صورة أرشيفية من الانتخابات النيابية في العراق- تعبيرية
صورة أرشيفية من الانتخابات النيابية في العراق- تعبيرية

ما زال المال السياسي يشكل أحد أكبر العوائق التي تواجهها الأحزاب الصغيرة والناشئة خلال انتخابات مجالس المحافظات التي يستعد العراق لإجرائها في 18 ديسمبر المقبل.

ولعب المال السياسي دورا كبيرا خلال العمليات الانتخابية التي شهدها العراق منذ عام 2005، فالأحزاب الكبيرة والمرشحون المدعومون منها، طالما استخدموا مبالغ مالية كبيرة في سبيل الحصول على أصوات الناخبين، خلال مراحل الدعاية الانتخابية، بينما كانت حظوظ المرشحين المستقلين وعدم المدعومين من الجهات السياسية الكبيرة قليلة في الحصول على نتائج جيدة في هذه الانتخابات.

ورغم نجاح الأحزاب السياسية المنبثقة عن الاحتجاجات الشعبية عام 2019 والمستقلين، من الحصول على نحو 40 مقعدا من أصل 329 مقعدا العدد الكلي لمقاعد مجلس النواب خلال الانتخابات البرلمانية التي شهدها العراق في أكتوبر 2021، إلا أنها والقوى الناشئة والصغيرة ما زالت متخوفة من المال الموجود بين يدي أحزاب السلطة واستخدامها خلال انتخابات مجالس المحافظات.

يقول رئيس اللجنة السياسية في حزب "الاتحاد العراقي للعمل والحقوق"، حسين جبار، إن إزالة هذه العوائق تكون عبر تشريع قانون الأحزاب.

يوضح لـ"ارفع صوتك": "لم يشرع البرلمان العراقي حتى الآن قانون الأحزاب، وإذا أُقر بنسخة عادلة سيقلب الطاولة على المال والسلاح السياسي معاً".

ويؤكد جبار: "نحن الآن على أبواب انتخابات مجالس المحافظات، ونفهم جيداً كيف تُدار العملية السياسية، لذلك لن نرضخ للوهم السياسي الذي تعيشه وتبثه أحزاب ما بعد 2003 على التنظيمات الجديدة، ولن نغادر الواقع وسنعمل على استغلال الفرص القانونية المتاحة لجعل النظام السياسي العراقي أكثر توازنا وعدالة".

ووجه رئيس الوزراء العراقي، محمد شياع السوداني، خلال زيارته مقر المفوضية العليا المستقلة للانتخابات في 22 مايو الماضي "بالعمل على ترسيخ ثقة المواطن بالعملية الانتخابية ومخرجاتها".

ونقل المكتب الإعلامي بياناً له، جاء فيه: "الحكومة لن تدّخر جهداً في هذا المسار، والأجهزة الحكومية مكلفة باستنفار طاقاتها كافة؛ لمنع أي تلاعب أو تعامل خارج إطار القانون يؤثر في النتائج أو يعرقل عمل المفوضية".

من جهته، يعتبر الناشط القانوني عمار السرحان، أن المال السياسي "أبرز عائق تواجهه الأحزاب الصغيرة والمستقلة في انتخابات مجالس المحافظات المقبلة".

ويبيّن لـ"ارفع صوتك": "أبرز الانعكاسات على العملية الانتخابية هو عدم جلب مرشحين يعني عدم ملء القائمة، لأن القائمة الانتخابية حسب المعادلة الرياضية لنظام (سانت ليغو). يجب أن تمتلئ بالمرشحين بضعف عدد مقاعد المحافظة كي يتمكن الكيان السياسي من الفوز بمقاعد المحافظة".

"وأبرز الأحزاب التقليدية هي التي تملك المال السياسي، بالتالي ستتمكن بسهولة من جلب المرشحين الذين يملكون أصواتاً كثيرة، بالتالي تفرغ قوائم الأحزاب الناشئة والمستقلين من المرشحين"، يتابع السرحان.

وقالت المفوضية العليا المستقلة للانتخابات في 21 يوليو الحالي، إن عدد الأحزاب المسجلة للمشاركة في العملية الانتخابية بلغت حتى الآن 281 حزبا من ضمنها 11 حزباً بإجازة مشروطة (أي أنها بانتظار جواب هيئة المساءلة والعدالة بشأنهم".

