لقطة لجزء من ميناء الفاو الكبير، المشروع الذي ما زال في طور البناء ويكلف العراق 6 مليارات دولار- أرشيف
لقطة لجزء من ميناء الفاو الكبير، المشروع الذي ما زال في طور البناء ويكلف العراق 6 مليارات دولار- أرشيف

منذ بدء المفاوضات بين العراق والكويت على ترسيم الحدود أواخر القرن التاسع عشر، امتازت العلاقات بين الدولتين بالتوتر وتصاعد الخلافات، حتى انتهت باجتياح عسكري سبب أزمة دولية رسمت على خلفيتها الأمم المتحدة الحدود بين الدولتين وفق قرار لمجلس الأمن. 

واليوم وبعد مرور أكثر من ثلاثين عاماً على القرار، يعلن البلدان عن جولة مفاوضات جديدة من المقرر أن تبدأ منتصف أغسطس الحالي لترسيم الحدود البرية والبحرية.

سبق هذا الإعلان زيارة وفد كويتي يترأسه وزير الخارجية سالم الصباح للعراق التقى خلالها بالعديد من المسؤولين الحكوميين العراقيين.

شهدت هذه اللقاءات بحسب المتحدث باسم وزارة الخارجية العراقية، أحمد الصحاف، "مستوى عال من التفاهم بين البلدين، جرى خلالها مناقشة ملفات متنوعة منها تحديات ظاهرة انتشار المخدرات وضبط الحدود بين الجانبين"

كما تم التطرق إلى "تبادل الدعم والتنسيق في مختلف المجالات والتطرق إلى أهمية دمج الاقتصاد العراقي بالتوجهات التنموية للاقتصاد في دول مجلس التعاون الخليجي. ومسألة الصناديق السيادية الخليجية وإمكانية أن يكون للعراق حضور فاعل في مسارات هذه الصناديق على المستوى الفني والاستثماري"، بحسب الصحاف.

وأوضح أنه "تم الاتفاق على دعم اللجان التخصصية بين الجانبين بشكل فني استثنائي للوصول إلى مقررات مشتركة، تتعلق بموضوعة ترسيم الحدود البرية والبحرية بين الجانبين، على أساس السيادة العراقية الكاملة في مجمل الأراضي البرية والإطلالات المائية العراقية".

حرب الخليج الأولى
بعد ثلاثين عاماً على الحرب.. كيف هي العلاقات بين العراق والكويت؟
يجمع العراقيون على أن الحرب التي بدأت رحاها في الثاني من آب/أغسطس 1990 وانتهت في السادس من آذار/مارس 1991 بتدخل من تحالف دولي قادته واشنطن "كان بداية النهاية" لنظام حسين.
تقول أم سارة، وهي مدرسة متقاعدة من بغداد، إنه "منذ غزو الكويت لم نر استقراراً ولا أمناً"، إذ أن القائمة تطول بدءاً من الحصار، مروراً بأحداث 2003 والحرب الأهلية والعنف الطائفي، وصولاً إلى اجتياح تنظيم داعش للعراق

تاريخ الخلاف

يبيّن خبير الحدود والمياه الدولية جمال الحلبوسي، لـ"ارفع صوتك"، أن :"الخلافات الحدودية بين العراق والكويت بدأت منذ أواخر القرن التاسع عشر، وتفاقمت بعد تراجع الدولة العثمانية".

ويشير إلى أن أول محاولة لترسيم الحدود كانت عام 1913، حيث تم إبرام اتفاق بريطاني عثماني كان الهدف منه حماية المصالح البريطانية في الخليج العربي.

"ومع انتهاء الدولة العثمانية وبعد تشكيل المملكة العراقية عام 1921 بنحو عام، تم وضع بروتوكول المحمرة، ثم اتفاق العقير الذي رسم خط الحدود ما بين العراق والسعودية والكويت"، يقول الحلبوسي. 

ويضيف: "رسم الوسيط البريطاني بيرسي كوكس الحدود على الخريطة بين السعودية والعراق والكويت بالخط الأحمر بعد اختلافات كبيرة بين ممثلي الدول الثلاث آنذاك، التي كانت جميعا تسعى إلى التمدد على حساب الأخرى تارة بالحدود البحرية وتارة بالحدود البرية، أو بحساب انتشار القبائل الموالية لهذا الطرف أو ذاك".

