صورة لتطبيق تلغرام على شاشة الهاتف/Shutterstock
صورة لتطبيق تلغرام على شاشة الهاتف- تعبيرية

أثار حجب تطبيق "تلغرام" المفاجئ في العراق، استياء كبيراً خصوصاً بين مستخدميه في البلاد، من بينهم فصائل مسلحة، اعتبرت القرار استهدافاً لعشرات القنوات التي لجأت إليها بعد إغلاق مواقعها على منصات إلكترونية أخرى.

وفي تبريرها لقرار الحجب، قالت وزارة الاتصالات العراقية، في بيان، إن القرار جاء على خلفية "محددات تتعلق بالأمن الوطني وحفاظاً على البيانات الشخصية للمواطنين التي خرق التطبيق سلامة التعامل بها خلافاً للقانون".

وأضاف أن "مؤسسات الدولة، ذات العلاقة قد طلبت مراراً من الشركة المعنية بإدارة التطبيق المذكور، التعاون في غلق المنصات التي تتسبب في تسريب بيانات مؤسسات الدولة الرسمية والبيانات الشخصية للمواطنين".

وهذا الأمر "يشكل خطراً على الأمن القومي العراقي والسلم المجتمعي، إلا إن الشركة لم تستجب ولم تتفاعل مع أيٍّ من تلك الطلبات"، بحسب البيان.

هذه التبريرات لم تقنع الفصائل المسلحة التي أعربت عن غضبها إزاء الحجب. واتهم المدعو "أبو آلاء الولائي"، وهو الأمين العام لـ"كتائب سيد الشهداء"، الوزارة باستهداف قنوات "تليغرام" التي لجأت لها قنوات تابعة للكتائب لنشر محتوى يخدم مصالحها.

وحثّ تلك القنوات التي عدّد أسماء 16 منها قائلاً "فاصبروا وصابروا ورابطوا وانتظروا، إني معكم من المنتظرين".

تحرك برلماني

ما إن ظهرت تغريدة "أبو آلاء الولائي" على تويتر، حتى غرد رئيس كتلة "حقوق" النيابية، التابعة لإحدى الفصائل المسلحة، سعود الساعدي: "ما الذي بقي للدفاع عن وطنكم وعقيدتكم غير منصات الجهاد المؤثرة على التلغرام حتى تغلقوه؟.. إذا تم اختراق بقية تطبيقات ووسائط التواصل الاجتماعي فهل ستغلقونها جميعا؟".

ولم يتوقف نشاط الساعدي عند التغريد، بل وجه عدة أسئلة نيابية رسمية إلى وزيرة الاتصالات حول حجب التطبيق في كتاب رسمي، معتبراً الإجراء "خرقاً لحرية التعبير التي كفلها الدستور".

وتساءل عن الأسباب التي أدت إلى "قيام الوزارة بغلق تطبيق تلغرام على الرغم من الدور المهم الذي تؤديه هذه المنصة في مجال الإعلام ونشر المحتوى الهادف"، على حدّ تعبيره.

كما تساءل الساعدي عن "الضوابط والإجراءات التي تعتمدها وزارة الاتصالات بشأن الرقابة على مواقع التواصل الاجتماعي والمنصات الإلكترونية. وعن عائدية تطبيق تلغرام، وما إذا كانت الحكومة العراقية تمتلك حصة فيه، أو تقوم بتقاضي الرسوم والضرائب من المنصات الإلكترونية".

 

"قوى متصارعة"

في السياق، يقول المحلل السياسي أياد العنبر لـ"ارفع صوتك"، إن سبب اعتبار بعض الفصائل المسلحة قرار الحجب "استهدافاً لها"، يعود إلى أن المشهد السياسي عبارة عن "قوى متصارعة متنافرة تعتبر أي قرار تتخذه الحكومة موجهاً لها، فتسعى إلى تحشيد الرأي العام عبر منصاتها المنتشرة على المواقع الإلكترونية وبشكل خاص تليغرام".

ويرى أن المشكلة الأساسية "تكمن في عدم وجود تحديد واضح لإجراءات الحكومة إذا كان الأمر يتعلق بالأمن الوطني"، خصوصاً أن "لدينا العديد من المنصات التي تُستخدم لترويج خطاب الطائفية والكراهية، ومع ذلك لم يتم اتخاذ أي إجراءات بخصوصها" بحسب العنبر.

