Iraqi Foreign Minister Fouad Hussein, right, shakes hands with his visiting Iranian counterpart Hossein Amir-Abdollahian, at…
يستفيد العراق من علاقاته الجيدة بإيران للعب دور الوسيط في حل نزاعات المنطقة - تعبيرية

قبل أيام أعلن وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين خلال استقباله نظيره اليمني في بغداد، عن استعداد العراق للدخول في وساطة لإنهاء الحرب في اليمن.

وقال إن هناك "وقفاً لإطلاق النار أو هدنة غير معلنة الآن في اليمن"، آملاً بأن "تتحول هذه الحالة إلى حوار بين جميع الأطراف اليمنية".

إعلان الوزير العراقي، طرح تساؤلات عدة حول قدرة بلاده على إدارة هذا النوع من الوساطات، خصوصاً أن العراق نفسه يعاني مشاكل كثيرة قد تحتاج إلى وساطات لحلّها.

لكن العراق، كما أبرزت تجارب سابقة لديه بالفعل ما يقدمه، نتيجة علاقاته الجيدة بمختلف اللاعبين في العالم العربي، واعتماده سياسة الحياد تجاه الكثير من الصراعات التي تجري حوله. ما عبّر عنه حسين بقوله: "العراق مستعد للمساعدة في هذا المجال. لدينا علاقات جيدة مع جميع الأطراف. نستطيع أن نضع هذه العلاقات في خدمة الاستقرار والأمن في اليمن، ونستطيع أن نتحرك إقليميا في هذا المجال".  

من جهته، يؤكد مدير المركز العراقي للدراسات الإستراتيجية والدبلوماسي العراقي السابق غازي السكوتي، أن "الموقع الجيوسياسي والجيو- اقتصادي للعراق في الشرق الأوسط هو الذي عزّز هذا الدور".

ويقول لـ"ارفع صوتك: "بعد عقود من الحروب والأزمات والصراعات، ذهب العراق باتجاه سياسة خارجية مبنية على تحقيق التوازن والحياد تجاه دول الجوار، وذلك بالانفتاح تدريجياً على المملكة العربية السعودية والخليج العربي لتخفيف الهيمنة الإيرانية التي استحوذت على القرار العراقي لسنوات بعد سقوط النظام عام 2003 حتى 2017، حين وقع رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي اتفاقية لتشكيل المجلس الاقتصادي العراقي، السعودي وكذلك الانفتاح على الإمارات ودولة قطر".

بالنسبة إلى أستاذ العلوم السياسية في جامعة المستنصرية عصام الفيلي، فإن "زيارة الوفد اليمني إلى العراق تشكّل منعطفاً في العلاقات العراقية اليمنية، لأن الوفد يمثل الحكومة الشرعية الحاكمة في اليمن، ولا يمثل الحوثيين".

ويبيّن لـ"ارفع صوتك": " العراق يسعى إلى تقريب وجهات النظر بين الطرفين المتخاصمين داخل اليمن وهذا يحدث لأول مرة، لأن معظم الطبقة السياسية كانت خلال مراحل طويلة مؤيدة بشكل أساسي للحوثيين، وتعترف بهم كممثل شرعي للشعب اليمني، لكن يبدو أن حكومة السوداني تريد أن تقيم علاقات متوازنة مع مختلف الأطراف في المنطقة".

من المعروف أن علاقة العراق جيدة بالنظام السوري وكذلك الأمر بإيران، وله علاقات جيدة أيضاً مع دول الخليج العربي وعلى رأسها السعودية، بالإضافة إلى مصر والأردن ولبنان وباقي الدول العربية.

وقد استثمرت بغداد في علاقاتها هذه لتلعب أدوار وساطة إقليمية في ملفات عديدة، حين استقبلت عام 2021 محادثات غير مسبوقة بين إيران والسعودية أدت إلى إنهاء القطيعة بين البلدين ومهدت لعودة العلاقات الدبلوماسية، بعد 6 جولات من الحوار التمهيدي بينهما استضافتها العاصمة العراقية.

وحاول العراق أيضاً في بدايات العام الحالي لعب دور وساطة في الملف النووي الإيراني بين الولايات المتحدة وإيران، عبر التوفيق بين البلدين لمحاولة إعادة العمل بالاتفاق النووي.

كما جمعت بغداد في مايو الماضي، بين ممثلين عن الجانبين المصري والإيراني، بوساطة تبنتها الحكومة برئاسة محمد شيّاع السوداني، لصالح التوفيق بين مصر وإيران والعمل على إنتاج تسوية بينهما تشبه التسوية السعودية – الإيرانية وتكون استكمالاً لها. 