مع ذلك، لم يحسم "الخط الأحمر" الخلاف بين الدول، فقد كان "خطاً وصفياً لا يتميز بالوضوح ودون أي إحداثيات"، بحسب الحلبوسي.

ويتابع: "استمر الوضع على حاله حتى عام 1932 حين أراد العراق الحصول على الاستقلال والدخول إلى عصبة الأمم المتحدة. كان من أهم النقاط التي يحتاج إليها هي مفاتحة الدول المجاورة أو الأقاليم للاتفاق على امتداد حدوده معها ومن ضمنها الكويت، فوافق العراق في مذكرة بعثها رئيس وزرائه آنذاك نوري السعيد".

 

تبدّل الحكام والأنظمة

بحسب دراسة حملت عنوان "إشكالية ترسيم الحدود العراقية الكويتية"، فإن مشكلة الحدود بين العراق والكويت "خضعت للعديد من المؤثرات السياسية التي ساهمت في تأزم أو دفء العلاقات بين البلدين، أبرزها التغيرات الحاصلة في أنظمة الحكم في العراق، إذ كان لكل نظام حاكم وجهة نظره الخاصة تجاه دول الجوار أو قضايا الحدود المشتركة".

وقالت إن العراق في العهد الملكي "تراجع عن قرار ترسيم الحدود عام 1938 من خلال مطالبة بعض الصحف العراقية بضم الكويت للعراق، ودُعمت هذه المطالب من قبل الملك غازي عبر تأكيده على أن الكويت أرض عراقية".

ثم حاول نوري السعيد عام 1958 إدخال الكويت إلى الاتحاد الهاشمي الذي ضم الأردن والعراق، "إلا أن قيام ثورة 1958 بقيادة عبد الكريم قاسم حال دون ذلك"، وفق الدراسة.

وعندما منحت الكويت استقلالها عام 1961 ألغت بريطانيا اتفاقية الحماية الموقعة عام 1899 وتعهدت بتقديم المساعدة لها وفق طلب رسمي كويتي.

وأضافت الدراسة: "في العام ذاته، لوح قاسم باستخدام القوة لضم الكويت إلى العراق كونها أرضاً عراقية، لتسارع بريطانيا بإرسال أسطولها لمساعدة الكويت، وقدم الطرفان شكاوى متعددة إلى مجلس الأمن والجامعة العربية".

وبيّن أن "المشاكل استمرت بين البلدين حتى انقلاب عام 1963 الذي أطاح بقاسم، ليعترف عبد السلام عارف الذي تولى رئاسة العراق حينها باستقلال وسيادة الكويت، وتبدأ مفاوضات ترسيم الحدود التي لم تصل إلى نتيجة، لأن مقترحات الكويت لم تحقق للعراق منفذاً بحرياً كافياً على الخليج العربي".

استمرت المناوشات بين الطرفين ثم هدأت مع اشتعال الحرب العراقية الإيرانية (1980-1988) وما أن  انتهت حتى "عادت الخلافات بعد شكوى عراقية من أن الكويت قامت بإنشاء مخافر حدودية ومنشآت عسكرية ونفطية داخل الحدود العراقية بما يقارب 70 كم واستيلائها على حقل نفط الرميلة وبروز الخلافات السياسية بسبب سياسة الكويت النفطية"، كما أوردت الدراسة.

وأكدت أن "الخلافات بلغت أوجها باجتياح عراقي للكويت في أغسطس 1990، لتتحول الأزمة من خلاف حدودي إلى أزمة عالمية. ودخلت القضية في أروقة الأمم المتحدة ومجلس الأمن وانتهت عام 1993 باتخاذ المجلس للقرار 833 وتم تنظيم الحدود البرية فيما بقيت الحدود البحرية معلقة".

