جنود عراقيون في حاجز عسكري في مدينة أم قصر، جنوب العراق، في 22 مارس 1991.
جنود عراقيون عند حاجز عسكري في مدينة أم قصر جنوب العراق، 22 مارس 1991.

ما إن ظهر وزير الخارجية الكويتي سالم عبدالله الجابر الصباح، شاكراً محافظ البصرة خلال مؤتمر صحافي مشترك في العاصمة بغداد لوعوده بإزالة بيوت على الحدود العراقية الكويتية، حتى ضجت مواقع التواصل الاجتماعي باحتجاجات حملت وسم "أم قصر ليست للبيع".

وأم قصر مدينة عراقية تقع في أقصى جنوب العراق ضمن محافظة البصرة الغنية بالنفط، وتضم ميناء أم قصر الحيوي والرئيسي في الملاحة العراقية.

وكان الصباح زار العراق أواخر يوليو الماضي على رأس وفد كويتي لمناقشة قضايا النفط والمخدرات والتعاون الاقتصادي، بالإضافة للإعلان عن جولة مفاوضات جديدة تتعلق بترسيم الحدود بين البلدين منتصف أغسطس الحالي.

لقطة لجزء من ميناء الفاو الكبير، المشروع الذي ما زال في طور البناء ويكلف العراق 6 مليارات دولار- أرشيف
ترسيم الحدود بين العراق والكويت.. هل تُنهي المفاوضات الخلاف التاريخي؟
منذ بدء المفاوضات بين العراق والكويت على ترسيم الحدود أواخر القرن التاسع عشر، امتازت العلاقات بين الدولتين بالتوتر وتصاعد الخلافات، حتى انتهت باجتياح عسكري سبب أزمة دولية رسمت على خلفيتها الأمم المتحدة الحدود بين الدولتين وفق قرار لمجلس الأمن. 

"بعيد عن الصحة"

في حديثه مع "ارفع صوتك"، يؤكد المتحدث باسم وزارة الخارجية العراقية أحمد الصحاف، أن  الحديث عن تنازل عراقي لصالح الكويت في أراض بمنطقة أم قصر "بعيد عن الصحة". 

ويوضح أن وزارة الخارجية "حين تحدثت عن ترسيم مشترك للحدود بين العراق والكويت فإنها تتحدث عن إجراءات فنية تخصصية من قبل لجان مشتركة بين الجانبين يبحث كل منهما عن الحصول على كامل استحقاقاته في الحدود البرية والإطلالات المائية". 

ويتابع الصحاف: "خلال المفاوضات المرتقبة، سيعمل الجانب العراقي برؤية واضحة وبتعريفات محددة لحقوقه السيادية في إطلالاته المائية وكذلك الحدود البرية المشتركة، كما أن اللجان الفنية العراقية التخصصية ستعمل بكل مهنية والتزام وطني كامل وبإشراف مباشر من قبل السيد رئيس الوزراء محمد السوداني".

ويشدد على أن الوزارة "ستلتزم مساراً واضحاً ومحدداً في التفاوض حول هذا الملف، بحيث لا يغادر أي جزئية في الحق العراقي السيادي، ولن يتم التنازل عن أي أراضٍ عراقية خلالها".

 

دعوى قضائية

واتهم عراقيون في مواقع التواصل الاجتماعي، بينهم نواب في البرلمان، الحكومة، بتقديم تنازلات تضمنت تسليم أراضٍ عراقية من أم قصر إلى الجانب الكويتي. 

هذه الاتهامات قابلتها كما يقول النائب يوسف فرج لـ"ارفع صوتك"، تحركات برلمانية لتشكيل لجنة مهمتها زيارة محافظة البصرة للاطلاع على الإجراءات التي تتم هناك، لترسيم الحدود التي تم عقدها بين العراق والكويت.

ورفع النائب في البرلمان العراقي سعود الساعدي قضيتين أمام القضاء العراقي تتعلقان باتفاقيات ترسيم الحدود بين العراق والكويت.

