A member of Finance Crimes Squad packs confiscated items after a news conference in Athens, Monday, March 6, 2017. The…
العراق تحوّل من ممرّ إلى مستهلك للكبتاجون- صورة أرشيفية

أعلن جهاز الأمن الوطني العراقي، الاثنين الماضي، عن ضبط "كميات كبيرة من الحبوب المخدرة نوع كبتاجون تُقدر بنحو مليون حبة مخبأة بطريقة سرية داخل شاحنة".

وقال في بيان، إن التاجر الذي ضُبطت في حوزته الحبوب المخدرة "أجنبي"، من دون تحديد جنسيته، مؤكداً  ضبط مبالغ مالية بالعملتين العراقية والأجنبية مع التاجر.

وفي يونيو الفائت، تم ضبط معمل لتصنيع حبوب الـ"كبتاجون" المخدرة، وهي سابقة تسجّل لأول مرة في العراق، الذي كان يعتبر ممراً لهذا النوع من المخدرات إلى دول الخليج، لا منتجاً ولا مستهلكاً بشكل أساسي.

وتعليقاً على ذلك، أورد تقرير لموقع "أوروبا برس إنترناشونال" الإسباني، أن العراق "أصبح دولة مستهلكة ومنتجة في ظل معاناة يواجهها الشباب العراقي من البطالة والفقر وفقدان الوظائف".

في كتابه "المخدرات والإدمانات الأخرى"، الذي يتطرق إلى أنواع المخدرات الشائعة وأسباب تعاطيها ومضاعفاتها، يقول الطبيب المصري إيهاب الخرّاط، الحائز على دكتوراة في علاج الإدمان من جامعة "كنت" البريطانية، إن الكبتاجون أو الـ"فينيثيلين" هو مركّب من الـ"أمفيتامين" وموسّع الشعب الهوائية الـ"ثيوفيلين".

ويضيف أن "الكبتاغون منشط قوي وعالي الإدمانية، وينتشر في دول الخليج والشام خاصة، على صورة أقراص بنية مزركشة عادة، لكن لها أشكال مختلفة أيضاً".

ويتم تناول "الكبتاجون من طريق الفم، ويتسبب في زيادة مدة وشدّة اليقظة ومن ثم عدم النوم، ويتسبب أيضاً في الشعور بالنشوة والنشاط الزائد وله مفعول مسكّن للألم"، بحسب الخرّاط.

غلاف كتاب إيهاب الخراط

وقد يسبب الكبتاجون، كما يقول الخرّاط "التشتت والهلاوس وزيادة في ضغط الدم واضطراب ضربات القلب والرعشة والقيء والضعف الجنسي وفقدان الرغبة الجنسية".

أما أعراض انسحابه وعلاجه فـ"مشابهة لجميع عائلة المنشطات، التي يندرج تحتها الكوكايين والأمفيتامين والفلاكا والإيفدرين"، وكلها وفق الخراط "لها تأثيرات مشابهة".

ويشير في كتابه إلى أن مقاتلي تنظيم داعش "استخدموا هذا النوع من المخدرات خلال قتالهم في سوريا والعراق، ويسمونه (كيميا الشجاعة)".

وكان "مرصد الأزهر لمكافحة التطرّف"، وهو أحد مؤسسات الأزهر، أشار في بيان صادر في نوفمبر 2022، إلى خطورة استخدام "الكبتاغون" من قبل التنظيمات الإرهابية للتمويل والسيطرة على عناصرها.

وبيّن أن "معظم دول العالم حظرت في فترة الثمانينيات هذا العقار المعروف باسم (كوكايين الفقراء) بعد أن أظهرت نتائج العديد من الدراسات إمكانية إدمانه العالية، وتأثيره على زيادة معدل ضربات القلب ودرجة حرارة الجسم والتنفس، وارتفاع الضغط فضلًا عن حالات الاكتئاب الشديدة والخمول وقلة النوم وتسمم القلب والأوعية الدموية وسوء التغذية الحاد".

"كما أن تنظيم داعش الإرهابي قرر الاعتماد على الاستفادة من هذا العقار في تنويع مصادر الداخل وتمويل الأنشطة الإرهابية، فضلًا عن السيطرة على العناصر ورفع قدراتهم القتالية؛ إذ يؤدي استخدامه إلى اليقظة المتواصلة لأيام، ويمنح شعوراً كاذباً بالسعادة والشجاعة"، بحسب البيان.

