صدام حسين يؤدي صلاة المغرب في مكان قريب من ضريح الإمامين العسكريين في مدينة سامراء.
صدام حسين يؤدي صلاة المغرب في مكان قريب من ضريح الإمامين العسكريين في مدينة سامراء.

نشرت رغد صدّام حسين، ابنة الرئيس العراقي الأسبق، تغريدة عبر حسابها على موقع "تويتر"، قالت فيها إن "الإمام الحسين عليه السلام، هو جدّنا الذي قاتل الظلم والطغيان، بسبعين رجلاً فقط".

وأضافت: "عظّم الله أجرنا وأجركم بذكرى استشهاد جدنا الحسين، وثبّتنا وإياكم على طريق الحق والعدل الذي نسير فيه لنصرة العراق وشعبه".

التغريدة أثارت جدلاً بين روّاد مواقع التواصل الاجتماعي من العراقيين، حول تقصّد رغد ربط نسب والدها صدّام بالإمام الحسين، ثالث الأئمة عند الشيعة الذي قتل في موقعة كربلاء.

والواقع أن قضية نسب صدّام حسين إلى آل البيت تعتبر شائكة تاريخياً ويتهم فيها الرئيس العراقي بأنه عمل على "تلفيقها" لغايات سياسية.  

الكاتب والباحث العراقي كنعان مكية تناول هذه المسألة في كتابه "قوس النصر- الفن الشمولي في عراق صدام". يقول: "لا شيء يمنع في التركيبة المذهبية العراقية أن يكون الإنسان من نسل علي بن أبي طالب، ويكون سنياً في الآن عينه".

ويضيف مكية أن "صدام حسين كان أول من استخدم سياسياً اللعب على هوية المذهب في العراق على نطاق واسع في القرن العشرين لأغراض حربه مع إيران الإسلامية الشيعية".

هذا ما يؤكده أيضاً الباحث اللبناني حازم صاغية في كتابه "بعث العراق: سلطة صدّام قياماً وحطاماً"، إذ يشير إلى "تبدّل في إستراتيجية صدّام وحزب البعث السياسية مع التراجع العسكري الذي ظهر على جبهات القتال عام ١٩٨٣... فأبدى النظام رغبة غير معهودة في كسب الشيعة، خصوصاً أن أغلبية جنود الجيش منهم، فيما المعارك يدور معظمها على أرضهم (المناطق الحدودية مع إيران)".

الحملة الإيمانية.. كيف قاد صدام العراق إلى التطرف؟
اشتملت حملة صدام الإيمانية الجديدة في العراق على مزيجٍ معقد من دروس التربية الدينية، واشتراطات تحديد أشكال السلوك والملابس، ووضع قائمة عقوبات شديدة القسوة. وشملت الحملة حتى أسلحة الدولة الفتّاكة بعدما جرت تسمية صواريخ الدولة بمسميات دينية مثل "صاروخ الحسين" و"صاروخ العباس".

يتابع صاغية: "راحت تتلاحق التوكيدات على إسلامية حكم البعث، ما جعل صدام وباقي المسؤولين يكررون زياراتهم إلى النجف وكربلاء. وبمبادرة تعزى إلى خيرالله طلفاح لُفّقت شجرة نسب تربط صدام بالرسول، عبر التفرع عن الإمام الحسين، وعلى النحو هذا صار الرئيس حفظه الله سيداً من أهل البيت".

لكن هذا الأمر بحسب صاغية، "لم يوقف قمع رجال الدين والتنظيمات الدينية والمشتبه بصلتهم بها" في تلك الفترة.

وعن هذه الإستراتيجية التي اتبعها حزب البعث، يقول مكية إن "صدام نفسه لم يدّع أنه أصبح شيعياً بطبيعة الحال كما لم يفهم العراقيون أن وهم نسبه العلوي المفترض يعني أنه صار شيعياً"، بل إن صدام، بحسب مكية، كان يعرف أن ادعاءه نسباً علوياً لا يقدح في سنيته.

"لكنه ظن أن تضليل الأمر سيرفع شعبيته بين الشيعة من جهة، ولن يؤثر فيها بين السنّة من جهة أخرى، إذ أن كل المسلمين يفاخرون بنسبهم لآل البيت"، وفق مكية.