 

إطلالة العراق المائية

يعتبر العراق من الدول المتضررة جغرافياً، ويعود السبب في ذلك بحسب أستاذ العلوم السياسية قاسم الجنابي، إلى "إطلالته الضيقة والصغيرة على بحر شبه مغلق هو الخليج العربي، كما أنه يبتعد عن منفذه الوحيد المفتوح على البحار العالية (مضيق هرمز) بنحو 407 كم".

هذا الأمر، كما يقول الجنابي لـ"ارفع صوتك"، يجعل من "خطوط الملاحة النفطية والتجارية تمر في مناطق البحار الإقليمية والمناطق الاقتصادية الخالصة لكل من إيران ودول الخليج العربية".

ويبين أن الساحل العراقي "طيني ضحل تتخلله مستنقعات تتسع مساحتها وقت المد، مما يحد من إمكانية بناء منشآت أو مباني بحرية، ويعيق حركة الملاحة".

أما الممر المائي الوحيد "وهو خور عبد الله فيمتاز بضيقه وضحالة سطحه الملحي، ما يجعله بحاجة إلى عمليات حفر مستمرة. ولذلك يضطر العراق إلى إنشاء موانئ بحرية بعيدة عن الساحل"، يتابع الجنابي.

وبعد صدور قرار مجلس الأمن 833، يقول الجنابي: "زادت وطأة الموقع بسبب حرمان العراق من مناطق بحرية واسعة، وفرضت منطقة منزوعة السلاح بعمق 10 كم، وقلصت إمكانية العراق في الانتفاع من الثروة السمكية في تلك المناطق. قياساً إلى ما يصطاده الصيادون الكويتيون والإيرانيون". 

 

التعاون "بدلاً من التنافس"

يرى الخبير الاقتصادي قاسم جبار، أن الحل للمشاكل العالقة بين العراق والكويت يكمن في "تقدير أهمية العوامل الاقتصادية المشتركة بالنسبة للبلدين"، فكلاهما "مصدّر للنفط، ويشكل الاستقرار الاقتصادي عاملاً مهماً بعد جميع الأحداث المؤلمة التي مرت منذ أوائل التسعينيات حتى اليوم".

ويحذر في حديثه مع "ارفع صوتك"، من "استمرار حالة تأجيل المفاوضات فيما يتعلق بإطلالة العراق البحرية مع الكويت وإيران، التي يمكن أن تؤدي إلى خنق منافذ العراق البحرية وتعطيل دوره في الحركة الاقتصادية التي يروم أن يكون جزءاً مؤثراً فيها من خلال بناء ميناء الفاو الكبير".

ويجري العمل حالياً في العراق والكويت على بناء اثنين من أكبر الموانئ على ضفاف خور عبد الله في الدولتين، وهما ميناء الفاو الكبير بكلفة 6 مليارات دولار في العراقوالذي سيكون أول ميناء عراقي ذي منفذ إلى عرض البحر، وميناء مبارك في الكويت بكلفة 3.3 مليار دولار.

يؤكد جبّار على "أهمية التعاون بين البلدين لإنجاح المشروعين، بدلاً عن التنافس وخسارتهما لأرباح كبيرة تعود بالنفع الكبير على المنطقة"، وفق تعبيره.

ويبيّن أن "مكامن النفط الكبيرة المشتركة بين البلدين كانت جزءاً من المشاكل العالقة والاتهامات المتبادلة لسنوات طويلة، ويمكن إدراجها ضمن جدول المحادثات المقبلة واستثمارها بما يعود بالنفع للدولتين".

في المقابل، لا يبدو جمال الحلبوسي متفائلاً بجولة المفاوضات المرتقبة. فالعراق كما يقول "قدم الخرائط الموجودة لدى الجامعة العربية والخليج العربي، التي تم على أساسها وضع المخافر الحدودية بين البلدين، لكنها أُهملت خلال مفاوضات ترسيم الحدود في الأمم المتحدة بالقرار 833 وتقدمت الحدود باتجاه العراق 5-6 كيلو مترات مربعة".

