بائع علب مياه معدنية في أحد الشوارع وسط العاصمة العراقية بغداد- تعبيرية
بائع علب مياه معدنية في أحد الشوارع وسط العاصمة العراقية بغداد- تعبيرية

منذ سنوات، يواجه سكان العاصمة العراقية بغداد، أزمة مستعصية تتعلق بتوفر المياه الصالح للشرب، ما دفع بأغلبهم للاعتماد على شرائها من محطات التصفية الأهلية.

وتعاني شبكات المياه الصالحة للشرب، جملة من التحديات والمعوقات الفنية والمصدرية التي ابتدأت في مطلع تسعينيات القرن الماضي، إبان الحصار الاقتصادي وفقدان العراق للكثير من البنى التحتية في مجال تقديم الخدمات العامة.

وتضافرت على أثر ذلك مجموعة من العوامل الضاغطة التي تسببت بانهيار شبه كامل في تحقيق وصول آمن للمياه الصالحة للشرب لأغلب مناطق العاصمة بغداد وكذلك بقية من المحافظات الآخرى، من بينها الملوثات البيئية والتجاوز على شبكات المياه والصرف الصحي فضلاً عن التوسع في النمو السكاني. 

ورغم الجهود الحكومية التي تبذلها أمانة بغداد بوصفها الجهة المسؤولة عن توفير المياه الصالحة للشرب لسكان العاصمة، إلا أنها لا تزال دون المستوى المقبول بحسب مختصين ومواطنين هناك.

وفي مارس الماضي، أكد المرصد العراقي لحقوق الإنسان، في تقرير، أن نسب تلوث المياه في العراق ترتفع كل عام، مع ازدياد الكثافة السكانية وتراجع خدمات شبكات تصفية المياه وازدياد المخلفات النفطية والطبية التي تُرمى في الأنهر بشكل مستمر.

وكانت أمانة بغداد، أعلنت في أواخر يوليو الماضي، عن إنهاء 95% من عمليات تجديد شبكات الماء الصافي في العاصمة ضمن المواصفات العالمية.

وأكدت على لسان متحدثتها أسيل عزيز محمد، أن  المياه المنتجة في جميع المشاريع صالحة للشرب، وتخضع للفحص اليومي عبر مختبرات وأجهزة دقيقة من قبل الأمانة.

لكن خالد الجبوري، رئيس منظمة "الزهاء للتنمية البيئية"، يؤكد لـ"ارفع صوتك"، أن "استبدال شبكات المياه الصالحة للشرب غير كافٍ لتحقيق وصول مياه آمنة لمنازل المواطنين"، مشيراً إلى وجود متعلقات أخرى، "في مقدمتها أن تكون نقطة السحب من مصادر المياه (مياه الأنهر) على درجة معقولة من النقاوة، وهي مشكلة رئيسة وجوهرية يجب العمل على معالجتها قبل كل شيء".

ويبيّن الجبوري: "كذلك فإن آلية التصفية التي تُعتمد في فلترة المياه، يجب أن تكون متناسبة مع طبيعة المياه، بمعنى أن منطقة شمال بغداد التي يدخل منها نهر دجلة تكون نسبة الأملاح فيها أقل بـ80 درجة من المنطقة الجنوبية التي يخرج منها النهر حيث تكون الأملاح أكثر تركيزا".

"لذلك يتعين أن تكون فلاتر التصفية من نقطة السحب في شمال بغداد ، تختلف عنها في جنوب العاصمة تبعا لتركيز الأملاح"، يتابع الجبوري.

ويشير إلى أن منظمة "الزهاء"، أخذت في فبراير الماضي أربع عينات من مشاريع تصفية مختلفة ببغداد من مياه الشرب لغرض فحص جودتها، وأظهرت النتائج "وجود مياهٍ غير مطابقة للمواصفات العراقية ومختلفة فيما بينها بنسب العناصر الموجودة فيها من مشروع لآخر، لاسيما (TDS)، وهي الأملاح الذائبة التي كانت مرتفعة في جميع العينات".

