صورة أرشيفية من حقل نفطي بمحافظة كركوك- ا ف ب
يرى خبراء أن مشكلة الاقتصاد الأساسية في اعتماد العراق على النفط بشكل شبه كلي- تعبيرية

"اضطررت إلى بيع سيارتي قبل أشهر من أجل توفير القوت اليومي لي ولعائلتي، ولم أحصل حتى الآن على أي فرصة عمل" يقول إسماعيل محمود، وهو أحد موظفي شركات النفط العاملة في كردستان العراق، الذين فقدوا وظائفهم إثر استمرار توقف تصدير نفط الإقليم إلى الخارج.

ولم يتمكن إقليم كردستان من تصدير نفطه منذ 25 مارس الماضي، إثر قرار صادر عن هيئة التحكيم الدولية في باريس، التي حكمت لصالح العراق في نزاعه مع تركيا حول صادرات نفط الإقليم.

وحذرت جمعية الصناعات النفطية في إقليم كردستان المكونة من شركات "دي ان أو، جينيل إنرجي، غلف كيستون بتروليوم، وايتش كي ان انرجي"، في بيان نهاية يوليو الماضي، من أن "إيقاف تصدير النفط من إقليم كردستان سيكون له تأثير واضح على الاستثمار الأجنبي في الإقليم ويشكل تهديدا لمعيشة آلاف الأشخاص".

وأكدت أنها "قلصت نفقاتها في الإقليم بواقع 400 مليون دولار خلال العام الحالي 2023".

يضيف محمود لـ"ارفع صوتك": "بعد توقف تصدير نفط كردستان أنهت الشركة النفطية التي كنت أعمل فيها خدماتي وخدمات الكثير من العمال والموظفين الآخرين، ولم يتبق سوى الفنيين، لتبدأ معاناتنا في البحث عن العمل وتوفير لقمة العيش لنا ولعوائلنا، لأننا كنا نعتمد على هذه الوظائف منذ سنوات، والآن بين ليلة وضحاها فقدناها".

إلى جانب محمود والموظفين الآخرين في شركته، سرّحت شركات نفطية أخرى موظفين لديها أيضاً، بعد توقف تصدير نفط كردستان للخارج.

شكار حسين، شاب من مدينة أربيل، فقد هو الآخر عمله في شركة النفط التي كان يعمل بها لأكثر من عامين. يقول لـ"ارفع صوتك": "عشت أصعب أربعة أشهر في حياتي منذ فقداني العمل، كنت أعتمد على راتب العمل بشكل كاما، حتى ما ادخرته خلال مدة عملي، أنفقته خلال الفترة الماضية".

"لم أتمكن من دفع إيجار البيت منذ شهرين وسط ارتفاع أسعار السلع، واضطررت إلى العمل كعامل بناء مؤخرا، لكن ما أتقاضاه قليل جدا بالكاد يسد حاجتنا من القوت اليومي"، يضيف شكار.

ورغم أن الشركة أبلغت شكار ومن أنهت خدماتهم أنها ستعيدهم مجدداً إلى وظائفهم إذا عاود الإقليم تصدير النفط، لكنه "فقد الأمل بذلك"، على حدّ تعبيره.

ووقعت حكومة إقليم كردستان مطلع أبريل الماضي اتفاقية مع الحكومة الاتحادية في بغداد، نصت على استئناف تصدير نفط الإقليم ومنح شركة النفط الوطنية العراقية (سومو) مسؤولية تصدير نفط الإقليم بالاتفاق مع الجانب التركي، لكن عملية التصدير لم تُستأنف حتى الآن.

 

٣٠ مليون دولار يومياً

لا توجد أي إحصائيات رسمية عن أعداد موظفي الشركات النفطية الذين فقدوا وظائفهم خلال الأشهر الماضية، لكن الخبير العراقي في قطاع النفط كوفند شيرواني، يبين أن أغلبها قللت أعمالها الإنتاجية وتوقفت بالتدريج، واضطرت لتسريح العشرات من الموظفين الأجانب والمحليين، بعضهم بشكل دائم وآخر مؤقتاً، لحين استئناف الإنتاج والتصدير". 

ويكشف شيرواني لـ"ارفع صوتك": "تبلغ خسائر الاقتصاد العراقي من توقف تصدير نفط إقليم كردستان منذ مارس الماضي حتى الآن نحو 30 مليون دولار يومياً"، مردفاً "إذا حسبنا الخسارة خلال الشهور الماضية ستتعدى ثلاثة مليارات دولار".

ويؤكد أن إدارة التصدير بين الحكومتين، منذ أبريل الماضي، "مسؤولية وزارة النفط العراقية وشركة سومو".