ويعتبر أن الخلافات بين الطرفين "عميقة"، ولن تنتهي خلال المفاوضات المقبلة، "فالكويت تصف حدودها مع العراق بطريقة معينة تهدف إلى تحويل خور عبد الله إلى منطقة كويتية وخنق العراق بحرياً"

"بينما يفسر العراق حدوده مع الكويت تفسيراً يختلف عنها، فخور عبد الله هو منطقة عراقية موجودة في البصرة منذ تأسيسها في بداية العهد الإسلامي"، يضيف الحلبوسي.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

يحتل العراق المرتبة 157 (من 180) في مؤشر منظمة الشفافية الدولية
يحتل العراق المرتبة 157 (من 180) في مؤشر منظمة الشفافية الدولية

بعدما كان "ركيزة أساسية" يعَوّل عليها في ملاحقة كامل الخيوط المتعلقة بـ"سرقة القرن" وضعت "الخفايا" التي كشف عنها رئيس هيئة النزاهة في العراق، حيدر حنون، القضاء في البلاد في "قفص الاتهام"، وجاء ذلك بعد سلسلة "فضائح مليارية" أزاح الستار عنها مع عدد من النواب خلال الأيام الماضية.

حنون كان قد عقد مؤتمرا صحفيا في أربيل، قبل يومين، وعلى نحو مفاجئ ولافت استخدم لغة هجومية وحادة استهدف بها مجلس القضاء الأعلى" والقاضي ضياء جعفر، الذي يتولى قضية نور زهير المتهم الأول بقضية سرقة الأمانات الضريبية، فيما يعرف بـ"سرقة القرن".

وبعدما عبّر أمام حشد من الصحفيين عن غضبه من "استضعاف هيئة النزاهة"، أشار إلى "اختفاء ملفات من قضية زهير لدى القاضي جعفر"، وأن ذلك "يشكّل تحديا كبيرا لجهود مكافحة الفساد، واستعادة أموال الدولة المنهوبة".

لم يقتصر الأمر عند ذلك فقط، فأضاف حنون أن "ملف زهير الذي تمت إحالته إلى محكمة الجنايات المركزية، يحتوي على 114 صكا ماليا". وفي حين أن القانون يقتضي فتح 114 قضية منفصلة "جرى التعامل معها كقضية واحدة"، وفق قوله.

ولم يصدر أي موقف من جانب مجلس القضاء الأعلى حتى الآن، كما لم يرد القاضي جعفر على الاتهامات التي وجهها حنون ضده، وحاول موقع "الحرة" التواصل مع الأخير ومسؤولين آخرين في "مجلس القضاء الأعلى"، ولم يتلق ردا حتى ساعة نشر هذا التقرير.

وبدوره لم يقدم مدير المكتب الإعلامي لهيئة النزاهة في العراق، علي محمد أية تفاصيل إضافية عن دوافع ما كشف عنه حنون، وأوضح لموقع "الحرة" أنه "يجب ترك الموضوع حاليا".

وتضمنت الاتهامات التي وجهها رئيس هيئة النزاهة حديثه عن "سرقة في ملف سكك حديدية تقدر قيمتها بـ18 مليار دولار، دون أن يتم اتخاذ أي إجراء من قبل القاضي جعفر منذ شهرين"، حسب تعبيره.

ومن ناحية أخرى اتهم حنون "زهير بالتورط في سرقة الودائع الجمركية بما يزيد عن تريليون دينار عراقي"، مطالبا "بعقد جلسة علنية بحضور القاضي جعفر لكشف الحقائق أمام الشعب"، كما أضاف أن الأخير "أصدر أمر قبض بحقه ويلاحقه بشكل شخصي".

كيف بدأت المواجهة؟

المواجهة الحاصلة واللافتة كما يعتبرها باحثون ونواب عراقيون جاءت بعد أسبوع واحد من هروب المتهم بـ"سرقة القرن" نور زهير خارج البلاد، مما أثار جدلا وتساؤلات عن كيفية فراره، وهو المتهم الأبرز في أكبر قضية فساد شهدتها البلاد منذ عام 2003.

وشيئا فشيئا وبينما كانت الأنظار تتركز على قرار إلقاء القبض الذي أصدره القضاء بحق زهير للمرة الثانية بدأت تظهر بالتدريج "فضائح فساد مليارية" جديدة، وكان أبرزها تلك التي كشف عنها النائب في البرلمان العراقي، ياسر الحسيني، وتداولتها وسائل إعلام على نطاق واسع.