ونشر مكية في كتابه صورة لشجرة نسب صدام حسين تداولتها وسائل إعلام البعث في فترة حكم صدام، وفيها "يظهر اسم صدام حسين وسط ورقة الشجرة التي تتخذ شكل قلب في أقصى يسار قمتها".

والنسب في هذه الشجرة بحسب مكية، "يصعد حتى يصل إلى جد عثماني يدعى عمر بك الثاني... أما الاسم الأخير عند قاعدة الشجرة فهو اسم علي بن أبي طالب، رابع الخلفاء الراشدين وإمام الشيعة الأكبر".

شجرة نسب صدّام حسين كما نشرها كنعان مكية في كتابه

ويبدو أن لدى عائلة صدّام حسين قناعة في نَسَب أفرادها إلى الإمام الحسين، إذ تتحدث ابنة رغد، حرير حسين كامل في كتابها "حفيدة صدّام"، الصادر عام 2018، عن انتشار "شائعات من قبل أزلام نظام الخميني أن والدي (حسين كامل) قد قصف المرقد في كربلاء"، وأن هذه الشائعات كانت "محاولة من الإيرانيين كعادتهم استغلال العاطفة الدينية لدى البسطاء بهدف التأثير على ولائهم الوطني".

وتتابع: "قالوا إن حسين كامل قصف المرقد وقال للإمام الحسين رضي الله عنه، أنا حسين وأنت حسين!". وتضيف حرير في معرض نفي هذه "الشائعة" عن أبيها "هم يجهلون أن أحداً لن يتخاطب بهذا الشكل مع تاريخه وأجداده"، في توكيد على نسب عائلتها إلى آل البيت، وهو ما يسنجم مع تغريدة والدتها الأخيرة.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

صورة تعبيرية لجامع النوري في الموصل شمال العراق
صورة تعبيرية لجامع النوري في الموصل شمال العراق

تحلُّ في منتصف الشهر الحالي ذكرى "المولد النبوي" الذي اعتبرته الحكومة العراقية إجازة رسمية لموافقته يوم 12 ربيع أول، وهو التاريخ الذي رجّحت المرويات التاريخية أنه شهد ميلاد الرسول محمد، استنادًا لمقولة ابن عباس "وُلد رسول الله عام الفيل، يوم الاثنين، الثاني عشر من شهر ربيع الأول".

بحسب الترتيب الزمني الذي أورده دكتور صلاح الدين بن محمد في دراسته "الإلزامات الواردة على بدعة الاحتفال بالمولد النبوي"، فإن أول من احتفل بالمولد النبوي هم الفاطميون سنة 362 هجرية بالقاهرة، وهي الاحتفالات التي استمرت في مصر حتى ألغاها أمير الجيوش الأفضل شاهنشاه بن بدر الجمالي وزير المستعلي بالله سنة 490 هـ.

بعد سنوات من هذا الإلغاء سيكون للعراق الفضل في إعادة إحيائها مُجدداً لتنتشر بعدها في أصقاع العالم الإسلامي حتى اليوم، فما قصتها؟

 

البداية من الموصل

عاد الاحتفال بالمولد النبوي للظهور مُجدداً على يدي الفقيه عُمر بن محمد الموصلي، الذي تمتّع بمكانة اجتماعية كبيرة في الموصل شمال العراق بسبب فقهه وزُهده، فحاز شهرة كبيرة في العالم الإسلامي حتى تُوفي سنة 570 هـ.

بحسب كتاب "الروضتين في أخبار الدولتين النورية والصلاحية" لأبي شامة المقدسي، فإن "زاوية الشيخ عمر" كانت محلاً لزيارة العلماء والفقهاء والملوك والأمراء. 

وامتلك الشيخ عُمر علاقة وطيدة بنور الدين زنكي صاحب حلب، إذ اعتاد الأخير مراسلة الشيخ عُمر لـ"استشارته في الأمور العِظام"،كما كان يزوره كل سنة في شهر رمضان لتناول الإفطار معه.

تعززت هذه المكانة حين خضعت الموصل لسُلطان نور الدين زينكي عام 566 هـ فأوصى وُلاته عليها بأن يستشيروا الشيخ عُمر في كل كبيرة وصغيرة، حتى نال لقب "المولى".