وقال مدير الإجراءات والتدريب في المفوضية، داود سلمان خضير، لوكالة الأنباء العراقية الرسمية، إن "عدد التحالفات بلغ 41 تحالفاً، وارتفع عدد الأحزاب الناشئة إلى 14. وسيكون هناك أكثر من 1800 فريق جوال، بالإضافة إلى 1079 مراكز تسجيل منتشرة في عموم العراق".

نائب مدير منظمة "بصرياثا" الثقافية، حسن الحجاج، يؤكد على "الفارق الكبير بالقدرات المالية للأحزاب الصغيرة والجديدة مقارنة مع الأحزاب المتنفذة في العراق"، وهو ما "يؤثر" برأيه، على نتائج الانتخابات من محورين رئيسيين.

يقول لـ"ارفع صوتك": "المحور الأول يتمثل في قدرة الأحزاب المتنفذة على تمويل الحملات الانتخابية للمرشحين بمبالغ تتراوح بين عشرات الآلاف من الدولارات حتى مئات الآلاف أحياناً، بينما افتقار الأحزاب الصغيرة للموارد المالية المشابهة للأحزاب المتنفذة يجعل من المتعسر عليها دعم مرشحيها الذين يعتمدون على جهودهم الذاتية".

ويضيف الحجاج أن تكاليف الحملات الانتخابية "زادت عدة أضعاف في الانتخابات المقبلة بسبب تحويل المحافظة إلى دائرة انتخابية واحدة، بعد أن كانت المحافظة تنقسم لدوائر متعددة، الشيء الذي كان يُلزم المرشح بنشر دعايته الانتخابية في منطقته فقط وليس في عموم المحافظة".

فيما يتمثل المحور الثاني من تأثيرات المال السياسي "بقدرة الأحزاب الكبيرة على تقديم مرشحين من طبقة رجال العشائر الذين يحصدون أصواتاً عشائرية كثيرة مقابل مبالغ مالية عالية وامتيازات معينة بمجرد الترشّح، حتى لو لم يفز المرشح، فيما لا يرشح أغلب المنتمين لهذه الفئة مع الأحزاب الصغيرة التي لا تقدم الامتيازات المادية والمعنوية".

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

فقد تنظيم داعش مصدر تمويله الرئيسي، النفط، بعد خسارته لأراضيه في سوريا والعراق.
فقد تنظيم داعش مصدر تمويله الرئيسي، النفط، بعد خسارته لأراضيه في سوريا والعراق.

يبدو تنظيم داعش، عندما يتعلق الأمر بالتمويل والبحث عن مصادر دخل تنعش موارده المتدهورة، أشبه بكيان متمرس في عالم المافيا والجريمة المنظمة. الكثيرون، بمن فيهم أمراء كبار، انشقوا عنه حينما صدمتهم هذه الحقيقة. 

قيادة التنظيم نفسها تدرك جيدا أن تسليط الضوء على هذا الجانب من نشاطات التنظيم يقوض الصورة التي رسمها لنفسه أمام أتباعه وأنصاره. لذلك لم يتبنَّ يوما أي عملية قتل أو تخريب قام بها باسم جباية ما يسميها "الكلفة السلطانية" رغم أن جزءا من جهوده، لا سيما في شرق سوريا، مكرس لهذا النشاط الشنيع.

 

الكلفة السلطانية

 

منذ خسارة التنظيم للمساحات الشاسعة التي كان يسيطر عليها في سوريا والعراق، وما نجم عن ذلك من فقدانه لما تدره عليه المعابر وحقول النفط من موارد مالية كبيرة، فَعّل التنظيم عددا من "الخطط الاقتصادية" البديلة كان من بينها جباية ما يسميها "الكلفة السلطانية".

تعد " الكلفة السلطانية" نشاطا مدرا للدخل إلى جانب نشاطات أخرى ضمن "اقتصاد الحرب" تضخ في خزينة التنظيم أموالا طائلة، مثل التهريب، والاختطاف، وتجارة الآثار، والسطو على البنوك ومحلات الصرافة، واستحواذه على احتياطات العملة الصعبة والذهب في المدن التي اجتاحها، ونهب ممتلكات الطوائف الأخرى وغيرها.