وجاء في اتهامات رئيس كتلة "الآمال" النيابية أن "الشركة العامة لسكك الحديد" وقعت عقدا لإعادة تأهيل خط سككي بقيمة 22 مليار دولار ونصف، قبل ثلاثة أشهر، وأن المشروع أحيل إلى 3 شركات، واحدة منها أجنبية وأخرى محلية، والثالثة تابعة لزهير المتهم بـ"سرقة القرن".

وفي حين نفت وزارة النقل، عبر حديث متلفز أدلى به المتحدث باسمها ميثم الصافي، الاتهامات التي أطلقها الحسيني أشار خبراء قانون ونواب سابقون إلى أن "الفضائح" التي باتت تنكشف على نحو كبير ترتبط دوافعها وحيثياتها بشكل وثيق.

وأوضح بعض النواب وخبراء القانون أن الأسباب التي تقف وراء ذلك تتعلق بجذور وصراعات سياسية فيما ذهب آخرون للإشارة إلى مآلات وتداعيات المواجهة الحاصلة التي اندلعت ما بين هيئة النزاهة و"المجلس الأعلى للقضاء".

ويقول الخبير القانوني العراقي، أمير الدعمي، إن الصراعات في العراق باتت تشتد على كافة المستويات السياسية، ويضيف أنه "قد نشهد صراعا بين مؤسستين مهمتين، الأولى هي مجلس الوزراء والثانية هي مجلس القضاء الأعلى".

ويشير في حديثه لموقع "الحرة" أنه "ولأول مرة قد يكون مجلس القضاء الأعلى طرفا في صراع مثل هذا".

ويسود اعتقاد لدى بعض المراقبين والباحثين العراقيين أن المواجهة الحاصلة بين "النزاهة" والقضاء تقف وراءها وفي الكواليس مواجهة خفية ما بين رئيس الوزراء العراقي، محمد شياع السوداني و"المجلس الأعلى للقضاء".

لكن مستشار السوداني فادي الشمري تحدث في تصريحات نقلتها وسائل إعلام عراقية، الجمعة، عن "محاولات قامت بها الحكومة لثني رئيس هيئة النزاهة من عقد المؤتمر الصحفي الأخير في أربيل".

وأوضح الشمري أن "حنون رفض التراجع"، وأن "طريقته في طرح هواجسه كانت مضرة بالاستقرار السياسي، وأن اجتهاده كان في غير محله".

ومن المقرر أن تعقد جلسة استثنائية في مجلس النواب العراقي، لمتابعة تطورات المشهد الحالي، وخاصة فيما يتعلق بملفات الفساد الكبرى، كما يكشف عضو اللجنة القانونية النيابية في العراق، عارف الحمامي، لموقع "الحرة".

وبالنسبة لمسألة التحقيق والقضاء يقول: "نحن نحترم القضاء ونشد على يده لإكمال التحقيق والخروج بنتائج مرضية للشعب العراقي".

ويعتقد عضو اللجنة القانونية النيابية العراقية أن "حديث حنون كان نتيجة ضغوط".

ويعتبر أن رئيس هيئة النزاهة "يجابه منظومة فساد كبرى، ويحتاج الدعم الكبير والمؤازرة من مجلس النواب العراقي والقضاء والوقوف على حقائق الأمور".

"قضية نور زهير هي قضية فساد كبرى وفيها رؤوس.. وهذه الرؤوس تريد خلط الأوراق والتشويش على القضاء وهيئة النزاهة"، ويرى الحمامي أن "حدوث مشكلة ما بين القضاء والنزاهة من صالح الفاسدين".

"من زهير إلى جوحي"

رغم أن الأضواء في العراق تتسلط وعلى نحو كبير باتجاه قضية "سرقة القرن" وخيوطها التي يتم الكشف عنها بالتوالي بعيدا عن كشف أسماء "الرؤوس" انشغلت الساحة السياسية في البلاد خلال الأيام الماضية بقضية عرفت باسم "شبكة التنصت" أو "شبكة جوحي".