ويصف مرصد الأزهر "الكبتاغون" بأنه "مخدر الإرهابيين".

بالعودة لتاريخ استخدام "الكبتاجون"، فإن بداياته كانت دوائية، مع قيام شركة أدوية ألمانية عام 1961 بتصنيع دواء حمل نفس الاسم، والمادة الفعالة فيه هي الـ"فينيثيلين"، التي تنقسم لدى امتصاصها في الجسم إلى مادتي "الأمفيتامين" و"ثيوفيلين".

وكانت استخدامات هذا الدواء مخصصة لبعض حالات اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه، وبعد تجارب ودراسات تبيّن أن هذا الدواء يسبب الإدمان ويؤدي إلى أعراض جانبية كثيرة، فضلاً عن استخدامه من قبل رياضيين كمنشّط، ما دفع السلطات الألمانية إلى منعه في الثمانينيات.

بعد المنع استطاع تجار المخدرات من الحصول على بعض المخزون المتوفر من مادة الـ"فينيثيلين" لتصنيع حبوب "الكبتاجون" والترويج لها.

وبما أن هذه المادة ليست متاحة بشكل سهل، عمل تجار المخدرات، خصوصاً في منطقة الشرق الأوسط، على إيجاد مواد بديلة لاستخدامها في تصنيع المخدّر الذي بقي يحمل الاسم التجاري نفسه، لكن مع مكونات مختلفة، تستند بشكل أساسي اليوم إلى الـ"أمفيتامين"، التي تشكّل المادة الفعالة الأساسية في حبوب "الكبتاجون" المنتشرة في الخليج وبلاد الشام وهي على الغالب نفسها المكتشفة في العراق مؤخراً.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

صورة تعبيرية لجامع النوري في الموصل شمال العراق
صورة تعبيرية لجامع النوري في الموصل شمال العراق

تحلُّ في منتصف الشهر الحالي ذكرى "المولد النبوي" الذي اعتبرته الحكومة العراقية إجازة رسمية لموافقته يوم 12 ربيع أول، وهو التاريخ الذي رجّحت المرويات التاريخية أنه شهد ميلاد الرسول محمد، استنادًا لمقولة ابن عباس "وُلد رسول الله عام الفيل، يوم الاثنين، الثاني عشر من شهر ربيع الأول".

بحسب الترتيب الزمني الذي أورده دكتور صلاح الدين بن محمد في دراسته "الإلزامات الواردة على بدعة الاحتفال بالمولد النبوي"، فإن أول من احتفل بالمولد النبوي هم الفاطميون سنة 362 هجرية بالقاهرة، وهي الاحتفالات التي استمرت في مصر حتى ألغاها أمير الجيوش الأفضل شاهنشاه بن بدر الجمالي وزير المستعلي بالله سنة 490 هـ.

بعد سنوات من هذا الإلغاء سيكون للعراق الفضل في إعادة إحيائها مُجدداً لتنتشر بعدها في أصقاع العالم الإسلامي حتى اليوم، فما قصتها؟

 

البداية من الموصل

عاد الاحتفال بالمولد النبوي للظهور مُجدداً على يدي الفقيه عُمر بن محمد الموصلي، الذي تمتّع بمكانة اجتماعية كبيرة في الموصل شمال العراق بسبب فقهه وزُهده، فحاز شهرة كبيرة في العالم الإسلامي حتى تُوفي سنة 570 هـ.

بحسب كتاب "الروضتين في أخبار الدولتين النورية والصلاحية" لأبي شامة المقدسي، فإن "زاوية الشيخ عمر" كانت محلاً لزيارة العلماء والفقهاء والملوك والأمراء. 

وامتلك الشيخ عُمر علاقة وطيدة بنور الدين زنكي صاحب حلب، إذ اعتاد الأخير مراسلة الشيخ عُمر لـ"استشارته في الأمور العِظام"،كما كان يزوره كل سنة في شهر رمضان لتناول الإفطار معه.

