جانب من شارع الرشيد في العاصمة العراقية بغداد- ارفع صوتك
جانب من شارع الرشيد في العاصمة العراقية بغداد- ارفع صوتك

متوازياً مع نهر دجلة، وبخط متعرج يمتد شارع الرشيد التراثي، ليحكي تاريخ العاصمة العراقية بغداد منذ أوج ازدهارها في العهد العباسي، وصولاً إلى آخر الولاة العثمانيين الذي شق الطريق لأهداف حربية، ليتحول إلى أيقونة الثورات وواحداً من أهم شوارع المدينة.

يتجاوز طول شارع الرشيد الثلاث كيلومترات من منطقة الباب المعظم (إحدى بوابات بغداد القديمة في العصر العباسي) إلى منطقة الباب الشرقي حيث موضع بوابة أخرى كانت تسمى باب كلواذا.

يقول عالم الاجتماع العراقي علي الوردي، في كتابه "لمحات من تاريخ العراق الحديث"، إن بغداد في العهد العثماني "لم تكن تحتوي على شارع بل كان فيها أسواق مسقوفة ودروب وأزقة يتصل بعضها ببعض. وأول شارع فيها هو شارع النهر الذي شقه ناظم باشا عام 1910، وفي الواقع لم يكن شارعاً لضيقه وعدم استقامته بل أشبه بالزقاق".

دفعت عوامل عدة خليل باشا إلى شق الشارع، بحسب الوردي "أهمها العامل العسكري، فقد كانت متطلبات الحرب تقتضي بفتح الشارع لتسهيل مرور المدافع والمعدات الحربية من بغداد إلى الجبهة حيث كان الطريق يدور حول المدينة ويلاقي الجنود في ذلك مشقة الحر صيفاً ومشقة الوحول شتاءً".

"كما كان العامل المادي حاسماً، فشق الشارع أيام السلم يكلف الحكومة أموالا طائلة لتعويض أصحاب الدور المهدومة، أما في أيام الحرب فهو لا يكلف الحكومة إلا قليلا إذ أنها تستطيع تعويض أصحاب الدور بسندات تُدفع بعد الحرب ولم يكن في مقدور أحد أن يعترض على ذلك"، يضيف الوردي.

جانب من شارع الرشيد في الوقت الحالي- ارفع صوتك
جانب من شارع الرشيد في الوقت الحالي- ارفع صوتك

البدايات

بدأ العمل بشق شارع الرشيد في مايو 1916، يضيف الوردي: "حينها استدعى رئيس البلدية رؤوف بيك الجادرجي أصحاب الدور التي سيخترقها الشارع، واتفق على أن يدفع لهم مبلغا يعادل إيجار دورهم لسنة واحدة على أن يفاوض لشرائها بعد انتهاء الحرب".

الإجراءات التي اتخذها رئيس البلدية كانت سببا لانتشار التذمر بين السكان، "لأنه دفع لهم المبلغ بالنقود الورقية، ولأن موظفي البلدية ومهندسيها كانوا كغيرهم من موظفي ذلك الزمان يتأثرون بالمحسوبية والوساطة والرشوة"، بحسب الوردي.

يتابع: "هذه الأمور مجتمعة أدت إلى حصول تغييرات كثيرة في تخطيط الشارع حسبما توحي به تلك المدفوعات، وبالنتيجة أصبح الشارع يسير بخط متعرج".

ويصف الوردي الفترة الزمنية التي تطلبها افتتاح الشارع  بـ"الوجيزة" لتتوافق مع ذكرى إعلان الدستور (23 يوليو 1916).

أطلق على الشارع حينها اسم "خليل باشا جادة سي" وكُتب هذا الاسم على قطعة من الكاشي المزجج وُضعت على جدار "جامع السيد سلطان علي".

وعلى الرغم من ذلك الافتتاح، إلا أن الشارع بحد ذاته لم يكتمل عمله فقد كان كما يقول الوردي، "حتى سقوط بغداد (11 مارس 1917)، مليئاً بالحفر يعلوه التراب، فلم يهتم المسؤولون بتسوية أرضه أو تبليطه وكانت الدور مهدمة على جانبيه".

وما إن دخل الإنجليز إلى بغداد، حتى بدأوا يبلطون الشارع لتسهيل نقلياتهم فيه، وأطلقوا عليه اسم "الشارع الجديد"، ولكن القطعة التي تحمل اسمه ظلت مكانها لسنوات، ولم يتم رفعها إلا في الثلاثينيات من قبل أمانة بغداد في العهد الملكي، ويتم تغيير الاسم إلى "الرشيد" نسبة للخليفة العباسي هارون الرشيد.