في هذا المجال يقول الفيلي، إن "طبيعة الإشكالية بين مصر وإيران وإيران والسعودية من جهة أخرى، ترتكز على مجموعة من المخاوف، تتعلق برفع إيران شعار (تصدير الثورة) بعد الانقلاب على الشاه، ومخاوف أخرى تتعلق بما يُعرف بالهلال الشيعي، وهذا جعل العالم العربي يقف بحذر من إيران وسياساتها".

"لكن التغير الدراماتيكي في الخطاب السياسي الإيراني ورغبته في فتح أبواب الحوار، جعل الجميع من ضمنهم العراق يعيدون النظر في ايجاد طرق تسهّل معالجة القضايا العالقة عبر الحوار"، بحسب الفيلي.

رئيس الحكومة العراقية محمد شياع السوداني قال إن أي توتُّر بين أميركا وإيران يؤثر سلبا على العراق.
"حلَّال عقد".. هل تنجح الوساطة العراقية بين إيران وأميركا؟
يبذل العراق جهودا متواصلة من أجل تسوية مُصالحة بين أميركا وإيران، وإعادة العمل بالاتفاق النووي مُجددًا. تأتي هذه المحاولة ضمن محاولات أخرى يقوم بها العراق لتحسين علاقات إيران بعددٍ من دول المنطقة على رأسها السعودية ومصر والأردن.

فتح هذا الملف جاء نتيجة "رغبة حثيثة من الجانب الإيراني" كما يقول غازي السكوتي، لكن "هناك شروطاً جدية من قبل مصر تتعلق بعدم تدخل إيران في الشؤون الداخلية لمصر والدول العربية عموماً، واحترام ميثاق الأمم المتحدة".

يتابع: "وهناك خطاب معتدل ملحوظ من قبل وزارة الخارجية الإيرانية في هذا المضمار لتصحيح علاقاتها وانتهاج سياسة معتدلة، كما يأمل كثيرون، وأن تتخلى إيران عن الخيارات العسكرية الموجودة في الدستور الإيراني التي تستهدف تقويض الأنظمة الوضعية والذهاب إلى أنظمة على غرار ولاية الفقيه، وكل هذا يعتبر تدخلاً في الشؤون السيادية للدول. ولهذا السبب لا بد من الضغط على إيران للتخلي عن الخيارات العسكرية العابرة للحدود التي تهدد أمن واستقرار المنطقة".

ويعتبر الفيلي أن دور العراق كوسيط إقليمي، "بدأه رئيس الحكومة السابق مصطفى الكاظمي، مستفيداً من تجربته في إدارة جهاز الاستخبارات العراقية قبل توليه رئاسة الحكومة، ما مكنّه من تفكيك المشهد الإقليمي بطريقة علمية، بشكل يحفّز المقاربات ويجمّد الخلافات".

ويضيف أن "السوداني قادر بدوره على لعب دور مشابه وأن يكون حلقة وصل ما بين المتخاصمين اليمنيين وممثليهم الإقليميين".

ويلفت الفيلي إلى أن قيادات الحوثيين "لا تزال تزور بغداد والنجف وكربلاء"، وهذا برأيه "يمكّن العراق من تحقيق المزيد من الوساطات بطريقة تسمح بتفكيك الأزمة، خصوصاً أن السعودية تريد أيضاً إنهاء حرب اليمن وفتحت أبواب التواصل مع الحوثيين وأعطتهم مكانة في موسم الحج هذا العام مع زيارة وفد حوثي إلى السعودية لتأدية مناسك الحج لأول مرة منذ بدء الحرب اليمنية، وهو ما يساعد في إغلاق هذا الملف بصورة نهائية".

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

صورة تعبيرية لجامع النوري في الموصل شمال العراق
صورة تعبيرية لجامع النوري في الموصل شمال العراق

تحلُّ في منتصف الشهر الحالي ذكرى "المولد النبوي" الذي اعتبرته الحكومة العراقية إجازة رسمية لموافقته يوم 12 ربيع أول، وهو التاريخ الذي رجّحت المرويات التاريخية أنه شهد ميلاد الرسول محمد، استنادًا لمقولة ابن عباس "وُلد رسول الله عام الفيل، يوم الاثنين، الثاني عشر من شهر ربيع الأول".

بحسب الترتيب الزمني الذي أورده دكتور صلاح الدين بن محمد في دراسته "الإلزامات الواردة على بدعة الاحتفال بالمولد النبوي"، فإن أول من احتفل بالمولد النبوي هم الفاطميون سنة 362 هجرية بالقاهرة، وهي الاحتفالات التي استمرت في مصر حتى ألغاها أمير الجيوش الأفضل شاهنشاه بن بدر الجمالي وزير المستعلي بالله سنة 490 هـ.