ومن الناحية السياسية، يقول العنبر، فإن "الصراعات السياسية تنعكس على أي قرار تتخذه الحكومة، بسبب عدم وجود ثقة بالحكومة بين الفرقاء السياسيين".

ونفى وجود خلافات خلف ستار السياسة تسببت بتأجيج الموقف، مبيناً "الأمور واضحة في العراق، إذ لا يوجد ضبط للصراعات السياسية التي تستخدم بين الفرقاء السياسيين لتصفية النشطاء وإسقاط الخصوم، كما لا يوجد مفهوم واضح لأن تكون مصلحة الدولة هي العليا ولا يوجد اتفاق على أن المصلحة الأساسية هي مصلحة المواطن والشعب".

يتابع العنبر: "والنتيجة النهائية، هم يتصارعون على أي موقف يعتبرونه يقلص سلطانهم أو نفوذهم وقدرتهم على التواصل مع جمهورهم أو نشر خطاباتهم".

 

"تقنيات احتيال وابتزاز"

أصدر مركز الإعلام الرقمي، وهو منظمة غير حكومية لرصد العالم الرقمي، في يوليو الماضي، تقريراً حذر فيه من "خطورة تليغرام على الأمن في العراق".

وجاء فيه أن "الدعم الفني السيءلتطبيق تليغرام وتجاهله لتبليغات المستخدمين العراقيين تسبب بتحوله إلى منصة مثالية للتخطيط والتدريب والتنفيذ للمخططات الاحتيالية والإجرامية في البلاد".

وأكد المركز، أنه "رصد خلال الأشهر القليلة الماضية تواجد عشرات قنوات التليغرام المخصصة لتطوير التقنيات الاحتيالية والابتزاز الإلكتروني، فضلاً عن تسريبها آلاف البيانات الخاصة بالمستخدمين العراقيين والأجهزة الأمنية والحكومية".

وانتقد "التعاون الضعيف من قبل الدعم الفني للمنصة رغم عشرات التبليغات التي تصلها حول المخالفات الإجرامية المرصودة".

وأضاف البيت أن "تقاعس منصة تليغرام وتأخرها في تقديم الدعم الفني والاستجابة لتبليغات الجمهور في العراق، سهّل على الجماعات الإجرامية الإعلان والترويج لأنشطتها المختلفة وساهمت هذه الثغرات التنظيمية في تطوير وتسريع مهارات الجريمة الرقمية في العراق".

ودعا المركز منصة "تليغرام" إلى "الإسراع بتغيير سياستها" محذراً إياها من "مغبّة استمرار عدم التعاون مع المستخدمين في تبليغاتهم ضد القنوات المخالفة التي تنتهك المعايير والقوانين المحلية والدولية".

 

المنصة المفضلة للعراقيين

يبلغ عدد مستخدمي "تليغرام" في العراق 16 مليون مستخدم، وتنشط عليه آلاف القنوات العراقية في مجالات مختلفة منها التعليمي والإخباري والترفيهي، بحسب إحصائية لوزارة الداخلية نشرت أواخر العام الماضي.

ويُرجع بحر جاسم، المتحدث الرسمي باسم "فريق التقنية من أجل السلام" إقبال العراقيين على استخدام هذا التطبيق أكثر من غيره من المنصات الرقمية، إلى "إمكانية نشر المحتوى مهما كان حجمه دون أن يفقد دقته، وفي ذات الوقت تحافظ الصور والفيديوهات على بيناتها الوصفية في حال إرسالها كملفات".

"والسؤال هنا" كما يقول جاسم، "ما النتيجة من قرار وزارة الاتصالات  بحجب تلغرام وفي نفس الوقت يمكن استخدامه بصورة طبيعية من خلال تطبيقات VPN "؟ "وهل سيتم تجريم القنوات أو الجهات الإعلامية قانونيا في حال الاستمرار بالعمل على المنصة من خلال استخدام برامج الـVPN ام لا؟".

ويعتبر بحر جاسم "ضرر الحجب أكبر من نفعه على الحكومة العراقية"، لأن "هناك الكثير من العراقيين يستخدمون التطبيق خصوصاً في مجال التعليم والترويج للمنتجات".