تعززت هذه المكانة حين خضعت الموصل لسُلطان نور الدين زينكي عام 566 هـ فأوصى وُلاته عليها بأن يستشيروا الشيخ عُمر في كل كبيرة وصغيرة، حتى نال لقب "المولى".

بحسب أبي شامة المقدسي فإن الشيخ عُمر هو الذي أشار على نور الدين بشراء قطعة أرض خراب في وسط الموصل وحوّلها إلى مسجد أنفق على بنائه أموالاً كثيرة، هو "جامع النوري" الذي لا يزال قائماً حتى اليوم.

لم يكن "جامع النوري" هو أكبر إنجازات الفقيه الموصلي إنما إعادة إحياء الاحتفال بـ"المولد النبي"، أيضاً. وبحسب كتاب "خدمات الأوقاف في الحضارة الإسلامية إلى نهاية القرن العاشر الهجري"، كان الشيخ عُمر كان يقيم في كل سنة داخل زاويته احتفالاً بميلاد الرسول محمد، يوجّه فيه الدعوة لحاكم الموصل وكبار رجال الدولة للحضور إلى الزاوية حيث تُقدّم لهم الأطعمة والمشروبات ويستمعون للشعراء الذين حضروا هذه الاحتفالية للتنافس على إنشاد قصائد المدح النبوي.

تزامن هذا الاحتفال مع الاهتمام الجماعي الذي أبداه أهل الموصل طيلة العهد الأتابكي بمناسبة "المولد النبوي"، فكانوا يعتادون تزيين الدور والأسواق ويتجمهرون في المساجد.

في كتاب "رسائل في حُكم الاحتفال بالمولد النبوي"، لم يستبعد مؤلّفوه أن يكون الشيخ عُمر وغيره من أهل الموصل مالوا لإقامة هذه الاحتفالات كأحد أشكال تأثرهم بالفاطميين، الذين أقاموا صلات مباشرة بحكام الموصل على مدار سنوات طويلة، في إطار مساعيهم لإسقاط دولة الخلافة العباسية في العراق.

وذكر كتاب "تاريخ الموصل" لسعيد الديوه جي، أن أبرز حكام الموصل الذين رحبوا بهذا التقارب، هم  أمراء الدولة العقيلية الشيعية مثل حسام الدولة المقلد العقيلي (386 هـ- 391 هـ) وولده معتمد الدولة قرواش، اللذين حافظا على علاقات جيدة مع خلفاء مصر حتى أن قرواش أعلن تبعيته للخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله في 401 هـ، وهي خطوة لم تدم كثيراً بعدما تراجع عنها سريعاً بسبب تهديدات الخليفة القادر العباسي له بالحرب.

ووفق كتاب "الإعلام بفتاوى أئمة الإسلام حول مولده عليه الصلاة والسلام" لمحمد بن علوي الحسني، فإن الشيخ عُمر بعدما بات أول مَن احتفى بالمولد النبوي في العراق اقتدى به صاحب أربيل الملك المظفر كوكبري بن زين الدين بن بكتكين الحليف المخلص لصلاح الدين الأيوبي سُلطان مصر.

أربيل: مهرجان ديني حاشد

عمل زين الدين والد الملك المظفر الدين كوكبري والياً على الموصل، فحقّق نجاحاً كبيراً حتى أنه عندما مات سنة 563 هـ كان عدد من المدن الكبرى في العراق خاضعاً لحُكمه مثل: أربيل، شهرزور، تكريت، سنجار، حرّان وغيرها.

بعدما توفي زين الدين ورث ابنه مظفر الدين كوكبري حُكم أربيل، ولكن لصِغر سنه تولّى شؤون الإمارة أحد مماليك والده الذي خلع كوكبري عن الحُكم ونصّب بدلاً منه أخوه، هنا استعان كوكبري بصلاح الدين الأيوبي الذي أعاده أميراً على أربيل في 586 هـ.

يحكي عبد الحق التركماني في كتابه "ابن دحية الكلبي وكتابه (التنوير في مولد السراج المنير والبشير النذير)": "أخذ كوكبري عن الشيخ عُمر هذه البدعة وطوّرها وتفنن في إقامتها وبذل أموالاً عظيمة في ذلك".