بحسب أبي شامة المقدسي فإن الشيخ عُمر هو الذي أشار على نور الدين بشراء قطعة أرض خراب في وسط الموصل وحوّلها إلى مسجد أنفق على بنائه أموالاً كثيرة، هو "جامع النوري" الذي لا يزال قائماً حتى اليوم.

لم يكن "جامع النوري" هو أكبر إنجازات الفقيه الموصلي إنما إعادة إحياء الاحتفال بـ"المولد النبي"، أيضاً. وبحسب كتاب "خدمات الأوقاف في الحضارة الإسلامية إلى نهاية القرن العاشر الهجري"، كان الشيخ عُمر كان يقيم في كل سنة داخل زاويته احتفالاً بميلاد الرسول محمد، يوجّه فيه الدعوة لحاكم الموصل وكبار رجال الدولة للحضور إلى الزاوية حيث تُقدّم لهم الأطعمة والمشروبات ويستمعون للشعراء الذين حضروا هذه الاحتفالية للتنافس على إنشاد قصائد المدح النبوي.

تزامن هذا الاحتفال مع الاهتمام الجماعي الذي أبداه أهل الموصل طيلة العهد الأتابكي بمناسبة "المولد النبوي"، فكانوا يعتادون تزيين الدور والأسواق ويتجمهرون في المساجد.

في كتاب "رسائل في حُكم الاحتفال بالمولد النبوي"، لم يستبعد مؤلّفوه أن يكون الشيخ عُمر وغيره من أهل الموصل مالوا لإقامة هذه الاحتفالات كأحد أشكال تأثرهم بالفاطميين، الذين أقاموا صلات مباشرة بحكام الموصل على مدار سنوات طويلة، في إطار مساعيهم لإسقاط دولة الخلافة العباسية في العراق.

وذكر كتاب "تاريخ الموصل" لسعيد الديوه جي، أن أبرز حكام الموصل الذين رحبوا بهذا التقارب، هم  أمراء الدولة العقيلية الشيعية مثل حسام الدولة المقلد العقيلي (386 هـ- 391 هـ) وولده معتمد الدولة قرواش، اللذين حافظا على علاقات جيدة مع خلفاء مصر حتى أن قرواش أعلن تبعيته للخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله في 401 هـ، وهي خطوة لم تدم كثيراً بعدما تراجع عنها سريعاً بسبب تهديدات الخليفة القادر العباسي له بالحرب.

ووفق كتاب "الإعلام بفتاوى أئمة الإسلام حول مولده عليه الصلاة والسلام" لمحمد بن علوي الحسني، فإن الشيخ عُمر بعدما بات أول مَن احتفى بالمولد النبوي في العراق اقتدى به صاحب أربيل الملك المظفر كوكبري بن زين الدين بن بكتكين الحليف المخلص لصلاح الدين الأيوبي سُلطان مصر.

أربيل: مهرجان ديني حاشد

عمل زين الدين والد الملك المظفر الدين كوكبري والياً على الموصل، فحقّق نجاحاً كبيراً حتى أنه عندما مات سنة 563 هـ كان عدد من المدن الكبرى في العراق خاضعاً لحُكمه مثل: أربيل، شهرزور، تكريت، سنجار، حرّان وغيرها.

بعدما توفي زين الدين ورث ابنه مظفر الدين كوكبري حُكم أربيل، ولكن لصِغر سنه تولّى شؤون الإمارة أحد مماليك والده الذي خلع كوكبري عن الحُكم ونصّب بدلاً منه أخوه، هنا استعان كوكبري بصلاح الدين الأيوبي الذي أعاده أميراً على أربيل في 586 هـ.

يحكي عبد الحق التركماني في كتابه "ابن دحية الكلبي وكتابه (التنوير في مولد السراج المنير والبشير النذير)": "أخذ كوكبري عن الشيخ عُمر هذه البدعة وطوّرها وتفنن في إقامتها وبذل أموالاً عظيمة في ذلك".