ويرى شيرواني أن "على وزارة النفط وسومو تذليل العقبات الفنية والقانونية مع الجانب التركي لمعاودة التصدير، إذ لم يتحقق حتى الآن أي تقدم في هذا المجال رغم وجود جولة واحدة من المفاوضات مع الجانب التركي كانت في 19 يونيو الماضي والاتصالات مستمرة".

يتابع أن الشركات النفطية تترقب نتائج "إقرار قانون الموازنة، إلى جانب وجود مشروع قانون النفط والغاز وهو قيد الدراسة، حيث من المتوقع أن يؤدي تشريعه إلى تنظيم العلاقة بين الحكومة الاتحادية وحكومة الاقليم حول صناعة النفط والغاز".

يشرح شيرواني: "على ضوء هذا القانون سيتبين مصير هذه الشركات والعقود التي وقعتها مع حكومة الإقليم، ومن المؤمل أن يصدر هذا القانون قريبا والمسودة جاهزة تحتاج فقط إلى تفاهمات بين بغداد وأربيل لكي يصدر ويصادق عليه البرلمان".

ويعرب في ختام حديثه عن أمله بألا يتأخر تشريع القانون، وأن "يكون مطابقا للدستور ويلبي بإنصاف متطلبات الطرفين، ومشجعاً في الوقت ذاته للاستثمارات الأجنبية في قطاع النفط" داخل العراق.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

Paris 2024 Paralympics - Table Tennis
نجلة عماد متوّجة بالميدالية الذهبية في بارالمبياد باريس

بفوز  أفرح ملايين العراقيين، حصدت لاعبة كرة تنس الطاولة نجلة عماد الميدالية الذهبية في بارالمبياد باريس، فأصبحت أول عراقية تحقق هذا الإنجاز الرياضي الرفيع، رغم فقدانها ثلاثة أطراف بانفجار عبوة ناسفة عندما كانت بعمر ثلاث سنوات.

وفي مشهد كان الأكثر تداولا على منصات التواصل الاجتماعي في العراق عقب إعلان فوزها، راقب العراقيون تتويجها بالميدالية الذهبية في احتفالية رفُع فيها العلم العراقي، وعُزف النشيد الوطني لأول امرأة عراقية تفوز بوسام في تاريخ اللجنة البارالمبية العراقية منذ أولى مشاركتها في العام 1992 .

وأختتمت فعاليات دورة الألعاب البارالمبية  في العاصمة الفرنسية باريس  يوم الأحد الماضي بحصول العراق على 5 ميداليات (ذهبية وفضية و3 برونزيات).

 

عبوة ناسفة

في الأول من يوليو الماضي، وفي جلسة للمفوضية السامية لحقوق الإنسان، ألقت عماد كلمة في حلقة النقاش الموضوعية التي تعقد كل أربع سنوات، حول تعزيز حقوق الإنسان من خلال الرياضة.

في تلك الجلسة روت قصتها مع تنس الطاولة التي "بدأت في العام 2008 عندما كانت محافظة ديالى تعاني من إرهاب القاعدة، وكان والدها جندياً يعمل لساعات طويلة في الجيش لحمايتهم" على حد تعبيرها.

في ذلك العام "كان عمري ثلاث سنوات، وكنت أنتظر عودة والدي من العمل ليأخذني في جولة بسيارته، وضعني والدي في السيارة وأثناء وصوله إلى مقعد السائق انفجرت عبوة كانت مزروعة في سيارته".

فقدت الطفلة الصغيرة وعيها وهرعت بها عائلتها إلى المستشفى "استيقظتُ بعد أسابيع وأصبت بصدمة عندما علمت أنني فقدتُ ساقيّ الاثنتين ويدي اليمنى بعدما طارت أطرافي واستقرت فوق سطوح الجيران". 

تقول عماد بألم "جزء كبير من روحي وجسدي سُلب مني إلى الأبد، هذا ما تفعله الحروب بالأطفال".

منذ ذلك اليوم تغيرت حياتها، وواجهت صعوبات كثيرة، ليس بسبب الإعاقة فحسب بل بسبب "نظرة التمييز التي كنت أتعرض لها كل يوم" حسب قولها.

وروت خلال الجلسة مشاعر الألم والحزن وهي ترى الأطفال من حولها يركضون ويلعبون، فيما كانت عاجزة عن ذلك، "كان مستقبلي مليء بعدم اليقين والتحديات التي لا يمكن التغلب عليها".

نقطة تحول محورية

في العاشرة من عمرها كما روت نجلة في تصريحات صحفية "كان تركيزي في البداية منصباً على الدراسة".