أما بالنسبة لموضوع التسريب في البيانات التي حصلت بحسب بيان الوزارة، "فمن يمتلك تلك البيانات قادر على التوجه إلى منصة أخرى ونشرها، والخلل ليس في المنصة بحد ذاتها بل في تسريب البيانات الذي حصل من داخل مؤسسات الدولة"، يتابع جاسم.

ويدعو بدوره الحكومة العراقية إلى "بذل المزيد من الجهود للمحافظة على بيانات الموظفين والمواطنين، قبل أن نبدأ بخطوة حجب تطبيق لمجرد أننا لم نتمكن من المحافظة على هذه البيانات".

أستاذ الرياضيات في إحدى المدارس العراقية، بشار العيساوي، يقول إن "أكثر المتضررين من حجب تليغرام هم الأساتذة والطلبة، سواء الدارسين منهم في المدارس الحكومية أو الخاصة وطلاب المعاهد".

يوضح لـ"ارفع صوتك": "قنوات تليغرام ومنذ عام 2020 وأزمة تفشي فيروس كورونا، أخذت بالتوسع وأصبح الاعتماد عليها كبيراً من قبل الأساتذة والطلبة، وقرار حجب القنوات سبب ضرراً كبيراً لهذه الشريحة". 

ويتوافق معه رأي طالبه عقيل وساف، يقول "كان الأجدر بالحكومة إيجاد القنوات التي سببت التسريب بالمعلومات ثم إغلاقها، وليس حجب القنوات جميعها حتى المفيدة منها وخصوصاً التعليمية التي تخدم الطلبة بشكل كبير".

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

Iranian President Pezeshkian visits Iraq
جانب من لقاء رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني بالرئيس الإيراني مسعود بزشكيان- رويترز

وصل الرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، صباح الأربعاء، إلى بغداد في أول زيارة له إلى الخارج منذ انتخابه في يوليو الماضي.

وجاء في بيان لمكتب رئيس الوزراء العراقي، محمد شياع السوداني، أن هذا الأخير استقبل بزشكيان، مرفقا بيانه بصورة يتصافح فيها الرجلان على مدرج المطار.

ويسعى الرئيس الإيراني لتعزيز العلاقات الثنائية الوثيقة أصلا بين البلدين.

وتعهد بزشكيان إعطاء "الأولوية" لتعزيز العلاقات مع الدول المجاورة في إطار سعيه إلى تخفيف عزلة إيران الدولية وتخفيف تأثير العقوبات الغربية على الاقتصاد، وفقا لفرانس برس.

وقال في أغسطس "العلاقات مع الدول المجاورة (...) يمكن أن تحيّد قدرا كبيرا من الضغوط الناجمة عن العقوبات".

كما تعهد بزشكيان خلال حملته الانتخابية السعي لإحياء الاتفاق الدولي لعام 2015 الذي أتاح رفع عقوبات اقتصادية عن طهران لقاء تقييد أنشطتها النووية. وانسحبت الولايات المتحدة أحاديا من الاتفاق في 2018 معيدة فرض عقوبات قاسية خصوصا على صادرات النفط.

وعيّن بزشكيان مهندس اتفاق عام 2015 الدبلوماسي المخضرم، محمد جواد ظريف، نائبا له للشؤون الاستراتيجية في إطار سعيه إلى انفتاح إيران على الساحة الدولية.

وتعززت العلاقات بين العراق وإيران خلال العقدين الماضيين بعد الغزو الأميركي في العام 2003 الذي أطاح بنظام، صدام حسين.

وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، ناصر كنعاني، هذا الأسبوع "ستكون هذه الرحلة فرصة لتعزيز وتعميق العلاقات الودية والأخوية بين البلدين في مختلف المجالات".

وذكر موقع الرئاسة الإيرانية الإلكتروني، الخميس الماضي، أن زيارة بزشكيان ستستمر ثلاثة أيام. وأشار إلى أن الرئيس الإيراني سيعقد، بالإضافة إلى الاجتماعات الرسمية، لقاءات مع إيرانيين في العراق ومع رجال أعمال. وسيزور النجف وكربلاء والبصرة.