وأورد كتاب "إمارة أربل في العصر العباسي" للدكتور سامي الصقار، أن كوكبري بدءاً من سنة 604 هـ "أولى اهتماماً بإقامة مهرجان ضخم للاحتفال بمولد النبي يتضمن العديد من الفعاليات التي لفتت انتباه الكثيرين من مختلف أنحاء العالم".

ووصف إحياء المناسبة: "في شهر محرم من كل عام هجري يبدأ توافد عوام المسلمين من بغداد والجزيرة ونصيبين وغيرها من البلاد على أربيل، بالإضافة إلى جماعات من الفقهاء والصوفية والشعراء، ومع بداية شهر ربيع الأول يأمر كوكبري بنصب قباب من الخشب المُزين تُخصص كل منها لاستضافة عروض رجال الأغاني والخيالة وأصحاب الملاهي، وكان الناس يزدحمون حول خيامهم لمشاهدة عروضهم".

قبل الاحتفال بيومين كان منظمو المهرجان يطلقون مسيرة ضخمة تتكوّن من مئات الإبل والبقر والغنم التي تزفّها الطبول إلى ميدان كبير تُنحر فيه وتُطبخ ثم يوُزع لحمها على الحضور، كما ذكر الكتاب.

في اليوم الأول للمهرجان كان كوكبري يحضر الاحتفال بصحبة الأعيان والفقهاء وعوام الناس لمشاهدة عروضٍ عسكرية يقوم بها بعض جنود الجيش، بعدها تُقام موائد طعام ضخمة للحضور، 

وقدر حسام الدين قِزغلي (حفيد ابن الجوزي) في كتابه "مرآة الزمان في تواريخ الأعيان"، أن أسبطة الطعام كانت تضم "100 فرس مشوية منزوعة العظام، و5 آلاف رأس غنم و10 آلاف دجاجة و30 ألف صحن حلوى".

بعد الانتهاء من الطعام، كان كوكبري يكرّم عدداً من الأعيان والفقهاء وكبار الضيوف ويوزّع عليهم الأموال. ووفق تقديرات المؤرخين فإن هذه الاحتفالات الضخمة كانت تكلف ما يزيد عن 300 ألف دينار (عملة تلك الفترة).

كيف يحتفل المسلمون بالمولد النبوي في البلدان العربية؟
يعبّر المسلمون -في كل مكان- عن حبهم للنبي من خلال مجموعة من الطقوس والشعائر الفلكلورية الشعبية المتوارثة، والتي تتنوع وتتباين باختلاف الثقافة والمكان. نرصد في هذا التقرير أهم المظاهر الاحتفالية بالمولد النبوي في مجموعة من الدول العربية.

يقول الصقار "رغم ما اشتهرت به احتفالات الخلفاء الفاطميين بالمولد النبوي من بذخٍ شديد فإنها على فخامتها تُعدُّ متواضعة إذا ما قُورنت باحتفالات أربيل، إذ كانت الحفلات الفاطمية تقتصر على ليلة واحدة تُقدم فيها الحلوى والأطعمة ثم يرتّل القرآن وتُنشد القصائد في حضرة الخليفة الفاطمي، بعكس احتفالات أربيل التي كانت تستغرق عدة أيام".

هذا الاحتفاء المهيب استدعى إشادة شهاب الدين أبو شامة في كتابه "الباعث على إنكار البدع والحوادث"، حيث قال "من أحسن ما ابتدع في زماننا ما يُفعل في مدينة أربيل في اليوم الموافق ليوم ميلاد النبي من الصدقات وإظهار الزينة والسرور".

أحد أشهر حضور هذا "المهرجان النبوي" كان المؤرّخ عمر بن الحسن حفيد الصحابي دِحية الكلبي الذي شاهد الاحتفالات 625 هـ وألّف عنها كتاباً بعنوان "التنوير في مولد السراج المنير" قرأه بنفسه على حضرة الملك فأجازه وكافأه بألف دينار.

وفيه تحدّث عن شهادته على ليلة المولد في "إربل المحروسة" وعن لقائه بـ"أفضل الملوك والسلاطين"، حسبما ذكر دكتور أنس وكاك في بحثه "قبسٌ من (التنوير في مولد السراج المنير) للحافظ أبي الخطاب بن دحية الأندلسي".