طبيب لبناني يعمل في إحدى المستشفيات العراقية بالعاصمة بغداد- فرانس برس
طبيب لبناني يعمل في إحدى المستشفيات العراقية بالعاصمة بغداد- فرانس برس

دفعت الأزمة اللبنانية غير المسبوقة التي بدأت منذ 4 سنوات، بالكثير من اللبنانيين للفرار من بلادهم بحثا عن حياة أفضل. 

وتبين الأرقام وفقا للباحث في الدولية للمعلومات، محمد شمس الدين، ارتفاعا في عدد المهاجرين قدره 70 ألفاً، مقارنة بالأعوام التي سبقت الأزمة، ليبلغ عدد اللبنانيين في دول الخليج العربي نحو 400 ألف، يمثلون 30% من اللبنانيين في الخارج.

وتتركز هجرة اللبنانيين إلى الدول العربية، في الإمارات وقطر والعراق، فيما شكل العراق محطة بارزة لهم هذا العام، وفق شمس الدين، لافتاً إلى أن عددهم في العراق قرابة 25 ألفاً.

 

رواتب أفضل

يصف المحلل الاقتصادي باسل الخطيب العراق بـ"الوجهة الجديدة للشباب اللبناني"، مشيراً إلى أن ما يحصل أشبه بالخطوة المعكوسة، حيث يهاجر اللبناني اليوم للعمل في العراق بعد أن اعتاد العراقي العمل في لبنان.

ومن ضمن عوامل التحفيز لهذه الخطوة، يعدد الخطيب في حديثه مع "ارفع صوتك": "سهولة الدخول للعراق حيث تمنح التأشيرة (الفيزا) في المطار، وتدني الرواتب في لبنان بسبب الأزمة الاقتصادية والنقدية، وإقفال آلاف المؤسسات وتسريب العمال أو تقليص عدد العمالة في بعض المؤسسات الباقية".

ويشرح بالأرقام أن "الرواتب اليوم في لبنان أصبحت شبه معدومة في ظل الدولرة (تحويل من الليرة للدولار)، فمن كان يحصل مثلاً على ألف أو ألفي دولار في الشهر، أصبح يتقاضى النصف تقريباً أو بالكاد يجمع ألف دولار".

ويهاجر العديد من الشباب اللبناني الى العراق منذ سنوات والروابط بين البلدين ليست بجديدة. يقول الخطيب "كنا نلاحظ في الماضي وجود استثمارات في العراق، أما اليوم فهناك موجة هجرة، ومن المجالات التي تفتح أبوابها في العراق بدرجة كبيرة، القطاع الطبي (الأسنان أو التمريض أو التجميل ثم يأتي القطاع السياحي الفندقي، حيث تسبق اللبناني سمعته الجيدة وخبراته الطويلة) ويعمل اللبنانيون في بغداد بالدرجة الأولى، تليها كربلاء والنجف، وغيرها". 

ويشير إلى أن "هناك عوامل كثيرة تجعل الراتب في العراق أفضل، فهو بين 900 و1000 دولار،  والسكن يكون مؤمناً أو مشتركاً. أما في لبنان، سيتوجب دفع تكاليف السكن، كما أن الأجور متدنية وأسعار السلع مرتفعة، وكل الخدمات والأغذية والمحروقات والهواتف والأساسيات مدولرة (تُباع بالدولار) وباهظة الثمن". 

يتابع الخطيب: "لا يخفى على أحد أن العراق بلد تثقله الأزمات الاقتصادية والسياسية والأمنية، ولكن لبنان بات بلداً غير قابل للعيش وأصبحت الحياة فيه مأساوية خلال السنوات الأربع الماضية. كما ظهرت طبقات جديدة مثل أغنياء الحرب وطبقة أخرى تضم المعدَمين".

 

"سوق متعطشة للتطور"

في السياق، تبيّن الخبيرة الإستراتيجية في التنمية وبناء القدرات، رندى يسير: "على الرغم من أن لبنان والعراق يواجهان بشكل مستمر أزمات مشابهة لا سيما بعد التدهور الاقتصادي العالمي، وإثقال أزمة اللجوء والنزوح والسياسات الخارجية تجاه الاستقرار الأمني والاقتصادي، تعكس العلاقات بين أهل البلدين وسياسات الدولتين نوعاً من التحسن المستمر والمستدام".

"وشهد العراق ازدهار قطاع الأعمال من خلال المستثمرين اللبنانيين الذين وجدوا في بغداد وأربيل على وجه التحديد فرصاً لإعادة إحياء أعمالهم، التي دخلت في السنوات السابقة حالة من الموت السريري"، تضيف يسير لـ"ارفع صوتك".

وتتابع: "رغم غياب العديد من الخطط الإستراتيجية والوطنية لوضع هدف التعافي والخروج من الأزمات المالية التي تضرب الاقتصاد، لم يمنع ذلك المبادرات الخاصة بقطاع الأعمال الصغيرة أو المتوسطة من أن تنشأ في العراق، من خلال العديد من الخبراء اللبنانيين الذين اختاروا العراق بلداً ثانياً".

وعملت يسير بحكم خبرتها كمستشارة لمنظمات دولية في العراق، تقول: "لدى العديد من اللبنانيين في العراق، تقارب ثقافي، وخبرة مهنية في مجالات التنمية وبناء القدرات، من خلال برامج التخطيط الإستراتيجي ودورات تدريبية مهنية للعديد من الكوادر في المؤسسات الحكومية والمنظمات غير الحكومية ومساحة كبيرة وفرص أكبر للشركات".

