مجلس القضاء الأعلى في العراق
مجلس القضاء الأعلى في العراق

رغم حاجة العراق "الماسة"، كما يصفها الخبراء، لإقرار "قانون المحكمة الجنائية العليا" للنظر في الجرائم المرتكبة من قبل داعش والتي تتضمن الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية، إلا أن القانون ما يزال حبيس أدراج البرلمان منذ سنوات.

وبدأ البرلمان العراقي بالنظر في تشريع قانون المحكمة الجنائية العليا العام 2012 بعد تصويته على إنهاء عمل المحكمة الجنائية العليا التي أقرت بموجب القانون رقم 10 لسنة 2005، والتي حاكمت أركان النظام العراقي السابق.

يقول الخبير القانوني حيدر الصوفي لـ"ارفع صوتك" إن "الشعب العراقي اليوم بأمس الحاجة إلى تشريع قانون لتأسيس محكمة جنائية عليا"، معللاً ذلك بـ"وضع البلد وما مر به من معاناة وجرائم إبادة وجرائم ضد الإنسانية سواء خلال فترة حكم نظام البعث (1968-2003)، أو المرحلة التي تلتها من جرائم تنظيم القاعدة وحتى ظهور داعش وارتكابها جرائم بدوافع عرقية وطائفية ودينية".

ويضيف أنه تم "إجراء تعديلات على القانون، ليتضمن جرائم الإبادة والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب التي جرى ارتكابها على يد أفراد التنظيم المتطرف. ولم يتم إقراره حتى الآن".

وفي رده على سؤال لـ "ارفع صوتك" حول أوجه الخلاف داخل مجلس النواب العراقي والتي أدت إلى عرقلة إقرار القانون يقول الصوفي إن "هناك تضاربا في الآراء لدى الكتل السياسية تتعلق بجرائم النظام البعثي السابق ما قبل العام 2003". فهناك بعض الجهات "ترفض إدراج هذه الفترة ضمن القانون باعتبار إتمام عملية المصالحة"، في حين "ترغب أحزاب وفئات أخرى باستمرار المحاكم المتعلقة بتلك الجرائم كونها لا تسقط بالتقادم بموجب القانون العراقي".

 

"بلد الانقلابات"

 

بحسب تقرير المركز الدولي للعدالة الانتقالية فإن العراق "شهد منذ استقلاله عن الحكم البريطاني عام 1932 أحد عشر انقلابا وخمسة دساتير وسبعة صراعات دولية مسلحة والعديد من الانتفاضات الداخلية". هذه التغيرات في أوضاع السلطة "كانت مصحوبة بالعنف السياسي والمحاكمات الوهمية المتلفزة وعمليات الإعدام السريعة".

أكثر تلك التغيرات قمعا "كانت نتيجة لانقلاب العام 1968 والذي جاء بنظام حكم البعث إلى السلطة في العراق وظل قائماً لـ35 عاما". استخدم خلالها النظام "التعذيب والإعدام خارج نطاق القضاء والاعتقال التعسفي والاختفاء القسري". ولا يزال "نحو 300 ألف عراقي مفقودين".

وبعد سقوط النظام العراقي العام 2003، علت المطالب الشعبية بتقديم المتهمين بارتكاب الجرائم من كبار المسؤولين العراقيين إلى محاكمات رسمية بتهم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الانسانية.

سميت المحكمة في البداية "بالمحكمة الجنائية العراقية المختصة ضد الجرائم الإنسانية"، وأيدت المادة 48 من قانون إدارة الدولة العراقية خلال الفترة الانتقالية قانون تأسيس المحكمة.

وفي منتصف العام 2005 رُفع قانون التأسيس إلى الجمعية الوطنية وتم إقراره في أكتوبر من العام نفسه وتم تغيير اسم المحكمة ليصبح "المحكمة الجنائية العراقية العليا".