تزامنت ثورة مواقع التواصل الاجتماعي مع الصعود السريع لتنظيم داعش عام 2013.
"داعش".. خلافة رقمية يطوقها مارد الذكاء الاصطناعي
الشركات التكنولوجية الكبيرة شرعت منذ 2017 في الاعتماد كليا على خوارزميات الذكاء الاصطناعي لرصد وحذف المواد التي تروج للتطرف العنيف على منصاتها، بينما اقتصر دورها في السابق على تكميل جهود فرق بشرية يقع على عاتقها عبء هذه العملية برمتها.

لعدة سنوات ظل التنظيم يجمع " الكلفة السلطانية" لاسيما في مناطق الشرق السوري، حيث تنتشر حقول النفط، والمساحات الزراعية، وممرات التهريب، والمتاجر ومحلات الصرافة. لكنه لم يكن يتحدث عن ذلك لا في إعلامه الرسمي ولا الرديف، بل وتحاشى الاشارة إليها حتى في مراسلاته الداخلية، لأنه يدرك أن جدلا محموما سينتج عن ذلك، وسيحتاج إلى فتاوى دينية وجهود دعائية كبيرة لإقناع أتباعه بـ"وجاهة" أفعاله، وقد خرج أعضاء سابقون في التنظيم ونشروا على قنواتهم الرقمية "أن إرغام المسلمين غصبا وبحد السيف على إعطاء جزء من حلالِهم لثلة من المفسدين في الأرض هو عمل عدواني لا يقوم به إلا أهل البغي وقطاع الطرق".

 

ضريبة على رعايا الخليفة!

 

ينبغي التفريق هنا بين ما ينهبه التنظيم ممن يعتبرهم "كفارا ومرتدين" والذي يسميه ب"الفيء" و"الغنيمة" وبين ما يجبيه باسم "الكلفة السلطانية". فالكلفة السلطانية هي ضريبة يؤديها "المسلمون ورعايا الخليفة" بالقوة والإكراه، أي أن المستهدفين بها هم في عرف التنظيم من المسلمين الذين "لا تحل أموالهم ودماؤهم" ولا تدخل "الكلفة السلطانية" أيضا ضمن الزكاة الواجبة التي تتم جبايتها قسرا من المسلمين من طرف أمنيي التنظيم.

وبعد انكشاف أمر عمليات السطو والنهب هذه لم يجد التنظيم بدا من الحديث عنها في مراسلاته الداخلية، وانتداب أحد شرعييه لصياغة فتوى لتسويغها من الناحية الدينية.

صاغ أبو المعتصم القرشي، وهو أحد كوادر "المكتب الشرعي" لـ"ولاية الشام" فتوى مطولة في 12 صفحة، وحشد فيها مجموعة من النصوص الدينية والقواعد الأصولية التي اعتبرها "أدلة شرعية" على جواز نهب أموال المسلمين بالقوة والإكراه!.

عَرّف القرشي الكلفة السلطانية بأنها " الأموال التي يطلبها الإمام من الناس لأجل مصلحة شرعية". ولعجزه عن إيجاد نصوص قطعية من الكتاب والسنة لتبرير هذه "البدعة الداعشية"، فقد لجأ إلى القواعد الأصولية من قبيل" يُتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام" و" درء المفاسد مقدم على جلب المصالح"، و" تفويت أدنى المصلحتين لتحصيل أعلاهما"، و"ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب".

يعني هذا ببساطة أن مصلحة استمرار عمليات التنظيم والحفاظ على قوته ومقدراته مقدمة على مصالح الناس الأخرى، وأن تواصل عمليات التنظيم باعتبارها "جهادا مقدسا"  إذا لم يتم إلا بالسطو على أموال الناس فيجب السطو عليها.

أكد القرشي في نص فتواه جواز استخدام العنف والقوة لجباية الأموال، قائلا: "لا شك أن المال عصب الجهاد، والإعداد لا يكون إلا به، فتحصيله وتوفيره واجب على الإمام ولو بالقوة والإكراه"، ومن امتنع عن أداء "الكلف السلطانية جاز للإمام أو من ينوب عنه أن يعزره بشكل يكون رادعا له ولغيره حتى يؤدي ما عليه من الحقوق المالية في هذا الشأن".