وفي التفاصيل وبحسب إفادات سابقة للنائب مصطفى سند، فإن محكمة تحقيق الكرخ، المختصة بقضايا الإرهاب أقدمت قبل أسبوع على "اعتقال شبكة من القصر الحكومي لمكتب رئيس الوزراء، وعلى رأسهم المقرب (محمد جوحي)، وعدد من الضباط والموظفين".

وذكر مصطفى أن الشبكة "كانت تمارس عدة أعمال غير نظيفة؛ ومنها التنصت على هواتف عدد من النواب والسياسيين (وعلى رأسهم رقم هاتفي)"، وكذلك "تقوم الشبكة بتوجيه جيوش إلكترونية، وصناعة أخبار مزيفة، وانتحال صفات لسياسيين ورجال أعمال ومالكي قنوات"، بحسب النائب في البرلمان.

وبعدما أثار الحديث عن "شبكة التنصت" ضجة نشر "مجلس القضاء الأعلى" بيانا وصف فيه المعلومات المتداولة بشأن "قضية جوحي" بأنها غير دقيقة، واعتبر أنها "مبنية على التحليل والاستنتاج بعيدا عن الحقيقة".

"تضخيم إعلامي"

ورفض مستشار سياسي لرئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، السبت، الاتهامات التي ترددت في الآونة الأخيرة بأن موظفين في مكتب رئيس الوزراء تجسسوا وتنصتوا على مسؤولين كبار وسياسيين.

وقال المستشار فادي الشمري في مقابلة مع إحدى جهات البث العراقية أذيعت في وقت متأخر من مساء أمس الجمعة "هذه كذبة مضخمة"، وهو النفي الأكثر صراحة من عضو كبير في فريق رئيس الوزراء.

وأضاف أن الاتهامات تهدف إلى التأثير سلبا على السوداني قبل الانتخابات البرلمانية المتوقع إجراؤها العام المقبل.

وتابع "كل ما حدث خلال الأسبوعين الأخيرين هو مجرد تضخيم إعلامي يخالف الواقع والحقيقة".

وقال الشمري إنه تم إلقاء القبض على شخص في مكتب رئيس الوزراء في أغسطس، إلا أن الأمر لا علاقة له علاقة بالتجسس أو التنصت.

وأضاف أن ذلك الموظف اعتقل بعد اتصاله بأعضاء في البرلمان وسياسيين آخرين منتحلا صفة شخص آخر.

وأردف "تحدث مع نواب مستخدما أرقاما مختلفة وأسماء وهمية وطلب منهم عددا من الملفات المختلفة". ولم يخض الشمري في تفاصيل. وتابع "لم يكن هناك تجسس ولا تنصت".

ويشير عضو اللجنة القانونية النيابية الحمامي إلى أنه وحتى الآن "لا تستطيع أن ننفي أو نؤيد ما تم تداوله عن قضية التنصت"، ويقول إنها "حساسة.. وننتظر نتائج التحقيق".

وكن المتحدث باسم الحكومة العراقية باسم العوادي قال في وقت سابق إن الحكومة العراقية "تتابع الحملات المضللة التي تستهدف إعاقة عملها في مختلف المجالات، ومنها ما جرى تناوله من معلومات غير دقيقة تستبطن الغمز، وبعضها تضمن الاتهام المباشر للحكومة تجاه قضايا تخضع الآن لنظر القضاء".

وأضاف العوادي في بيان أن "السلطة التنفيذية تنتظر ما سيصدر عنه (القضاء) بهذا الصدد، مع تأكيد الحكومة المستمر على الالتزام بالقانون واحترام قرارات القضاء".

وشدد العوادي أن "هناك من يعمل على جرّ الحكومة وإشغالها عن نهجها الوطني عبر محاولات يائسة لا تصمد أمام الإجراءات القانونية الحقيقية والفعلية، التي تعمل الحكومة على تنفيذها ودعمها".

ولم يتطرق البيان إلى أي أسماء متورطة يتم تداولها في وسائل الإعلام أو من قبل أعضاء في مجلس النواب العراقي بشأن القضية.