إلا أن نقطة التحول المركزية في حياتها كانت "حين زار منزلنا مدرب على معرفة بوالدي، كان يريد تشكيل فريق بارالمبي. وبعد فترة تدريب استمرت ستة أشهر، حقّقت أول فوز لي في بطولة محلية لمحافظات العراق في بغداد"، وفقاً لقولها.

في البداية كانت عماد تتدرب على جدار المنزل لعدم توفر طاولة مخصصة للعب "لكن، تبرع لي أحد الأشخاص بطاولة، وبدأت بالتمرن في المنزل طوال الوقت".

كان توجهها إلى مقر اللجنة البارالمبية على فقر تجهيزاته وضعف تمويله، حافزاً قوياً لها في إكمال مشوارها الرياضي، كما تروي: "رأيت لاعبين آخرين من ذوي الإعاقة يمارسون الرياضة. كان لديهم الكثير من الطاقة الإيجابية، وقد شجّعني ذلك".

الرياضة التي تعلقت بها عماد وشجعها عليها والدها ورافقها في كل خطوات رحلتها "مكنتني من تجاوز إعاقتي، وجعلتني أنظر إلى الحياة من زاوية أخرى".

الرياضة مهمة جداً لذوي الإعاقة في جميع أنحاء العالم، بحسب عماد التي تحثّ "جميع الدول على الاهتمام بذوي الإعاقة وتوفير بيئة داعمة لحقوق الأطفال، وبالأخص ذوي الإعاقة، فمن الضروري توفير التمويل وضمان الوصول السهل وتكافؤ الفرص".

دعم الرياضة لهذه الفئة كما تشرح، "يتيح فوائد نفسية وجسدية واجتماعية لهؤلاء الأفراد، ما يعزز شعورهم بالإنجاز والانتماء، ونحن مدينون للأجيال القادمة بخلق عالم يمكن فيه لكل إنسان بغض النظر عن قدرته وهويته أن يزدهر ويعيش في عدل ومساواة".

طريق معبّد بالذهب

شاركت نجلة عماد في أول بطولة لها في العراق بعد ستة أشهر فقط على خوض تجربة التمرين على يد مدرب، وحققت المركز الثاني في لعبة تنس الطاولة على مقعد متحرك، لتصبح لاعبة المنتخب الوطني العراقي لكرة الطاولة في اللجنة البارالمبية.

وفي العام 2016 بدأت أولى خطواتها باتجاه العالمية التي كانت تسعى إليها، لتحصل على المركز الثالث في بطولتي الأردن 2016 وتايلند 2018، لتبدأ عملية التحول من المنافسة على كرسي متحرك إلى اللعب وقوفاً، بقرار من رئيس اتحاد تنس الطاولة للمعوّقين سمير الكردي.

أدخلت عماد إلى إحدى مستشفيات بغداد المختصة بالعلاج التأهيلي والأطراف الصناعية، ورُكبت لها ثلاثة أطراف صناعية، ووصفت فيه ذلك اليوم بتصريحات صحفية بأنه "أسعد أيام حياتي، فقد تمكنت من الوقوف من جديد بعد عشر سنوات قضيتها جالسة على كرسي".

وبعد تمرينات مكثفة شاركت نجلة في بطولة غرب آسيا التي أقيمت في الصين وحصلت على المركز الثاني: "كانت أول مرة ألعب بالأطراف الصناعية وتنافست مع لاعبات عمرهن الرياضي أكبر من عمري". يأتي هذا الإنجاز رغم أن الأطراف التي كانت تتنافس بها "غير مخصصة للرياضة، وكانت تسبب لها آلاماً وجروحاً".

تلاحقت الانتصارات التي حققتها فحصدت الذهب ببطولة القاهرة في العام 2019. وتوجت في الصين بالمركز الأول، تبعها المركز الأول ببطولة إسبانيا في العام 2020. ثم تبعتها أول مشاركة في دورة الألعاب البارالمبية العام 2021 في طوكيو، ولم تتمكن حينها من إحراز أي ميدالية، إلا أن ذلك كان دافعاً لها للمزيد من التدريب، لتحقق الذهب في دورة الألعاب الآسيوية التي أُقيمت في الصين عام 2023.

وبعد تأهلها لدورة الألعاب البارالمبية بباريس، عبّرت عن سعادتها في تصريحات صحفية بالقول إن "الطموح ليس فقط المشاركة إنما تحقيق الألقاب، ورفع اسم العراق عالياً".

وهو بالفعل ما حققته، فسجّلت اسمها في تاريخ الرياضة العراقية لتصبح أول لاعبة عراقية تحصل على ميدالية ذهبية في تاريخ اللجنة البارالمبية العراقية.