وأورد كتاب "إمارة أربل في العصر العباسي" للدكتور سامي الصقار، أن كوكبري بدءاً من سنة 604 هـ "أولى اهتماماً بإقامة مهرجان ضخم للاحتفال بمولد النبي يتضمن العديد من الفعاليات التي لفتت انتباه الكثيرين من مختلف أنحاء العالم".

ووصف إحياء المناسبة: "في شهر محرم من كل عام هجري يبدأ توافد عوام المسلمين من بغداد والجزيرة ونصيبين وغيرها من البلاد على أربيل، بالإضافة إلى جماعات من الفقهاء والصوفية والشعراء، ومع بداية شهر ربيع الأول يأمر كوكبري بنصب قباب من الخشب المُزين تُخصص كل منها لاستضافة عروض رجال الأغاني والخيالة وأصحاب الملاهي، وكان الناس يزدحمون حول خيامهم لمشاهدة عروضهم".

قبل الاحتفال بيومين كان منظمو المهرجان يطلقون مسيرة ضخمة تتكوّن من مئات الإبل والبقر والغنم التي تزفّها الطبول إلى ميدان كبير تُنحر فيه وتُطبخ ثم يوُزع لحمها على الحضور، كما ذكر الكتاب.

في اليوم الأول للمهرجان كان كوكبري يحضر الاحتفال بصحبة الأعيان والفقهاء وعوام الناس لمشاهدة عروضٍ عسكرية يقوم بها بعض جنود الجيش، بعدها تُقام موائد طعام ضخمة للحضور، 

وقدر حسام الدين قِزغلي (حفيد ابن الجوزي) في كتابه "مرآة الزمان في تواريخ الأعيان"، أن أسبطة الطعام كانت تضم "100 فرس مشوية منزوعة العظام، و5 آلاف رأس غنم و10 آلاف دجاجة و30 ألف صحن حلوى".

بعد الانتهاء من الطعام، كان كوكبري يكرّم عدداً من الأعيان والفقهاء وكبار الضيوف ويوزّع عليهم الأموال. ووفق تقديرات المؤرخين فإن هذه الاحتفالات الضخمة كانت تكلف ما يزيد عن 300 ألف دينار (عملة تلك الفترة).

كيف يحتفل المسلمون بالمولد النبوي في البلدان العربية؟
يعبّر المسلمون -في كل مكان- عن حبهم للنبي من خلال مجموعة من الطقوس والشعائر الفلكلورية الشعبية المتوارثة، والتي تتنوع وتتباين باختلاف الثقافة والمكان. نرصد في هذا التقرير أهم المظاهر الاحتفالية بالمولد النبوي في مجموعة من الدول العربية.

يقول الصقار "رغم ما اشتهرت به احتفالات الخلفاء الفاطميين بالمولد النبوي من بذخٍ شديد فإنها على فخامتها تُعدُّ متواضعة إذا ما قُورنت باحتفالات أربيل، إذ كانت الحفلات الفاطمية تقتصر على ليلة واحدة تُقدم فيها الحلوى والأطعمة ثم يرتّل القرآن وتُنشد القصائد في حضرة الخليفة الفاطمي، بعكس احتفالات أربيل التي كانت تستغرق عدة أيام".

هذا الاحتفاء المهيب استدعى إشادة شهاب الدين أبو شامة في كتابه "الباعث على إنكار البدع والحوادث"، حيث قال "من أحسن ما ابتدع في زماننا ما يُفعل في مدينة أربيل في اليوم الموافق ليوم ميلاد النبي من الصدقات وإظهار الزينة والسرور".

أحد أشهر حضور هذا "المهرجان النبوي" كان المؤرّخ عمر بن الحسن حفيد الصحابي دِحية الكلبي الذي شاهد الاحتفالات 625 هـ وألّف عنها كتاباً بعنوان "التنوير في مولد السراج المنير" قرأه بنفسه على حضرة الملك فأجازه وكافأه بألف دينار.

وفيه تحدّث عن شهادته على ليلة المولد في "إربل المحروسة" وعن لقائه بـ"أفضل الملوك والسلاطين"، حسبما ذكر دكتور أنس وكاك في بحثه "قبسٌ من (التنوير في مولد السراج المنير) للحافظ أبي الخطاب بن دحية الأندلسي".