تراجع سعر صرف الدينار العراقي مجدداً أمام الدولار الأميركي، بعد فرض عقوبات على 14 مصرفاً عراقياً تبلغ حصته من مزاد العملة 8% بحسب بيان للبنك المركزي.
مختصون أشاروا إلى أن المواطن العراقي هو من سيدفع ثمن الأزمة الجديدة التي ستتسبب بارتفاع كبير في أسعار السلع إذا لم يتم السيطرة على سوق الصرف الموازي.
وكانت وزارة الخزانة الأميركية منعت أربعة بنوك عراقية في نوفمبر 2022 من الوصول إلى الدولار، عبر فرض ضوابط أكثر صرامة على التحويلات المالية في العراق.
البنوك الأربعة كانت تستحوذ على نسبة تتجاوز 40% من مبيعات البنك المركزي العراقي لأغراض التحويلات لتمويل التجارة الخارجية، أما المصارف الـ14 التي تعرضت للعقوبات الجديدة، فتستحوذ على 8% من مجموع التحويلات الخارجية.
وعلى الرغم من عدم تعليق البنك المركزي على القرار الجديد وأثره على السوق المحلية لمراسلة "ارفع صوتك"، إلا أنه أصدر بياناً قللّ فيه من تأثير العقوبات، وعزا ارتفاع أسعار الصرف المباشر للسوق المحلية بعد الإعلان عن العقوبات إلى "قيام بعض التجار وغيرهم بسحب الدولار لأغراض التجارة أو غيرها، بعيداً عن المنصة وبعيداً عن سياقات التحويل الأُصولية، مما يؤدي إلى رفع سعر الصرف في السوق السوداء، وهي ليست سوقاً موازية، ما دام مصدر الدولار البنك المركزي وليس من داخل السوق".
ردة فعل "عنيفة"
بحسب الخبير الاقتصادي نبيل المرسومي، فإن "ردة فعل سوق أسعار الصرف الموازية في العراق كانت عنيفة، حيث ارتفع سعر الصرف بشكل مباشر متجاوزاً عتبة الـ1500 دينار لكل دولار".
ويعتبر في حديثة لـ"ارفع صوتك"، أن قرار فرض العقوبات على المصارف "سيمهد لارتفاعات متتالية في قيمة الدولار الأميركي، ما يعني ارتفاعا كبيراً في أسعار الخدمات والسلع داخل السوق العراقية، بالتالي سيؤثر سلبياً على مستوى معيشة المواطن ويخفّض من الدخل الحقيقي".
ويرى المرسومي، أن "أدوات السياسة النقدية العراقية، فشلت في القضاء على فجوة سعر صرف الدولار، رغم مرور أشهر على بدء عمل المنصة الإلكترونية".
ويضيف أن على البنك المركزي "توسيع قاعدة مبيعاته من النقد الأجنبي داخل السوق المحلية حتى يستطيع تقليص الفجوة، من خلال الاستعانة بالمصارف الحكومية لتوسيع قاعدة عرض الدولار، من خلال منح مبالغ أكبر للمسافرين وغيرهم بالسعر الرسمي، بالتالي يذهب الفائض للسوق الموازي".
ولا يعتقد المرسومي بوجود إمكانية لتجنيب المصارف العراقية تلك العقوبات، إلا "بإنهاء العقوبات الأميركية على إيران".
"فالعراق يعتمد بشكل كبير على المنتجات الإيرانية، وعندما يصدر قرار بمنع مصرف من الحصول على الدولار يلجأ إلى السوق الموازي لتمويل تلك التجارة"، يتابع المرسومي.
ويؤكد أن "الحل لن يكون قريباً، لأنه يحتاج إلى أمرين، أولهما، رفع العقوبات المفروضة على إيران، وثانيهما، منح العراق استثناءً خاصاً، وكلاهما احتمالان قائمان في الأمد المتوسط والبعيد فقط".
تقليص الحصة النقدية
من جهته، يرى الخبير الاقتصادي عبد الرحمن المشهداني، أن العقوبات الجديدة "لن تؤدي فقط إلى تقليص المبيعات للحوالات الخارجية بنسبة 8% فقط كما أعلن المركزي العراق، فتلك البنوك تستحوذ على حصة كبيرة من المبيعات النقدية التي تزود السوق المحلية الموازية بالدولار الأميركي".