ومن جانب آخر اعتبر وائل عبد اللطيف القاضي العراقي السابق أن ما يتم الحديث عنه من "ملفات فساد وفضائح من قبل حيدر حنون هو أقل من السرقات الموجودة في البلد".

ويقول عبد اللطيف لموقع "الحرة" إن "البلد بات بؤرة فساد والسرقات تأكله في جميع مرافقه.. ولا أستثني منها أي مرفق". 

القاضي السابق أشار إلى المعلومات التي تحدث عنها حنون بشأن "قطع الأراضي التي منحها رئيس الوزراء السابق، مصطفى الكاظمي لرئيس وأعضاء مجلس القضاء الأعلى ورئيس وأعضاء المحكمة الاتحادية والوزراء لشراء الولاء".

وأوضح أن رئيس هيئة النزاهة حصل على جزء من تلك الأراضي، وهو ما أكده في المؤتمر الصحفي بقوله: "وقبلناها جميعا (من الكاظمي)".

ويتابع عبد اللطيف: "حنون كان رئيس استئناف العمارة وأخذ قطعتي أرض وعنده منزل. ماذا يريد بعد ذلك؟ وكذلك الحال مع ضياء جعفر. ما يحصل عبارة عن صراع تشارك فيه القوى السياسية".

"كارثة وانتحار سياسي"

وتباينت ردود الفعل إزاء ما كشف عنه حنون من أربيل، وكانت المواقف منقسمة ما بين مؤيد ومعارض للطريقة التي تم فيها إطلاق الاتهامات.

ودافع رئيس ائتلاف "دولة القانون"، نوري المالكي، بشدة عن القضاء، الخميس، وبدا مستاءً من اتهامات رئيس هيئة النزاهة للقضاء، وإن لم يذكر اسمه بالتحديد خلال كلمته.

ومن جهته، دعا زعيم "تيار الحكمة"، عمار الحكيم، إلى ما وصفها بـ"محاكمة القرن" لمقاضاة "سرقة القرن"، وقال في كلمة مسجلة: "لتكن هذه المحاكمة علنية، كما فعلنا مع صدام حسين، حتى لو وردت فيها أسماء شخصيات كبيرة".

وتتمثل "سرقة القرن" باختفاء مبلغ 3.7 تريليون دينار عراقي، بما يعادل نحو مليارين ونصف مليار دولار، من أموال الأمانات الضريبية. وكانت جهات متعددة قد كشفت عن السرقة قبل نحو شهرين من انتهاء مدة حكم الحكومة العراقية السابقة برئاسة، مصطفى الكاظمي.

وكشف كتاب رسمي صادر عن هيئة الضرائب أن مبلغ 2.5 مليار دولار، جرى سحبه بين سبتمبر 2021 وأغسطس 2022 من مصرف الرافدين الحكومي، عبر 247 صكا ماليا، حرّر إلى 5 شركات، قامت بصرفها نقدا مباشرة.

وعلى إثر انكشاف السرقة تحركت "هيئة النزاهة" والسلطة القضائية للتحقيق في القضية، وصدرت عدة أوامر قبض قضائية، وكان أول المعتقلين نور زهير، واسمه الكامل "نور زهير جاسم المظفر"، وكنيته "أبو فاطمة"، وهو من مواليد بغداد عام 1980.

بعد ذلك تم إيداعه السجن بالإضافة إلى آخرين، إلى جانب قرارات قضائية بمصادرة الأموال المنقولة وغير المنقولة للمتورطين بالسرقة وكذلك أُسرهم، وفق وكالة "شفق نيوز".

وفي عام 2023، قرر القضاء العراقي رفع إشارة الحجز عن شركة تابعة لزهير، ومن ثم أعلن رئيس الوزراء العراقي، محمد شياع السوداني، عن قيام المتهم الأول بـ"سرقة القرن" بتوزيع أمواله على متنفذين من بينهم "سياسيون وإعلاميون"، ملمحا إلى ارتفاع عدد المتهمين.

ووقتها أعلن السوداني أيضا أن القاضي المختص (ضياء جعفر) أصدر أمرا بإطلاق سراح نور زهير "بكفالة"، مقابل تعهده بتسليم كامل المبلغ المسروق خلال مدة أسبوعين، مشيرا إلى أن القسم الأكبر من المبلغ لدى المتهم عبارة عن عقارات وأملاك.