بعد سنوات من هذا الإلغاء سيكون للعراق الفضل في إعادة إحيائها مُجدداً لتنتشر بعدها في أصقاع العالم الإسلامي حتى اليوم، فما قصتها؟

 

البداية من الموصل

عاد الاحتفال بالمولد النبوي للظهور مُجدداً على يدي الفقيه عُمر بن محمد الموصلي، الذي تمتّع بمكانة اجتماعية كبيرة في الموصل شمال العراق بسبب فقهه وزُهده، فحاز شهرة كبيرة في العالم الإسلامي حتى تُوفي سنة 570 هـ.

بحسب كتاب "الروضتين في أخبار الدولتين النورية والصلاحية" لأبي شامة المقدسي، فإن "زاوية الشيخ عمر" كانت محلاً لزيارة العلماء والفقهاء والملوك والأمراء. 

وامتلك الشيخ عُمر علاقة وطيدة بنور الدين زنكي صاحب حلب، إذ اعتاد الأخير مراسلة الشيخ عُمر لـ"استشارته في الأمور العِظام"،كما كان يزوره كل سنة في شهر رمضان لتناول الإفطار معه.

تعززت هذه المكانة حين خضعت الموصل لسُلطان نور الدين زينكي عام 566 هـ فأوصى وُلاته عليها بأن يستشيروا الشيخ عُمر في كل كبيرة وصغيرة، حتى نال لقب "المولى".

بحسب أبي شامة المقدسي فإن الشيخ عُمر هو الذي أشار على نور الدين بشراء قطعة أرض خراب في وسط الموصل وحوّلها إلى مسجد أنفق على بنائه أموالاً كثيرة، هو "جامع النوري" الذي لا يزال قائماً حتى اليوم.

لم يكن "جامع النوري" هو أكبر إنجازات الفقيه الموصلي إنما إعادة إحياء الاحتفال بـ"المولد النبي"، أيضاً. وبحسب كتاب "خدمات الأوقاف في الحضارة الإسلامية إلى نهاية القرن العاشر الهجري"، كان الشيخ عُمر كان يقيم في كل سنة داخل زاويته احتفالاً بميلاد الرسول محمد، يوجّه فيه الدعوة لحاكم الموصل وكبار رجال الدولة للحضور إلى الزاوية حيث تُقدّم لهم الأطعمة والمشروبات ويستمعون للشعراء الذين حضروا هذه الاحتفالية للتنافس على إنشاد قصائد المدح النبوي.

تزامن هذا الاحتفال مع الاهتمام الجماعي الذي أبداه أهل الموصل طيلة العهد الأتابكي بمناسبة "المولد النبوي"، فكانوا يعتادون تزيين الدور والأسواق ويتجمهرون في المساجد.

في كتاب "رسائل في حُكم الاحتفال بالمولد النبوي"، لم يستبعد مؤلّفوه أن يكون الشيخ عُمر وغيره من أهل الموصل مالوا لإقامة هذه الاحتفالات كأحد أشكال تأثرهم بالفاطميين، الذين أقاموا صلات مباشرة بحكام الموصل على مدار سنوات طويلة، في إطار مساعيهم لإسقاط دولة الخلافة العباسية في العراق.

وذكر كتاب "تاريخ الموصل" لسعيد الديوه جي، أن أبرز حكام الموصل الذين رحبوا بهذا التقارب، هم  أمراء الدولة العقيلية الشيعية مثل حسام الدولة المقلد العقيلي (386 هـ- 391 هـ) وولده معتمد الدولة قرواش، اللذين حافظا على علاقات جيدة مع خلفاء مصر حتى أن قرواش أعلن تبعيته للخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله في 401 هـ، وهي خطوة لم تدم كثيراً بعدما تراجع عنها سريعاً بسبب تهديدات الخليفة القادر العباسي له بالحرب.

ووفق كتاب "الإعلام بفتاوى أئمة الإسلام حول مولده عليه الصلاة والسلام" لمحمد بن علوي الحسني، فإن الشيخ عُمر بعدما بات أول مَن احتفى بالمولد النبوي في العراق اقتدى به صاحب أربيل الملك المظفر كوكبري بن زين الدين بن بكتكين الحليف المخلص لصلاح الدين الأيوبي سُلطان مصر.

أربيل: مهرجان ديني حاشد

عمل زين الدين والد الملك المظفر الدين كوكبري والياً على الموصل، فحقّق نجاحاً كبيراً حتى أنه عندما مات سنة 563 هـ كان عدد من المدن الكبرى في العراق خاضعاً لحُكمه مثل: أربيل، شهرزور، تكريت، سنجار، حرّان وغيرها.

بعدما توفي زين الدين ورث ابنه مظفر الدين كوكبري حُكم أربيل، ولكن لصِغر سنه تولّى شؤون الإمارة أحد مماليك والده الذي خلع كوكبري عن الحُكم ونصّب بدلاً منه أخوه، هنا استعان كوكبري بصلاح الدين الأيوبي الذي أعاده أميراً على أربيل في 586 هـ.