قبل إقرار القانون بحسب المركز الدولي، فإن "القانون الجنائي العراقي لم يشتمل على جرائم الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية". وكان إدراجها ضمن قانون المحكمة بمثابة "تعديل للقانون الجنائي القائم".

 

ما بعد داعش

 

استمرت المحكمة بالانعقاد لسبع سنوات تم خلالها البت في عدة قضايا منها قضية الدجيل التي انتهت بإصدار حكم الإعدام بحق الرئيس العراقي السابق صدام حسين، وقضية قصف مدينة "حلبجة" بالسلاح الكيمياوي التي قادت إلى تجريم علي حسن المجيد وإعدامه.

بالإضافة ذلك، نظرت المحكمة في قضايا الأنفال وتصفية الأحزاب الدينية وترحيل الأكراد الفيليين، وقضية إعدام عدد من التجار العراقيين من قبل النظام السابق في التسعينات من القرن الماضي.

صوت مجلس النواب على إنهاء عمل المحكمة الجنائية العليا في نوفمبر 2011. وفي منتصف العام الذي يليه، "تم الإعلان عن حل المحكمة وتحويلها إلى هيئة تابعة لمجلس القضاء الأعلى وتقليص عدد موظفيها ورفع تعديل لقانونها أمام البرلمان العراقي، وهو إجراء أضعفها وحولها إلى هيئة عادية وغير مختصة بشؤون جرائم الإبادة والجرائم ضد الإنسانية"، يقول الصوفي.

لكن بعدما في صيف 2014، "تم الاتجاه نحو تشريع قانون لإنشاء محكمة مختصة ضمن تشكيلات مجلس القضاء لها قوة لمحاسبة ومحاكمة مرتكبي الإبادة الجماعية، بالاستفادة من القانون رقم 10 لسنة 2005".

تمت القراءة الأولى للتعديل في سبتمبر 2020، وتضمنت إضافة الجرائم المرتكبة من تنظيم داعش في العراق وخارجه وتشمل جرائم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب. لكن أعيد المشروع إلى رئاسة البرلمان بعد رفضه من اللجنة القانونية.

 

"مناكفات سياسية"

 

يقول الخبير القانوني سعد البخاتي لـ"ارفع صوتك" :"هناك عشرات القوانين العراقية التي لها أولوية في التشريع معطلة على رفوف مجلس النواب العراقي خلال الدورات النيابية السابقة"، واصفا البرلمان بـ"عدم الجدية وعدم توفر الروح الوطنية لحسم تلك القوانين ومن ضمنها قانون المحكمة الجنائية العليا".

ويعتبز البخاتي أن حاجة العراق إلى اقرار القانون "مُلحة" ليكون النظام القضائي "منسجماً مع التوجه الدولي والأممي، باعتبار المنظومة الدولية تحتاج إلى قوانين ملائمة لمعالجة حالات الإبادة الجماعية والظلم الذي تعرضت له الكثير من شرائح المجتمع".

وحسب المادة 18 من مشروع قانون المحكمة الجنائية العليا فإنه "يحق للمحكمة الاستعانة بالأدلة والوثائق التي تقدم من فريق التحقيق التابع للأمم المتحدة لتعزيز المسائلة عن جرائم داعش تماشياً ومضمون قرار الأمم المتحدة رقم 3379 لسنة 2017".

وطالب البخاتي البرلمان العراقي بـ"أخذ دوره التشريعي وإقرار عشرات مسودات القوانين المهمة والأساسية المتعطلة في أروقة المجلس منذ سنوات".

ويتفق المحامي وأستاذ مادة القانون حيان الخياط مع البخاتي ويقول لـ"ارفع صوتك" إن "المتابع للمستجدات الخاصة بمشاريع القوانين يلاحظ أن القوانين المهمة وذات الأثر الاجتماعي والفائدة الكبيرة يتم ركنها جانبا". والسبب في ذلك يعود إلى "توجهات الأحزاب وأعضاء المجلس التي تؤيد قوانين دون أخرى لمصالح خاصة بها" بحسب رأيه.