يبيّن الساعدي لـ"ارفع صوتك": "القضية الأولى تهدف للحصول على حكم بعدم دستورية الأمرين الديوانيين (110 و123 لسنة 2021) الصادرين من مجلس الوزراء، المتعلقين بتشكيل لجان للتفاوض بشأن ترسيم الحدود البحرية مع دولة الكويت، بهدف إبطال جميع الإجراءات التنفيذية المتخذة لهذا الغرض".

أما الدعوى الثانية "فهي طلب الحكم بعدم دستورية القانون (رقم 42 لسنة 2013)، المتعلق بتصديق اتفاقية بين العراق والكويت بشأن الملاحة البحرية في خور عبد الله والمادة (رقم 2) منها، وإبطال جميع الإجراءات المتخذة في هذا الشأن"، وفق الساعدي.

ويصف قرار الأمم المتحدة الخاص بترسيم الحدود، بـ"الظالم"، معللاً: "ليس من صلاحيات مجلس الأمن التدخل في ترسيم الحدود بهذه الطريقة. فضلاً عن اعتماده على خرائط كويتية قُدمت من طرف واحد إلى مجلس الأمن بعد الغزو الصدامي للكويت، وهو ما جعل مخرجات هذا القرار غير موضوعية".

ويلفت الساعدي، إلى أن الدعوى القضائية انطلقت من "معلومات وصلت إليه، تتعلق بترسيم وهمي وإحداثيات غير واقعية وتلاعُب وتجاوز من قبل الكويت التي أوجدت جزيرتين صناعيتين بعيداً عن السواحل الكويتية وابتدأت ترسيماً جديداً للحدود".

"وهو ترسيم من شأنه تضييق وغلق قناة خور عبد الله، إطلالة العراق الوحيدة على الخليج، بما يخالف اتفاقية الأمم المتحدة لأعالي البحار ويضر بالعراق ضرراً كبيراً"، يؤكد الساعدي.

 

قرارات أممية

يجزم خبير الحدود والمياه الدولية جمال الحلبوسي، بأن الكلام المتداول على مواقع التواصل حول تنازل العراق عن أراض لصالح الكويت "لا أساس له من الصحة".

ويدلّل على ذلك بقوله لـ"ارفع صوتك": "ترسيم الحدود جاء نتيجة لمخرجات القرار (833 لسنة 1993) المتخذ من قبل الأمم المتحدة بعد احتلال العراق للكويت أوائل التسعينيات، وبموجبه تم اعتبار جزء من الأرض الحدودية التابعة لأم قصر أرضاً كويتية".

وبحسب الحلبوسي، تتضمن الأرض "قاعدة أم قصر القديمة ومقريّ لواء البحرية الأول والثاني، وبناية شرطة أم قصر وبرجين، أصبحت جميعها داخل الأراضي الكويتية بموجب القرارات الأممية التي نفذت مرحلتها الثالثة عام 2013، وبقيت فقط مدينة منتسبي القاعدة البحرية".

المدينة التي يشير لها الحلبوسي فعلياً هي التي قصدها وزير الخارجية الكويتي حين شكر محافظ البصرة على وعوده المتعلقة بترحيل ساكنيها.

يوضح: "تتضمن المدينة بيوت عوائل منتسبي القاعدة البحرية العراقية في أم قصر وتتكون من 202 منزل تبرعت الكويت لبناء مدينة سكنية جديدة لهم وقد اكتملت ويتم حالياً إسكان تلك العوائل فيها، لكن الأخيرة ترفض ترك المنطقة وتصر على البقاء دون إزالة مساكنها، كونها شاهداً إثبات على تغيير خط الحدود دون وجه حق لصالح الكويت".

ويلفت إلى أن حجم الأراضي التي تم ضمها إلى الكويت بعد قرار الأمم المتحدة "تبلغ كمساحة ستة في سبعة كيلومتر مربع، أما خط الحدود فابتعد بمسافة 5-6 كيلومتراً على طول الحدود العراقية من منطقة الرجة حتى منطقة أم قصر".