ويشكّل المبلغ الذي أعاده زهير إلى خزينة الدولة بعد خروجه من السجن بكفالة ما نسبته 12 بالمئة من كامل الأموال التي تتجاوز 2.5 مليار دولار، وفق تصريحات سابقة للنائب في البرلمان العراقي، ماجد شنكالي.

وحتى الآن لا يعرف ما إذا كان المسارات ستصل إلى إعادة إلقاء القبض على زهير، بموجب المذكرة التي صدرت بحقه قبل أسبوع، وبعد انتشار صورة له من العاصمة اللبنانية بيروت، مدعيا أنه "تعرض لإصابة في حادث سير".

ويعتبر الخبير القانوني الدعمي أن "التدخل أو إقحام القضاء بمثل هكذا صراعات هو خطأ، بل كارثة على اعتبار أن المجلس الأعلى للقضاء الآن هو الحصن الأخير الذي يمكن أن نلوذ به".

ويرى أن "محاولة إقحام القضاء في الصراع السياسي أو جره لهذا الصراع هو انتحار سياسي"، في إشارة منه للمؤتمر الذي عقده حنون.

"الكل متورط في العراق"

لكن وفي المقابل يوضح الكاتب والباحث في الشأن العراقي، يحيى الكبيسي أن "مراجعة الوقائع المرتبطة بسرقة الأمانات الضريبية تظهر بوضوح اشتراك سلطات الدولة ومؤسساتها المختلفة في هذه السرقة، سواء بشكل مباشر أو بشكل ضمني، بما في ذلك السلطة القضائية نفسها".

ويقول لموقع "الحرة" إن الدليل على ذلك "هو عدم اتخاذ القضاء العراقي أي إجراء طوال أكثر من شهرين، من لحظة كشف السرقة إلى لحظة محاولة هروب المتهم الرئيسي عبر مطار بغداد".

وتبع ذلك وفق الكبيسي "إطلاق سراح المتهم بسرعة غير مفهومة، ورفع الحجز عن شركاته وممتلكاته، ورفع منع السفر عنه، وعدم حضوره المحاكمة، وما يستتبع ذلك من دفع الكفلاء لمبلغ الكفالة لتنتهي القضية بحكم غيابي لا قيمة له عمليا".

ما قاله حنون "كان في جوهره اتهامات للقضاء العراقي"، ورغم أنه لم يقدم معلومة جديدة "كسر التواطؤ الجماعي الذي يغطي على الفساد في العراق في سياق الصراع بين السلطات"، بحسب الكاتب الكبيسي.

ويتابع أن "الفساد في العراق منذ العام 2006 ليس فساد أفراد، بل فساد بنيوي، والكل شركاء فيه".

ويحتل العراق المرتبة 157 (من 180) في مؤشر منظمة الشفافية الدولية عن "مدركات الفساد"، وغالبا ما تستهدف المحاكمات في قضايا الفساد، في حال حصلت، مسؤولين في مراكز ثانوية.

ويعتقد القاضي السابق، وائل عبد اللطيف أن المناكفات الحاصلة بين "النزاهة" و"المجلس الأعلى للقضاء" ترتبط "بغياب الاستقرار وتنظيم العمل في الدولة".

وبالإضافة إلى ذلك يؤكد أن "الفساد مستشر في الدولة العراقية"، وأن ما نراه الآن أيضا مرتبط بالصراع الحاصل بين القوى السياسية.

أما الخبير القانوني الدعمي فيؤكد أنه "يجب عدم المساس بالقضاء وإقحامه بالصراعات السياسية المعروفة أساساتها على اعتبار الفساد المستشري في الدولة العراقية".

ويعتقد الدعمي أن "الصراع الحاصل بين النزاهة والمجلس الأعلى للقضاء ينذر بكوارث"، ويعتبر أن "القضاء أسمى من أن يكون طرف بصراع سياسي أو مفسدة سياسية تقوم بها الكيانات والطبقة السياسية".