ويقول الخياط إن الأحزاب السياسية لا تعتبر قانون المحكمة الجنائية "من القوانين التي يمكن أن تعود بالفائدة عليها مثل تعديلات تخص قانون عمل البرلمان أو قوانين استثمار أو مشاريع الموازنة". بل إن البرلمان أصبح "يهتم بمناقشة بعض القضايا التي تثار على مواقع التواصل بهدف الاستعراض وأخذ حظ من الترند لتحقيق دعاية انتخابية مبكرة".

وعبر الحيان في ختام حديثه عن اعتقاده "بعدم وجود فرصة لإقرار قانون المحكمة الجنائية العليا، لا في الدورة البرلمانية الحالية، ولا القادمة، ولا التي بعدها".

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

Iranian President Pezeshkian visits Erbil
من زيارة الرئيس الإيراني لكردستان العراق- رويترز

استخدم الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان خلال زيارته الحالية إلى العراق اللهجة الكردية ليقول إن بين طهران وكردستان "علاقات جيدة"، في مؤشر واضح على تحسّن روابط بلاده مع الإقليم العراقي الذي يتمتع بحكم ذاتي واستهدفته ضربات إيرانية مرّات عدّة في السنوات الأخيرة.

فكيف تمكّن الإيرانيون وأكراد العراق من تسوية خلافاتهم؟

 

تقارب حقيقي؟

شهدت العلاقات بين جمهورية إيران الإسلامية وإقليم كردستان العراق، وهو تقليدياً حليف لواشنطن والأوروبيين في الشرق الأوسط، تحسناً ملحوظاً في الأشهر الأخيرة.

وكثرت الزيارات التي أجراها مسؤولون من الجانبين والتصريحات الإيجابية.

وحضر كلّ من رئيس الإقليم نيجيرفان بارزاني وابن عمّه رئيس الوزراء مسرور بارزاني جنازة الرئيس الإيراني ابراهيم رئيسي الذي قضى مع مسؤولين بينهم وزير خارجيته حسين أمير عبداللهيان في تحطّم طائرتهم في 19 مايو الماضي.

كذلك زار القائم بأعمال الخارجية الإيرانية علي باقري أربيل عاصمة الإقليم في يونيو الفائت.

ولدى خروجه الأربعاء من القصر الرئاسي في بغداد حيث اجتمع بنظيره العراقي عبد اللطيف رشيد، قال بزشكيان بالكردية لقناة "رووداو" المحلية الكردية "لدينا علاقات جيدة مع كردستان وسنعمل على تحسينها أكثر".

وزار نيجيرفان طهران ثلاث مرات في غضون أربعة أشهر، والتقى بارزاني المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية آية الله علي خامنئي.

يقول مدير "المركز الفرنسي لأبحاث العراق" عادل بكوان لوكالة فرانس برس: "أصبحنا حالياً في مرحلة التطبيع" في العلاقات.

ويعود ذلك بالنفع على أربيل من ناحية "حماية أمنها واستقرارها ونموها الاقتصادي، ما يجعل تطبيع العلاقات مع جمهورية إيران الإسلامية ضروريا للغاية"، بحسب بكوان.

 

لماذا قصفت طهران إقليم كردستان؟

في السنوات الأخيرة، تعثّرت العلاقات بين أربيل وطهران بسبب الخلاف حول مجموعات مسلحة من المعارضة الكردية الإيرانية تتمركز في كردستان العراق منذ ثمانينيات القرن المنصرم بعد اندلاع حرب استمرت ثماني سنوات بين العراق وإيران.

على جانبي الحدود، كان الأكراد العراقيون والإيرانيون يتكلّمون اللهجة نفسها ويتشاركون روابط عائلية.