وبحسب الجبوري، فإن  المواصفة العراقية لمعايير جودة المياه، تتضمن أن يكون :

1-  PH   بنسبة                  (6.5 – 8.5 ) 

2-  TDS وهي الأملاح الذائبة ( 1000 )      ملغرام / لتر  

3-  Na  الصوديوم             ( 200 )         ملغرام / لتر  

4-  Ca الكالسيوم               (120 )         ملغرام / لتر  

5-  Mgالمغنيسيوم             ( 150 )        ملغرام / لتر      

6-  Ci الكلوريد                  ( 350 )       ملغرام / لتر  

7-  SO4 الكبريتات              ( 400 )         ملغرام / لتر   

 بالإضافة الى عناصر أخرى .

 

المواطن أحمد سلام، وهو يسكن منطقة الأعظمية وسط العاصمة بغداد، يقول لـ"ارفع صوتك"، إنه "يطالع بشكل دوري بين الحين والآخر خزان مياه منزله ليجد ترسبات الطين الثقيلة التي تستقر في جوف القاع مما يضطره إلى القيام بعمليات تنظيف وإزالة تلك الشوائب".

ومن منطقة الدورة جنوب بغداد، نلتقي إيمان حطاب، التي تلفت إلى أن الأمر أحياناً يتعدى الرواسب إلى وجود "روائح آسنة في المياه المتدفقة إلى المنازل ضمن شبكات ما تعرف بالصالحة للشرب، ما ينذر بمخاطر صحية كارثية"، وفق تعبيرها.

وتقول إن "المياه الصالحة للشرب، باتت غير صالحة أحياناً لأغراض الطهي والاستحمام، مما يضطرها إلى اعتماد مياه محطات التصفية الأهلية في تزويد منزلها بتلك المياه رغم الكلف المادية التي تثقل كاهل معيشتها".

من جانب آخر، حاول مراسل موقع "ارفع صوتك" الاتصال بالمكتب الإعلامي لوزارة البيئة العراقية للأخذ برأيهم فيما يخص جودة مياه الشرب في العاصمة بغداد ، لكن لم يتلق أي رد.

ويعاني العراق من أزمة مياه متصاعدة منذ ثماني سنوات جراء انخفاض مناسيب نهري دجلة والفرات التي تتناسب عكسيا مع نسبة تركيز الملوثات، بالإضافة إلى اتساع رقعة الجفاف في البلاد وما يقابلها من التغيرات المناخية العالمية التي يصنف العراق ضمن الدول الخمس الأكثر تأثراً بتلك التقلبات.

وجراء اشتداد أزمة المياه الصالحة للشرب، لجأت العديد من المناطق إلى حفر الآبار الارتوازية هروباً من العطش وبحثاً عن بدائل مؤقتة.

وكان العراق استضاف في الثالث من الشهر الحالي، المؤتمر الأول، لإدارة المياه الآمنة في العراق الذي استهدف تذليل التحديات التي تواجه ديمومة توفير مصادر المياه، مع تسليط الضوء على كيفية إدارة المياه البديلة، و اعتماد إستراتيجية جديدة للحفاظ عليها واستغلالها بشكل أمثل لتلبية الاحتياجات الحالية والمستقبلية.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

فقد تنظيم داعش مصدر تمويله الرئيسي، النفط، بعد خسارته لأراضيه في سوريا والعراق.
فقد تنظيم داعش مصدر تمويله الرئيسي، النفط، بعد خسارته لأراضيه في سوريا والعراق.

يبدو تنظيم داعش، عندما يتعلق الأمر بالتمويل والبحث عن مصادر دخل تنعش موارده المتدهورة، أشبه بكيان متمرس في عالم المافيا والجريمة المنظمة. الكثيرون، بمن فيهم أمراء كبار، انشقوا عنه حينما صدمتهم هذه الحقيقة. 

قيادة التنظيم نفسها تدرك جيدا أن تسليط الضوء على هذا الجانب من نشاطات التنظيم يقوض الصورة التي رسمها لنفسه أمام أتباعه وأنصاره. لذلك لم يتبنَّ يوما أي عملية قتل أو تخريب قام بها باسم جباية ما يسميها "الكلفة السلطانية" رغم أن جزءا من جهوده، لا سيما في شرق سوريا، مكرس لهذا النشاط الشنيع.

 

الكلفة السلطانية

 

منذ خسارة التنظيم للمساحات الشاسعة التي كان يسيطر عليها في سوريا والعراق، وما نجم عن ذلك من فقدانه لما تدره عليه المعابر وحقول النفط من موارد مالية كبيرة، فَعّل التنظيم عددا من "الخطط الاقتصادية" البديلة كان من بينها جباية ما يسميها "الكلفة السلطانية".