"كما أن تلك المصارف تمتلك شبكة واسعة من شركات الصيرفة في السوق المحلية العراقية، ومنعها من حصتها النقدية يعني سحب مبالغ يومية بملايين الدولارات من السوق، التي تعاني منذ العام الماضي من تقلبات بأسعار الصرف، أثرت بشكل مباشر على حياة المواطنين"، يقول المشهداني لـ"ارفع صوتك".
ويحذر من "تشكيل لوبي بين تلك المصارف، بهدف إرباك السوق العراقية وإثبات أهميتهم في خارطة المصارف"، لافتاً إلى أن "جميع تقلبات أسعار الصرف خلال الستة أشهر الماضية كانت بسبب فرض العقوبات على أربعة مصارف عراقية تملك حصة كبيرة في التحويلات الخارجية".
استيرادات العراق
يعتبر المشهداني أن مشكلة العراق الأساسية تكمن في "اعتماد سوقه المحلية على المنتجات الزراعية والصناعية من دول الجوار التي تعرضت للعقوبات الأميركية، وهي إيران بالدرجة الأساس ثم تركيا وسوريا".
ويوضح: "يستورد العراق بضائع من إيران بقيمة تتراوح بين 8-10 مليار دولار سنوياً، فيما يبلغ حجم تجارته مع تركيا 10-12 مليار دولار سنوياً، وهناك مستوردات بقيمة تتجاوز المليار دولار من سوريا، وجميع تلك الاستيرادات يتم تمويلها من خارج المنصة أي عن طريق السوق الموازية".
"وجدت تلك البنوك بدائل وطرقاً جديدة للحصول على الدولار وتمويل تجارتها مثل إصدار بطاقات ائتمان، أو استخدام جوازات سفر لعراقيين بعلمهم أو من دون علمهم لسحب العملة لأغراض السفر. وهي أموال تتجه إلى السوق الموازية، ونتيجة لذلك فرضت عقوبات عراقية على أربعة مصارف"، يتابع المشهداني.
ويقول إن "إيجاد بديل للتجارة مع دول أخرى ليس بالأمر الهيّن، ففي جميع الأحوال سترتفع قيمة البضائع المستوردة بسبب تكاليف النقل، كما أن هذه الدول الثلاث قريبة من الحدود العراقية، ما يعني وصول البضاعة المطلوبة خلال يوم واحد إلى العراق".
استدعاء محافظ المركزي
في السياق نفسه، يقول عضو اللجنة المالية في البرلمان العراقي مصطفى الكرعاوي، لـ"ارفع صوتك"، إن "الأسباب الحقيقة لإصدار العقوبات على المصارف العراقية تكمن في عدم التزامها بضوابط توريد الدولار وقواعد بيع العملة الأجنبية، فبعضها لم يلتزم بجهات الصرف وبعضها الآخر لم يقدم فواتير حقيقية".
ويتفق الكرعاوي مع ما ذهب إليه خبراء الاقتصاد في أن "إيقاف عمل تلك المصارف في مزاد العملة سيؤدي إلى شحة في الدولار الأميركي بالسوق المحلية، ونتيجة لذلك ستحصل مضاربات بهدف الحصول على العملة لدفع قيمة ما يتم استيراده من بضائع، وبالتالي اضطراب الأسعار وارتفاع سعر الصرف في السوق الموازي".
وأوضح الكرعاوي ان العراق :"يفترض أن يكون لديه منظومة كاملة بدءاً من المنافذ الحدودية والضرائب، وأن يكون هناك نظام الكتروني ينظم عملية استيراد البضائع".
ونتيجة لذلك "يكون هناك سيطرة على التجار وعلى المبالغ المحولة خارج العراق لخلق توازن بين المواد المستوردة والمبالغ المحولة وهي الأساس في العملية"، وفق الكرعاوي.
ويرى أن "على الحكومة تنظيم عملها للسيطرة على المبالغ المحوّلة، وفي نفس الوقت ستكون لديها القدرة على معرفة المصرف الذي تكمن فيه المشكلة من خلال الفواتير التي يقدمها".
ويلفت الكرعاوي، إلى أن البرلمان "سُيفعّل من دوره الرقابي، عن طريق متابعة إجراءات الحكومة للحدّ من اضطراب سعر الصرف، ومتابعة قرارات البنك المركزي لتنظيم العمل".
يتابع: "الأسبوع المقبل سيستضيف البرلمان محافظ البنك المركزي لمعرفة إجراءاته تجاه هذا الموضوع".
