك والسليمانية عن دعمه لساكو في معركته مع حركة "بابليون" التي وصفها بأنها "فاشية مسيحية جديدة تُعادي العائلة والأقارب وتهدم كل ما بنته الكنيسة طوال العقود الماضية".

لاحقاً بلغ الصراع ذروته عقب قرار الرئيس العراقي سحب مرسوم تنصيب الكاردينال ساكو، وهو ما استدعى رسالة غاضبة من ساكو قال فيها إن هذا المرسوم صدر إرضاءً لحملة كتائب بابليون، ويُمهد لزيادة هيمنة ريان الكلداني وعائلته على الأملاك المسيحية.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

Iranian President Pezeshkian visits Erbil
من زيارة الرئيس الإيراني لكردستان العراق- رويترز

استخدم الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان خلال زيارته الحالية إلى العراق اللهجة الكردية ليقول إن بين طهران وكردستان "علاقات جيدة"، في مؤشر واضح على تحسّن روابط بلاده مع الإقليم العراقي الذي يتمتع بحكم ذاتي واستهدفته ضربات إيرانية مرّات عدّة في السنوات الأخيرة.

فكيف تمكّن الإيرانيون وأكراد العراق من تسوية خلافاتهم؟

 

تقارب حقيقي؟

شهدت العلاقات بين جمهورية إيران الإسلامية وإقليم كردستان العراق، وهو تقليدياً حليف لواشنطن والأوروبيين في الشرق الأوسط، تحسناً ملحوظاً في الأشهر الأخيرة.

وكثرت الزيارات التي أجراها مسؤولون من الجانبين والتصريحات الإيجابية.

وحضر كلّ من رئيس الإقليم نيجيرفان بارزاني وابن عمّه رئيس الوزراء مسرور بارزاني جنازة الرئيس الإيراني ابراهيم رئيسي الذي قضى مع مسؤولين بينهم وزير خارجيته حسين أمير عبداللهيان في تحطّم طائرتهم في 19 مايو الماضي.

كذلك زار القائم بأعمال الخارجية الإيرانية علي باقري أربيل عاصمة الإقليم في يونيو الفائت.

ولدى خروجه الأربعاء من القصر الرئاسي في بغداد حيث اجتمع بنظيره العراقي عبد اللطيف رشيد، قال بزشكيان بالكردية لقناة "رووداو" المحلية الكردية "لدينا علاقات جيدة مع كردستان وسنعمل على تحسينها أكثر".

وزار نيجيرفان طهران ثلاث مرات في غضون أربعة أشهر، والتقى بارزاني المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية آية الله علي خامنئي.

يقول مدير "المركز الفرنسي لأبحاث العراق" عادل بكوان لوكالة فرانس برس: "أصبحنا حالياً في مرحلة التطبيع" في العلاقات.

ويعود ذلك بالنفع على أربيل من ناحية "حماية أمنها واستقرارها ونموها الاقتصادي، ما يجعل تطبيع العلاقات مع جمهورية إيران الإسلامية ضروريا للغاية"، بحسب بكوان.

 

لماذا قصفت طهران إقليم كردستان؟

في السنوات الأخيرة، تعثّرت العلاقات بين أربيل وطهران بسبب الخلاف حول مجموعات مسلحة من المعارضة الكردية الإيرانية تتمركز في كردستان العراق منذ ثمانينيات القرن المنصرم بعد اندلاع حرب استمرت ثماني سنوات بين العراق وإيران.

على جانبي الحدود، كان الأكراد العراقيون والإيرانيون يتكلّمون اللهجة نفسها ويتشاركون روابط عائلية.

واستمرت المجموعات الإيرانية المعارضة وغالبيتها يسارية الميول وتندّد بالتمييز الذي يعاني منه الأكراد في إيران، في جذب الفارّين من القمع السياسي في الجمهورية الإسلامية. من هذه المجموعات حزب "كومله" الكردي والحزب الديموقراطي الكردستاني الإيراني اللذان تعتبرهما طهران منظمتين "إرهابيتين".

وكان لهذه المجموعات مقاتلون مسلحون، إلا أنهم كانوا ينفون تنفيذ أي عمليات ضد إيران عبر الحدود.

واتّهمت طهران هذه المجموعات بتهريب أسلحة بالتسلّل إلى أراضيها انطلاقاً من العراق وبتأجيج التظاهرات التي هزت إيران في أعقاب وفاة الشابة الكردية الإيرانية مهسا أميني في 16 سبتمبر 2022 بعدما أوقفتها شرطة الأخلاق لعدم امتثالها لقواعد اللباس الصارمة في الجمهورية الإسلامية.

في نهاية عام 2023، وبعد ضربات عدّة نفذتها إيران في العراق، تعهدت السلطات العراقية بنزع سلاح هذه الفصائل وإخلاء قواعدها ونقلها إلى معسكرات.

وقال مستشار الأمن القومي العراقي قاسم الأعرجي للتلفزيون الإيراني الرسمي، الثلاثاء الماضي، إن الحكومة العراقية أغلقت 77 من قواعد هذه المجموعات قرب الحدود مع إيران ونقلت المجموعات إلى ست معسكرات في أربيل والسليمانية.

وأكّد أن استعدادات تجري لمغادرتها العراق إلى بلد ثالث.

 

ما التحديات التي لا تزال قائمة؟

في ظلّ اضطرابات جيوسياسية في الشرق الأوسط، استهدفت طهران كردستان مرّات أخرى، متهمة الإقليم بإيواء مواقع للاستخبارات الخارجية الإسرائيلية (موساد).

في يناير 2024 ووسط توترات إقليمية على خلفية الحرب في قطاع غزة بين إسرائيل وحركة حماس الفلسطينية، شنّت القوات الإيرانية هجوما على مواقع في إقليم كردستان العراق، مشيرة إلى أنّها استهدفت "مقرا لجهاز الموساد". 

من جانبها، نفت الحكومة المركزية في بغداد وحكومة كردستان أن يكون "الموساد" متواجدا في الإقليم.

ويمكن كذلك قراءة التقارب الذي بدأته أربيل مع طهران في ضوء "الانسحاب" الأميركي المحتمل من العراق، بحسب عادل بكوان.

وتجري بغداد وواشنطن منذ أشهر مفاوضات بشأن التقليص التدريجي لعديد قوات التحالف الدولي بقيادة واشنطن في العراق.

وتطالب فصائل عراقية مسلحة موالية لإيران بانسحاب هذه القوات.

وقال وزير الدفاع العراقي ثابت العباسي في مقابلة تلفزيونية، الأحد الماضي، إن العاصمتين توصلتا إلى تفاهم حول جدول زمني لانسحاب قوات التحالف الدولي من العراق "على مرحلتين".

وأوضح أن التفاهم يتضمّن مرحلة أولى تمتدّ من سبتمبر الجاري حتى سبتمبر 2025 وتشمل "بغداد والقواعد العسكرية للمستشارين"، يليها انسحاب "في المرحلة الثانية من سبتمبر 2025 حتى سبتمبر 2026 من كردستان العراق".

ولم تعد أربيل في السنوات الأخيرة في موقع قوة أمام الحكومة المركزية في بغداد التي تربطها بها علاقات متوترة.

يقول بكوان "كلما انسحبت الولايات المتحدة من الشرق الأوسط، بالتالي من العراق بالتالي من كردستان العراق، أصبحت أربيل أضعف في مواجهة بغداد (...) المدعومة بقوة من جمهورية إيران الإسلامية" المعادية لواشنطن.