تعد " الكلفة السلطانية" نشاطا مدرا للدخل إلى جانب نشاطات أخرى ضمن "اقتصاد الحرب" تضخ في خزينة التنظيم أموالا طائلة، مثل التهريب، والاختطاف، وتجارة الآثار، والسطو على البنوك ومحلات الصرافة، واستحواذه على احتياطات العملة الصعبة والذهب في المدن التي اجتاحها، ونهب ممتلكات الطوائف الأخرى وغيرها.

تزامنت ثورة مواقع التواصل الاجتماعي مع الصعود السريع لتنظيم داعش عام 2013.
"داعش".. خلافة رقمية يطوقها مارد الذكاء الاصطناعي
الشركات التكنولوجية الكبيرة شرعت منذ 2017 في الاعتماد كليا على خوارزميات الذكاء الاصطناعي لرصد وحذف المواد التي تروج للتطرف العنيف على منصاتها، بينما اقتصر دورها في السابق على تكميل جهود فرق بشرية يقع على عاتقها عبء هذه العملية برمتها.

لعدة سنوات ظل التنظيم يجمع " الكلفة السلطانية" لاسيما في مناطق الشرق السوري، حيث تنتشر حقول النفط، والمساحات الزراعية، وممرات التهريب، والمتاجر ومحلات الصرافة. لكنه لم يكن يتحدث عن ذلك لا في إعلامه الرسمي ولا الرديف، بل وتحاشى الاشارة إليها حتى في مراسلاته الداخلية، لأنه يدرك أن جدلا محموما سينتج عن ذلك، وسيحتاج إلى فتاوى دينية وجهود دعائية كبيرة لإقناع أتباعه بـ"وجاهة" أفعاله، وقد خرج أعضاء سابقون في التنظيم ونشروا على قنواتهم الرقمية "أن إرغام المسلمين غصبا وبحد السيف على إعطاء جزء من حلالِهم لثلة من المفسدين في الأرض هو عمل عدواني لا يقوم به إلا أهل البغي وقطاع الطرق".

 

ضريبة على رعايا الخليفة!

 

ينبغي التفريق هنا بين ما ينهبه التنظيم ممن يعتبرهم "كفارا ومرتدين" والذي يسميه ب"الفيء" و"الغنيمة" وبين ما يجبيه باسم "الكلفة السلطانية". فالكلفة السلطانية هي ضريبة يؤديها "المسلمون ورعايا الخليفة" بالقوة والإكراه، أي أن المستهدفين بها هم في عرف التنظيم من المسلمين الذين "لا تحل أموالهم ودماؤهم" ولا تدخل "الكلفة السلطانية" أيضا ضمن الزكاة الواجبة التي تتم جبايتها قسرا من المسلمين من طرف أمنيي التنظيم.

وبعد انكشاف أمر عمليات السطو والنهب هذه لم يجد التنظيم بدا من الحديث عنها في مراسلاته الداخلية، وانتداب أحد شرعييه لصياغة فتوى لتسويغها من الناحية الدينية.

صاغ أبو المعتصم القرشي، وهو أحد كوادر "المكتب الشرعي" لـ"ولاية الشام" فتوى مطولة في 12 صفحة، وحشد فيها مجموعة من النصوص الدينية والقواعد الأصولية التي اعتبرها "أدلة شرعية" على جواز نهب أموال المسلمين بالقوة والإكراه!.

عَرّف القرشي الكلفة السلطانية بأنها " الأموال التي يطلبها الإمام من الناس لأجل مصلحة شرعية". ولعجزه عن إيجاد نصوص قطعية من الكتاب والسنة لتبرير هذه "البدعة الداعشية"، فقد لجأ إلى القواعد الأصولية من قبيل" يُتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام" و" درء المفاسد مقدم على جلب المصالح"، و" تفويت أدنى المصلحتين لتحصيل أعلاهما"، و"ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب".

يعني هذا ببساطة أن مصلحة استمرار عمليات التنظيم والحفاظ على قوته ومقدراته مقدمة على مصالح الناس الأخرى، وأن تواصل عمليات التنظيم باعتبارها "جهادا مقدسا"  إذا لم يتم إلا بالسطو على أموال الناس فيجب السطو عليها.