أما الفئات الاجتماعية المستهدفة بهذه الضريبة، فقد قدم أبو المعتصم سردا طويلا بأصحاب المهن والمحلات التجارية والأطباء والصرافين والفلاحين والمدارس والكليات وتجار الدجاج والبيض وتجار المواشي والمستشفيات. ولم يترك أي نشاط مدر للدخل إلا وأشار إليه ضمن الذين فرض عليهم دفع "الكلف السلطانية"، ولم يستثن سوى أصحاب البسْطات على الأرصفة.

أخطر ما في الفتوى هو أن الممتنع عن أداء ما يطلبه التنظيم من أموال سيكون مصيره القتل والحكم عليه بالردة، و" طريقة استخدام القوة تتفاوت حسب المعاندة والممانعة بين التهديد، والإتلاف لبعض المال، أو التعزير، أو التغريم المالي وحتى الجسدي، ثم القتل إذا استعان الممتنع بشوكة الكفار والمرتدين على المجاهدين فعندها يُطبق عليه حكم الردة" حسب تعبير أبي المعتصم القرشي.

 

معاناة الناس في شرق سوريا

 

في شرق سوريا، يتم استخلاص هذه الضريبة بعد توجيه رسائل تهديد بأرقام دولية عبر تطبيق واتساب إلى المعنيين، وتخييرهم بين دفع "السلطانية" أو مواجهة خلايا الاغتيال، بعد تخريب ممتلكاتهم وتقويض مشاريعهم التجارية والاستثمارية.

وحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان، فقد ارتفعت هذا العام نسبة تلك الضرائب إلى حد كبير جداً مقارنة بالسنوات الفائتة، حتى بلغت نحو 616 ألف دولار من تجار النفط والمستثمرين.

وحصل المرصد على إفادة من أحد العاملين في شركة مستثمرة في قطاع النفط في المنطقة الشرقية (دير الزور) تقول بأن الشركة رفضت دفع كامل المبلغ المطلوب منها تحت مسمى "الكلفة السلطانية"، والتي قدرها التنظيم بنصف مليون دولار أميركي، ودفعت بدلها 300 ألف دولار، لكن التنظيم هدد سائقي صهاريج المحروقات التي تعمل لصالح الشركة بالاستهداف إذا لم يتم دفع المبلغ كاملا في غضون أسابيع، ولم يعد لدى الشركة خيار آخر سوى تدبير ما تبقى من المبلغ.

مستثمر آخر في قطاع النفط توصل برسالة عبر تطبيق الواتساب من رقم دولي مفادها بأن عليه دفع "الكلفة السلطانية" البالغ قدرها 75 ألف دولار، وعدم إخبار أي جهة تابعة لقسد أو التحالف الدولي بذلك ووجهت له تهديدات في حال التبليغ أو عدم دفع المبلغ خلال أسبوع، وأن خلايا التنظيم ستقوم بزرع عبوة في سيارته أو حرق بئر النفط الذي يعود له.

ولفت المرصد إلى أن خلايا داعش في بادية ريف دير الزور الشرقي تفرض ضرائب تتراوح بين 1000 و3500 دولار، في مناطق ذيبان وحوايج ذيبان وجديد بكارة، على المستثمرين الذين يعملون على توريد المحروقات إلى "سادكوبى" التابعة للإدارة الذاتية في دير الزور.

يعمد التنظيم أيضا إلى حرق المحاصيل الزراعية التي تعود للفلاحين الذين رفضوا الرضوخ لابتزازه ودفع الأموال التي يطلبها منهم، ورمي القنابل اليدوية على منازل الأثرياء، وعيادات الأطباء، وقد هرب عدد من الأطباء من المنطقة الشرقية بعدما أثقل التنظيم كاهلهم بالضرائب و"المكوس"، ولا سيما وقد وضعهم في رأس قائمة أهدافه لأنهم -حسب اعتقاده- يجنون الأموال أكثر من غيرهم.