قبل أن يفقد ساقه ويده اليسرى وإحدى عينيه، كان أبو محمد يعمل في جمع "الخردة" من مكبات النفايات وساحات الأنقاض المنتشرة خارج مراكز المدن، كمصدر عمل يؤمن له قوت عائلته المكونة من أربع فتيات وصبي لم يتجاوز عامه الثاني بعد.
هذا العمل "البسيط" كما يسميه أبو محمد، الذي يسكن عامرية الفلوجة، يتلخص في "جمع الحديد والمواد النحاسية من ساحات الأنقاض ثم إعادة بيعها ليتم تدويرها". وهو مصدر رزقه منذ كان في الخامسة عشر 15 عاما من عمره.
بحزن يتحدث أبو محمد عن يوم الحادث لـ"ارفع صوتك" الذي يصفه بأنه كان "يوماً صيفياً حاراً، توجهت فيه إلى ساحة الأنقاض منذ الصباح الباكر، ووجدت قنبرة هاون فرفعتها لتنفجر بين يدي وتحولني إلى أشلاء".
تطلب علاجه واستقرار حالته، كما يقول، "خمسة أشهر طويلة، لم أفقد خلالها أجزاء من جسدي ونظري فقط، بل تحولت إلى عالة على زوجتي وأطفالي في وقت هم في أمس الحاجة لي"، كما يقول.
تعود "قنبرة" الهاون التي تسببت في إصابة أبو محمد بإعاقة دائمة إلى مخلفات الحرب مع داعش، والتي ما يزال آلاف العراقيين يعانون من تبعات وجودها في منازلهم التي هجروا منها و مزارعهم التي تحولت إلى حقول للموت.
تركة ثقيلة
"يُعد العراق من أكثر الدول تلوثاً بالألغام والمخلفات الحربية لخوضه عدة حروب بدءا من الحرب مع إيران مطلع ثمانينات القرن الماضي، وحرب الخليج في مطلع التسعينات وصولاً إلى حرب إسقاط النظام السابق عام 2003 وأخيراً الحرب ضد داعش بين عامي 2014 و2017"، كما يقول مصطفى حميد مدير إعلام دائرة الألغام.
ويضيف في حديثه لـ"ارفع صوتك" أنه "نتيجة لكل تلك الحروب ورثنا تركة ثقيلة من الألغام والعبوات الناسفة والقنابل غير المنفلقة والمخلفات الحربية الأخرى التي تشكل تهديداً مباشراً لحياة الناس".
واحدة من أهم المشاكل التي واجهت العراق في هذا المجال كانت "عدم وجود خرائط للمساحات الملوثة بالمخلفات الحربية العام 2003، لنبدأ بعمل المسوحات وأحصينا مساحة التلوث في عموم العراق والتي قدرت بأكثر من ستة آلاف كيلومتر مربع".
ويضيف مصطفى حميد: "تمت إزالة بحدود أربعة آلاف كيلومتر مربع من تلك المساحة أي نحو57% من المساحة الملوثة، والآن المتبقي بحدود ألفي متر مربع منها".
لتنظيف تلك المساحات الكبيرة، يقول حميد: "انضم العراق إلى اتفاقية إزالة الألغام العام 2008 وتم وضع مخطط زمني كان يفترض أن ينتهي العام 2018 ويتم إعلان العراق دولة خالية من الألغام. لكن، واجهته بعض التحديات ما بين الحرب على داعش والوضع الاقتصادي فتعذر الالتزام بالسقف الزمني".
لتلك الأسباب، "طلب العراق التمديد لعشر سنوات أخرى وتمت الموافقة. والمفروض أن يتخلص العراق من نسبة كبيرة من الألغام والمخلفات الحربية بحلول العام 2028".
وكان العراق انضم إلى عدة اتفاقيات دولية بشأن الأسلحة والألغام، منها اتفاقية حظر الألغام والذخائر العنقودية، واتفاقية حظر الأسلحة التقليدية مفرطة الضرر أو عشوائية الأثر.
مخلفات داعش الحربية
يحدد مصطفى حميد مدير إعلام دائرة الألغام في وزارة البيئة لـ"ارفع صوتك" "المناطق الملوثة بالمخلفات الحربية وخصوصاً العبوات الناسفة التي تم زراعتها من قبل داعش بمحافظات نينوى وصلاح الدين وديالى والأنبار وكركوك".
أما مساحة التلوث التي تركها داعش، "فتبلغ أكثر من ألفي كيلومتر مربع، تراوحت أنواع الأراضي فيها بين مناطق سكنية ومزارع ومشاريع وبنى تحتية".