أكد القرشي في نص فتواه جواز استخدام العنف والقوة لجباية الأموال، قائلا: "لا شك أن المال عصب الجهاد، والإعداد لا يكون إلا به، فتحصيله وتوفيره واجب على الإمام ولو بالقوة والإكراه"، ومن امتنع عن أداء "الكلف السلطانية جاز للإمام أو من ينوب عنه أن يعزره بشكل يكون رادعا له ولغيره حتى يؤدي ما عليه من الحقوق المالية في هذا الشأن".

أما الفئات الاجتماعية المستهدفة بهذه الضريبة، فقد قدم أبو المعتصم سردا طويلا بأصحاب المهن والمحلات التجارية والأطباء والصرافين والفلاحين والمدارس والكليات وتجار الدجاج والبيض وتجار المواشي والمستشفيات. ولم يترك أي نشاط مدر للدخل إلا وأشار إليه ضمن الذين فرض عليهم دفع "الكلف السلطانية"، ولم يستثن سوى أصحاب البسْطات على الأرصفة.

أخطر ما في الفتوى هو أن الممتنع عن أداء ما يطلبه التنظيم من أموال سيكون مصيره القتل والحكم عليه بالردة، و" طريقة استخدام القوة تتفاوت حسب المعاندة والممانعة بين التهديد، والإتلاف لبعض المال، أو التعزير، أو التغريم المالي وحتى الجسدي، ثم القتل إذا استعان الممتنع بشوكة الكفار والمرتدين على المجاهدين فعندها يُطبق عليه حكم الردة" حسب تعبير أبي المعتصم القرشي.

 

معاناة الناس في شرق سوريا

 

في شرق سوريا، يتم استخلاص هذه الضريبة بعد توجيه رسائل تهديد بأرقام دولية عبر تطبيق واتساب إلى المعنيين، وتخييرهم بين دفع "السلطانية" أو مواجهة خلايا الاغتيال، بعد تخريب ممتلكاتهم وتقويض مشاريعهم التجارية والاستثمارية.

وحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان، فقد ارتفعت هذا العام نسبة تلك الضرائب إلى حد كبير جداً مقارنة بالسنوات الفائتة، حتى بلغت نحو 616 ألف دولار من تجار النفط والمستثمرين.

وحصل المرصد على إفادة من أحد العاملين في شركة مستثمرة في قطاع النفط في المنطقة الشرقية (دير الزور) تقول بأن الشركة رفضت دفع كامل المبلغ المطلوب منها تحت مسمى "الكلفة السلطانية"، والتي قدرها التنظيم بنصف مليون دولار أميركي، ودفعت بدلها 300 ألف دولار، لكن التنظيم هدد سائقي صهاريج المحروقات التي تعمل لصالح الشركة بالاستهداف إذا لم يتم دفع المبلغ كاملا في غضون أسابيع، ولم يعد لدى الشركة خيار آخر سوى تدبير ما تبقى من المبلغ.

مستثمر آخر في قطاع النفط توصل برسالة عبر تطبيق الواتساب من رقم دولي مفادها بأن عليه دفع "الكلفة السلطانية" البالغ قدرها 75 ألف دولار، وعدم إخبار أي جهة تابعة لقسد أو التحالف الدولي بذلك ووجهت له تهديدات في حال التبليغ أو عدم دفع المبلغ خلال أسبوع، وأن خلايا التنظيم ستقوم بزرع عبوة في سيارته أو حرق بئر النفط الذي يعود له.

ولفت المرصد إلى أن خلايا داعش في بادية ريف دير الزور الشرقي تفرض ضرائب تتراوح بين 1000 و3500 دولار، في مناطق ذيبان وحوايج ذيبان وجديد بكارة، على المستثمرين الذين يعملون على توريد المحروقات إلى "سادكوبى" التابعة للإدارة الذاتية في دير الزور.

يعمد التنظيم أيضا إلى حرق المحاصيل الزراعية التي تعود للفلاحين الذين رفضوا الرضوخ لابتزازه ودفع الأموال التي يطلبها منهم، ورمي القنابل اليدوية على منازل الأثرياء، وعيادات الأطباء، وقد هرب عدد من الأطباء من المنطقة الشرقية بعدما أثقل التنظيم كاهلهم بالضرائب و"المكوس"، ولا سيما وقد وضعهم في رأس قائمة أهدافه لأنهم -حسب اعتقاده- يجنون الأموال أكثر من غيرهم.