شريكان تجاريان

وتتمتع إيران التي تعد أحد الشركاء التجاريين الرئيسيين للعراق بنفوذ سياسي كبير في العراق. ويهيمن حلفاء طهران العراقيون على البرلمان، وكان لهم دور أساسي في اختيار رئيس الحكومة الحالي.

ويزور سنويا ملايين الإيرانيين مدينتَي النجف وكربلاء العراقيتين المقدستين.

وذكرت وسائل إعلام إيرانية أن حجم التجارة غير النفطية بين إيران والعراق بلغ نحو خمسة مليارات دولار بين مارس ويوليو 2024.

وتصدّر إيران كذلك ملايين الأمتار المكعبة من الغاز يوميا إلى العراق لتشغيل محطات الطاقة. وهناك متأخرات في الدفع على العراق مقابل هذه الواردات التي تغطي 30% من احتياجاته من الكهرباء، تقدر بمليارات الدولارات.

وفي سبتمبر 2023، أطلق البلدان "مشروع ربط البصرة-الشلامجة" للسكك الحديد وهو خط سيربط المدينة الساحلية الكبيرة في أقصى جنوب العراق بمعبر الشلامجة الحدودي على مسافة أكثر من 32 كيلومترا.

تعاون أمني

وتأتي زيارة بزشكيان وسط اضطرابات في الشرق الأوسط أثارتها الحرب التي اندلعت في قطاع غزة بين إسرائيل وحركة حماس - المصنفة إرهابية في الولايات المتحدة ودول أخرى - في السابع من أكتوبر الماضي، والتي دفعت المجموعات المسلحة المدعومة من إيران في جميع أنحاء المنطقة لدعم الفلسطينيين وعقّدت علاقات بغداد مع واشنطن.

وتنشر الولايات المتحدة زهاء 2500 جندي في العراق ونحو 900 في سوريا المجاورة، في إطار التحالف الذي أنشأته عام 2014 لمحاربة تنظيم داعش. ويضم التحالف كذلك قوات من دول أخرى لا سيما فرنسا والمملكة المتحدة.

وتطالب فصائل عراقية مسلحة موالية لإيران بانسحاب هذه القوات.

وتجري بغداد وواشنطن منذ أشهر مفاوضات بشأن التقليص التدريجي لعديد قوات التحالف في العراق.

وأعلن وزير الدفاع العراقي، ثابت العباسي، الأحد الماضي، أن بغداد وواشنطن توصلتا إلى تفاهم حول جدول زمني لانسحاب قوات التحالف الدولي من العراق "على مرحلتين"، مرجحا أن يتم توقيع اتفاق بهذا الشأن قريبا.

وسيكون لبزشكيان محطة في أربيل، عاصمة إقليم كردستان الذي يحظى بحكم ذاتي، حيث سيلتقي مسؤولين أكراد، على ما أفادت وكالة الأنباء الرسمية الإيرانية "إرنا".

وفي مارس 2023، وقع العراق وإيران اتفاقا أمنيا بعد أشهر قليلة على تنفيذ طهران ضربات ضد مجموعات كردية معارِضة في شمال العراق.

ومنذ ذلك الحين، اتفق البلدان على نزع سلاح المجموعات المتمردة الكردية الإيرانية وإبعادها عن الحدود المشتركة.

وتتّهم طهران هذه المجموعات بالحصول على أسلحة من جهة العراق، وبتأجيج التظاهرات التي اندلعت في أعقاب وفاة الشابة الكردية الإيرانية، مهسا أميني، في سبتمبر 2022، بعد أيام على توقيفها من جانب شرطة الأخلاق لعدم التزامها بقواعد اللباس الصارمة.

ويوجد في العراق عدة أحزاب وفصائل مسلحة متحالفة مع إيران. وتعمل طهران على زيادة نفوذها في العراق منذ أن أطاح الغزو الذي قادته الولايات المتحدة بصدام حسين في عام 2003.

وقال بزشكيان، وهو معتدل نسبيا، قبل زيارته وفقا لوسائل إعلام رسمية إيرانية "نخطط لتوقيع عدد من الاتفاقيات. سنلتقي مع مسؤولين عراقيين كبار في بغداد".