أما أهمية أراضي أم قصر، فتنبع كما يقول الحلبوسي من "كونها منفذاً بحرياً عراقياً على خور الزبير وهي آخر نقطة برية مع الحدود الكويتية، وكانت مستغلة اقتصادياً ويمكن تحويلها إلى منطقة سياحية مهمة"، إلا أنه تم اقتطاعها "بقرار مجحف"، على حدّ تعبيره

 

دعاية انتخابية مبكرة

في السياق ذاته، يرى الصحافي والمحلل السياسي أحمد خضر، أن "هناك تصعيداً إعلامياً واضحاً فيما يتعلق بقيام الحكومة العراقية ببيع جزء من مدينة أم قصر إلى الحكومة الكويتية" الهدف منه بالنسبة للبعض "استغلال الموضوع لمناهضة حكومة السوداني، أو لأغراض الدعاية الانتخابية المبكرة"، وفق تعبيره.

ويقول لـ"ارفع صوتك": "يوجد شريط حدودي تم تحديده بموجب قرارات الأمم المتحدة واللجان المتخصصة، تم التعامل معه على أساس عدم وجود أي بنايات أو سكن يقع ضمن مساحته. كما يوجد اتفاق بين العراق والكويت لتعويض المتضررين من هذه القرارات عبر بناء مبانٍ مماثلة في مدينة أم قصر نفسها". 

"لا يمكن لأي شخص منح دولة أخرى مدينة حدودية كاملة، فهذا الأمر تابع إلى لجان تفاوضية وموافقات حكومية وبرلمانية، حتى لو اتخذت الحكومة مثل هذه الخطوة، لا يمكن تمريرها بشكل قانوني إلا عبر موافقة البرلمان العراقي نفسه"، يؤكد خضر.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

وسائل إعلام محلية وبرلمانيون يتحدثون أن موظفين في مكتب السوداني قُبض عليهم بتهم التجسس على مسؤولين كبار- أرشيفية
وسائل إعلام محلية وبرلمانيون يتحدثون أن موظفين في مكتب السوداني قُبض عليهم بتهم التجسس على مسؤولين كبار- أرشيفية

رفض مستشار سياسي لرئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني اتهامات ترددت في الآونة الأخيرة بأن موظفين في مكتب رئيس الوزراء تجسسوا وتنصتوا على مسؤولين كبار وسياسيين.

ومنذ أواخر أغسطس، تتحدث وسائل إعلام محلية وبرلمانيون عراقيون عن أن موظفين في مكتب السوداني قُبض عليهم بتهم التجسس على مسؤولين كبار.

وقال المستشار فادي الشمري في مقابلة مع إحدى جهات البث العراقية أذيعت في وقت متأخر من مساء أمس الجمعة "هذه كذبة مضخمة"، وهو النفي الأكثر صراحة من عضو كبير في فريق رئيس الوزراء.

وأضاف أن الاتهامات تهدف إلى التأثير سلبا على السوداني قبل الانتخابات البرلمانية المتوقع إجراؤها العام المقبل.

وتابع "كل ما حدث خلال الأسبوعين الأخيرين هو مجرد تضخم إعلامي يخالف الواقع والحقيقة".

وأثارت التقارير قلقا في العراق الذي يشهد فترة من الاستقرار النسبي منذ تولي السوداني السلطة في أواخر عام 2022 في إطار اتفاق بين الفصائل الحاكمة أنهى جمودا سياسيا استمر عاما.

وقال الشمري إنه تم إلقاء القبض على شخص في مكتب رئيس الوزراء في أغسطس، إلا أن الأمر لا علاقة له علاقة بالتجسس أو التنصت.

وأضاف أن ذلك الموظف اعتقل بعد اتصاله بأعضاء في البرلمان وسياسيين آخرين منتحلا صفة شخص آخر.

وأردف "تحدث مع نواب مستخدما أرقاما مختلفة وأسماء وهمية وطلب منهم عددا من الملفات المختلفة". ولم يخض الشمري في تفاصيل.

وتابع "لم يكن هناك تجسس ولا تنصت".