يحكي عبد الحق التركماني في كتابه "ابن دحية الكلبي وكتابه (التنوير في مولد السراج المنير والبشير النذير)": "أخذ كوكبري عن الشيخ عُمر هذه البدعة وطوّرها وتفنن في إقامتها وبذل أموالاً عظيمة في ذلك".

وأورد كتاب "إمارة أربل في العصر العباسي" للدكتور سامي الصقار، أن كوكبري بدءاً من سنة 604 هـ "أولى اهتماماً بإقامة مهرجان ضخم للاحتفال بمولد النبي يتضمن العديد من الفعاليات التي لفتت انتباه الكثيرين من مختلف أنحاء العالم".

ووصف إحياء المناسبة: "في شهر محرم من كل عام هجري يبدأ توافد عوام المسلمين من بغداد والجزيرة ونصيبين وغيرها من البلاد على أربيل، بالإضافة إلى جماعات من الفقهاء والصوفية والشعراء، ومع بداية شهر ربيع الأول يأمر كوكبري بنصب قباب من الخشب المُزين تُخصص كل منها لاستضافة عروض رجال الأغاني والخيالة وأصحاب الملاهي، وكان الناس يزدحمون حول خيامهم لمشاهدة عروضهم".

قبل الاحتفال بيومين كان منظمو المهرجان يطلقون مسيرة ضخمة تتكوّن من مئات الإبل والبقر والغنم التي تزفّها الطبول إلى ميدان كبير تُنحر فيه وتُطبخ ثم يوُزع لحمها على الحضور، كما ذكر الكتاب.

في اليوم الأول للمهرجان كان كوكبري يحضر الاحتفال بصحبة الأعيان والفقهاء وعوام الناس لمشاهدة عروضٍ عسكرية يقوم بها بعض جنود الجيش، بعدها تُقام موائد طعام ضخمة للحضور، 

وقدر حسام الدين قِزغلي (حفيد ابن الجوزي) في كتابه "مرآة الزمان في تواريخ الأعيان"، أن أسبطة الطعام كانت تضم "100 فرس مشوية منزوعة العظام، و5 آلاف رأس غنم و10 آلاف دجاجة و30 ألف صحن حلوى".

بعد الانتهاء من الطعام، كان كوكبري يكرّم عدداً من الأعيان والفقهاء وكبار الضيوف ويوزّع عليهم الأموال. ووفق تقديرات المؤرخين فإن هذه الاحتفالات الضخمة كانت تكلف ما يزيد عن 300 ألف دينار (عملة تلك الفترة).

كيف يحتفل المسلمون بالمولد النبوي في البلدان العربية؟
يعبّر المسلمون -في كل مكان- عن حبهم للنبي من خلال مجموعة من الطقوس والشعائر الفلكلورية الشعبية المتوارثة، والتي تتنوع وتتباين باختلاف الثقافة والمكان. نرصد في هذا التقرير أهم المظاهر الاحتفالية بالمولد النبوي في مجموعة من الدول العربية.

يقول الصقار "رغم ما اشتهرت به احتفالات الخلفاء الفاطميين بالمولد النبوي من بذخٍ شديد فإنها على فخامتها تُعدُّ متواضعة إذا ما قُورنت باحتفالات أربيل، إذ كانت الحفلات الفاطمية تقتصر على ليلة واحدة تُقدم فيها الحلوى والأطعمة ثم يرتّل القرآن وتُنشد القصائد في حضرة الخليفة الفاطمي، بعكس احتفالات أربيل التي كانت تستغرق عدة أيام".

هذا الاحتفاء المهيب استدعى إشادة شهاب الدين أبو شامة في كتابه "الباعث على إنكار البدع والحوادث"، حيث قال "من أحسن ما ابتدع في زماننا ما يُفعل في مدينة أربيل في اليوم الموافق ليوم ميلاد النبي من الصدقات وإظهار الزينة والسرور".

أحد أشهر حضور هذا "المهرجان النبوي" كان المؤرّخ عمر بن الحسن حفيد الصحابي دِحية الكلبي الذي شاهد الاحتفالات 625 هـ وألّف عنها كتاباً بعنوان "التنوير في مولد السراج المنير" قرأه بنفسه على حضرة الملك فأجازه وكافأه بألف دينار.

وفيه تحدّث عن شهادته على ليلة المولد في "إربل المحروسة" وعن لقائه بـ"أفضل الملوك والسلاطين"، حسبما ذكر دكتور أنس وكاك في بحثه "قبسٌ من (التنوير في مولد السراج المنير) للحافظ أبي الخطاب بن دحية الأندلسي".