واستمرت المجموعات الإيرانية المعارضة وغالبيتها يسارية الميول وتندّد بالتمييز الذي يعاني منه الأكراد في إيران، في جذب الفارّين من القمع السياسي في الجمهورية الإسلامية. من هذه المجموعات حزب "كومله" الكردي والحزب الديموقراطي الكردستاني الإيراني اللذان تعتبرهما طهران منظمتين "إرهابيتين".

وكان لهذه المجموعات مقاتلون مسلحون، إلا أنهم كانوا ينفون تنفيذ أي عمليات ضد إيران عبر الحدود.

واتّهمت طهران هذه المجموعات بتهريب أسلحة بالتسلّل إلى أراضيها انطلاقاً من العراق وبتأجيج التظاهرات التي هزت إيران في أعقاب وفاة الشابة الكردية الإيرانية مهسا أميني في 16 سبتمبر 2022 بعدما أوقفتها شرطة الأخلاق لعدم امتثالها لقواعد اللباس الصارمة في الجمهورية الإسلامية.

في نهاية عام 2023، وبعد ضربات عدّة نفذتها إيران في العراق، تعهدت السلطات العراقية بنزع سلاح هذه الفصائل وإخلاء قواعدها ونقلها إلى معسكرات.

وقال مستشار الأمن القومي العراقي قاسم الأعرجي للتلفزيون الإيراني الرسمي، الثلاثاء الماضي، إن الحكومة العراقية أغلقت 77 من قواعد هذه المجموعات قرب الحدود مع إيران ونقلت المجموعات إلى ست معسكرات في أربيل والسليمانية.

وأكّد أن استعدادات تجري لمغادرتها العراق إلى بلد ثالث.

 

ما التحديات التي لا تزال قائمة؟

في ظلّ اضطرابات جيوسياسية في الشرق الأوسط، استهدفت طهران كردستان مرّات أخرى، متهمة الإقليم بإيواء مواقع للاستخبارات الخارجية الإسرائيلية (موساد).

في يناير 2024 ووسط توترات إقليمية على خلفية الحرب في قطاع غزة بين إسرائيل وحركة حماس الفلسطينية، شنّت القوات الإيرانية هجوما على مواقع في إقليم كردستان العراق، مشيرة إلى أنّها استهدفت "مقرا لجهاز الموساد". 

من جانبها، نفت الحكومة المركزية في بغداد وحكومة كردستان أن يكون "الموساد" متواجدا في الإقليم.

ويمكن كذلك قراءة التقارب الذي بدأته أربيل مع طهران في ضوء "الانسحاب" الأميركي المحتمل من العراق، بحسب عادل بكوان.

وتجري بغداد وواشنطن منذ أشهر مفاوضات بشأن التقليص التدريجي لعديد قوات التحالف الدولي بقيادة واشنطن في العراق.

وتطالب فصائل عراقية مسلحة موالية لإيران بانسحاب هذه القوات.

وقال وزير الدفاع العراقي ثابت العباسي في مقابلة تلفزيونية، الأحد الماضي، إن العاصمتين توصلتا إلى تفاهم حول جدول زمني لانسحاب قوات التحالف الدولي من العراق "على مرحلتين".

وأوضح أن التفاهم يتضمّن مرحلة أولى تمتدّ من سبتمبر الجاري حتى سبتمبر 2025 وتشمل "بغداد والقواعد العسكرية للمستشارين"، يليها انسحاب "في المرحلة الثانية من سبتمبر 2025 حتى سبتمبر 2026 من كردستان العراق".

ولم تعد أربيل في السنوات الأخيرة في موقع قوة أمام الحكومة المركزية في بغداد التي تربطها بها علاقات متوترة.

يقول بكوان "كلما انسحبت الولايات المتحدة من الشرق الأوسط، بالتالي من العراق بالتالي من كردستان العراق، أصبحت أربيل أضعف في مواجهة بغداد (...) المدعومة بقوة من جمهورية إيران الإسلامية" المعادية لواشنطن.