وتصف حال العراق اليوم، خصوصاً بعد انتهاء أزمة كورونا بأنه يشهد "ازدياداً في عدد المشاريع، في ظل إرادة واضحة لدى الحكومة العراقية لبناء المؤسسات، ما فتح الأبواب على مصراعيها تحديدا أمام الخدمات والأعمال الاستشارية".

وتؤكد يسير: "لاحظتُ التقارب، لا سيما على مستوى التحديات والتهديدات التي تقف عثرة بوجه التطور الإنمائي والحاجة الى خطط إستراتيجية تتعاون بها جميع القطاعات الخاصة والرسمية والمنظمات الدولية وغير الحكومية على حد سواء".

 

علاقات تاريخية

تبني الدكتورة ريما يونس على ما تعتبره "علاقات ودّ تاريخية بين الشعبين" وتسعى من خلال جمعيتها اللبنانية للتجديد التربوي والثقافي، إلى مدّ جسور التواصل بين اللبنانيين والعراقيين ومساعدة اللبنانيين الراغبين بالعمل في العراق على العثور على فرص عمل تتلاءم مع كفاءاتهم، داخل العراق.

تبيّن يونس لـ"ارفع صوتك": "القطاع التعليمي والتربوي في لبنان تلقى صفعة كبيرة منذ بدء الأزمة عام 2020. فمع انهيار العملة، لم يعد بمقدور الأهالي تأمين تكاليف المدارس، لتنخفض تلقائيا قدرة المدارس الخاصة على رفع الرواتب، ومع انخفاض الحد الأدنى للأجور إلى أقل من 70 دولار شهريا ومع ارتفاع تكاليف المعيشة للغاية، ما عادت الرواتب كافية لتأمين العيش الكريم، فبدأ اللبناني يبحث عن الأسواق التي تعد بفرص أفضل". 

وتعتبر  أن "التبادل الثقافي بين لبنان والعراق غنيّ للغاية"، خصوصاً أن هناك "علاقة أخوّة وصداقة تاريخية بين البلدين، تترجم بالضيافة وحسن الاستقبال في العراق، ولطالما شكل لبنان محطة للعراقيين الراغبين بالتعلم أو بالطبابة أو بالسياحة وسواها".

وتلمس يونس من خلال التعاطي المباشر مع الطلبة والأساتذة والمؤسسات في التعليم الجامعي، "سعي الشعب العراقي -رغم من المشاكل والتحديات والمعاناة من الفساد- للعمل من أجل النهوض بالمجتمع".

وتضيف: "العراق بالنسبة لنا محطة أساسية في التعليم والثقافة والمواطنية، والعراقي يتمسك بالتعلّم باستمرار من أجل التطور الشخصي والمهني".

وتختم يونس حديثها قائلة: "برأيي هذا يثير التشابه على المستويات التربوية والثقافية بين اللبنانيين والعراقيين. كما يطمح العراقيون لأن تكون بلادهم وجهة ثقافية، مضافاً لذلك الكرم في مشاركة المعلومات، ما يدلّ على الأخوّة بين اللبنانيين والعراقيين، حيث يتعكز اللبناني على كتف العراقي بانتظار أن تنتهي العواصف التي تثقل كاهل البلدين".

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

وسائل إعلام محلية وبرلمانيون يتحدثون أن موظفين في مكتب السوداني قُبض عليهم بتهم التجسس على مسؤولين كبار- أرشيفية
وسائل إعلام محلية وبرلمانيون يتحدثون أن موظفين في مكتب السوداني قُبض عليهم بتهم التجسس على مسؤولين كبار- أرشيفية

رفض مستشار سياسي لرئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني اتهامات ترددت في الآونة الأخيرة بأن موظفين في مكتب رئيس الوزراء تجسسوا وتنصتوا على مسؤولين كبار وسياسيين.

ومنذ أواخر أغسطس، تتحدث وسائل إعلام محلية وبرلمانيون عراقيون عن أن موظفين في مكتب السوداني قُبض عليهم بتهم التجسس على مسؤولين كبار.

وقال المستشار فادي الشمري في مقابلة مع إحدى جهات البث العراقية أذيعت في وقت متأخر من مساء أمس الجمعة "هذه كذبة مضخمة"، وهو النفي الأكثر صراحة من عضو كبير في فريق رئيس الوزراء.

وأضاف أن الاتهامات تهدف إلى التأثير سلبا على السوداني قبل الانتخابات البرلمانية المتوقع إجراؤها العام المقبل.

وتابع "كل ما حدث خلال الأسبوعين الأخيرين هو مجرد تضخم إعلامي يخالف الواقع والحقيقة".

وأثارت التقارير قلقا في العراق الذي يشهد فترة من الاستقرار النسبي منذ تولي السوداني السلطة في أواخر عام 2022 في إطار اتفاق بين الفصائل الحاكمة أنهى جمودا سياسيا استمر عاما.

وقال الشمري إنه تم إلقاء القبض على شخص في مكتب رئيس الوزراء في أغسطس، إلا أن الأمر لا علاقة له علاقة بالتجسس أو التنصت.

وأضاف أن ذلك الموظف اعتقل بعد اتصاله بأعضاء في البرلمان وسياسيين آخرين منتحلا صفة شخص آخر.

وأردف "تحدث مع نواب مستخدما أرقاما مختلفة وأسماء وهمية وطلب منهم عددا من الملفات المختلفة". ولم يخض الشمري في تفاصيل.

وتابع "لم يكن هناك تجسس ولا تنصت".