يقول حميد: "تركت الألغام ضرراً اقتصادياً واجتماعياً كبيراً. فكثير من المشاريع الزراعية توقفت، وعدد لا يستهان به من النازحين لم يعودوا إلى مناطقهم بسبب تلك العبوات المزروعة في كل مكان".
ويضيف :"نجحت جهود المنظمات الأممية والشركات الأجنبية والمحلية المتعاونة في تنظيف أكثر من 1500 كيلومتر مربع من المساحات الملوثة بالمخلفات الحربية. والمتبقي بحدود 634 كيلومتراً مربعاً منها أراض زراعية ومنازل، وعاد الكثير من سكان تلك المناطق إلى منازلهم".
ويشير مدير دائرة الإعلام إلى أن "تلك المناطق سجلت خلال الفترة الماضية العديد من الحوادث التي أسفرت عن مقتل وجرح العديد من سكانها، وبشكل خاص ممن يمارسون الرعي في المناطق المفتوحة".
ورغم عدم وجود إحصائية بعدد المتضررين من مخلفات داعش، إلا أن الاحصاءات المثبتة لجميع ضحايا المخلفات الحربية في وزارة الصحة العراقية تجاوزت 34 ألف ضحية.
عبوات "غير تقليدية"
"تفنن داعش في زراعة العبوات وتفخيخ المنازل بهدف تعطيل تقدم القوات الأمنية خلال الحرب على الإرهاب ولم يأخذ هوية معينة، فالعبوات كانت ارتجالية مبتكرة". وكان يتم تفخيخ أي شيء بـ"الحشوات" و "تي إن تي". ووصل الأمر "لتفخيخ جثث الضحايا، والكتب السماوية في المساجد والبيوت والكنائس"، بحسب مصطفى حميد مدير إعلام دائرة الألغام.
تلك العبوات التي تركها داعش، كما يقول حيدر الحسناوي مدير مشاريع منظمة بغداد لإزالة الألغام، "من الصعب التعامل معها وتفكيكها، فهي لم تكن معروفة عالمياً للخبراء، وجميعها كان محلي الصنع".
ويضيف: "استخدم التنظيم كثير من الأمور المحرمة دولياً وقانونياً، ولم يكن لديه أي معيار أخلاقي أو ذرة من الإنسانية. وسببت العبوات التي تركها ظلماً كبيراً للمجتمع الذي تعرض الكثير من أبنائه للحرق والبتر والتشوه والموت نتيجة لها".
عملت منظمة بغداد لإزالة الألغام بين عامي 2018 و2020 في محافظتي الأنبار ونينوى. وكانت شاهداً على بعض من أغرب عمليات التفخيخ "التي لم يكن فيها أي رادع إنساني، فقد تم تفخيخ مدارس الأطفال، ودوائر الماء والمؤسسات الصحية".
ويتم التفخيخ، يضيف الحسناوي، "عبر تهديم مداخل ومخارج المؤسسة وزراعة العبوات داخل الأرضيات والجدران، ثم يتم مد الأسلاك إلى الخارج وإعادة البناء كما كان، بحيث لا يمكن رؤية الأماكن المفخخة بالعين المجردة". ونتيجة لذلك "فقد العديد من المتخصصين وأبناء القوات المسلحة حياتهم".
فخخ داعش أيضاً "الأراضي الزراعية والآبار والأشجار وقام بتمويهها. أما في البيوت فقام بتفخيخ أدوات الطبخ وقناني الغاز وقناني الأوكسجين للأغراض الطبية والعملية". ونتيجة لذلك "حصلت خسائر بشرية كبيرة من أبناء تلك المناطق لأننا لا نتعامل بأشياء تقليدية".
ورغم تنظيف مناطق واسعة من التلوث في العراق، "إلا أننا ما زلنا بحاجة إلى تكثيف الجهود لتخليص باقي المناطق المتضررة، وخصوصاً محافظة ديالى التي تعتبر أكبر مناطق التلوث من مخلفات داعش في الوقت الحالي. وما يزال العمل فيها لم يبدأ بشكل جاد حتى الآن، رغم أنها كانت ثاني أكبر المناطق مساحة بالتلوث بعد مدينة الموصل"، يؤكد الحسناوي.
ويطالب مدير مشاريع منظمة بغداد لإزالة الألغام "بتوطين الأعمال المتعلقة بالألغام في العراق، وتسليمها إلى جهات وطنية كون الشركات الأجنبية عملها محدود بفترة زمنية معينة وبكلفة عالية بسبب المخاطر"، مشيراً إلى أهمية "إبقاء دورها في تدريب المزيد من الكوادر العراقية على إزالة الألغام".
فعمليات إزالة الألغام، كما يقول، "تجري في أراض واسعة بعموم مناطق العراق الملوثة، وتحتاج إلى فترات ممتدة من الوقت لإنهاء العمل فيها".