جانب من شارع الرشيد في الوقت الحالي- ارفع صوتك
جانب من شارع الرشيد في الوقت الحالي- ارفع صوتك

تناغم وتنوع

يذكر عباس البغدادي في كتابه "بغداد في العشرينيات": "ما إن انتهى تبليط شارع الرشيد حتى أصبح المتنزه الأمثل لأهالي بغداد وخصوصا سكان الكرخ، والسعيد منهم من يحصل وقت العصر على محل خال في تخت إحدى القهاوي المشرفة على الشارع".

وعلى أثره، "بدأ الناس يعمرون أملاكهم الواقعة على الشارع إما بشكل مقاه أو دكاكين أو مخازن. أما في الأعياد أو في المراسيم الملكية أو في قدوم زائر أجنبي فليس من السهل أن يجد الإنسان موضع قدم، إذ تكون بغداد بأجمعها وسكان الألوية قد تجمعوا في الشارع"، وفق البغدادي.

وشق شارع الرشيد طريقه وسط أهم المناطق التراثية وبعض من أهم أسواق بغداد التجارية والترفيهية والصناعية، محتضناً أصحاب المهن والحرف والأسواق، أشهرها "شارع النهر" و"سوق الشورجة" و"السوق العربي" و"سوق السراي"، و"سوق هرج" الذي يعرض البضاعة القديمة والمستعملة.

كل هذا التنوع كان مصحوباً بنمط سكاني فريد جمع كل الطوائف والأديان على جانبيه ما بين مساجد المسلمين وكنائس المسيحين ودور عبادة لليهود والأيزيدين والصابئة.

ويتميز شارع الرشيد بتنوعه المعماري والحضاري والأدبي والفكري والديني، ويعتبر واحداً من أكثر شوارع بغداد اكتضاضاً وموطناً للأدباء والمفكرين ورجال الدين والسياسة والشعراء.

شُيدت فيه المدارس منذ العصر العباسي، أشهرها المدرسة المستنصرية التي تعود إلى الخليفة العباسي المستنصر بالله. وغير بعيد عنها بنى العثمانيون مبنى القشلة كمقر للمدرسة الموفقية سنة 1861م، لتكون هذه البناية لاحقاً مقراً للولاية ودوائرها الرسمية.

تاريخ سياسي

شهدت حدائق القشلة التي بنيت في العهد العثماني تتويج فيصل الأول عام 1921 ملكاً على العراق بعد نحو عام من انطلاق شرارة احتجاجات عارمة غير بعيد عن المكان ضد الاحتلال الإنجليزي من جامع الحيدرخانة في شارع الرشيد، ويعود تاريخ إنشائه إلى عام 1827. وهو الحفل الذي وثقت مجرياته كاميرا المس بيل، المستشارة البريطانية التي عشقت شارع الرشيد وسكنت بيتاً بغدادياً مطلاً على نهر دجلة، ومجاوراً لمقر المقيمية البريطانية في محلة السنك، وتوفيت في البيت نفسه عام 1926.

كتب شارع الرشيد تاريخ العراق السياسي طوال عقود الثلاثينيات والأربعينيات للاحتجاج على الوضع المعيشي، أو للتنديد باتفاقيات حكومية كما حدث في احتجاجات الوثبة عام 1948.

كما شهد سحل جثة الوصي عبد الإله خال الملك غازي بعد مذبحة قصر الرحاب التي أطاحت بالعهد الملكي عام 1958 على يد الجنرال عبد الكريم قاسم، الذي تعرض هو نفسه لمحاولة اغتيال بعدها بعام واحد في شارع الرشيد نفسه، واشترك فيها صدام حسين حين كان شاباً، قبل أن يتحول إلى الدكتاتور الذي حكم العراق لأكثر من 30 سنة.

وفي نوفمبر عام 2019 تحول الشارع من جديد إلى ساحة معركة بين محتجين غاضبين على السلطة بسبب الفساد وتردي الوضع الاقتصادي وشحة الخدمات والقوات الأمنية التي دافعت عن النظام بعنف.

 

الحركة الأدبية والفنية

يَعتبر باسم عبد الحميد في كتابه "شارع الرشيد" أن الشارع كان "بمثابة البوابة التي دخلت من خلالها بغداد إلى العصر الحديث، لا سيما عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي، حيث استعملت الماكنة والسيارة وانتشرت أولاً في شارع الرشيد".

يضيف: "كما تسابقت إدارات الصحف لتحصل على موطئ قدم فيه، وشهدت مقاهيه سجالات سياسية ومبارزات شعرية في مقاه سميت على أسماء روادها من الشعراء، مثل مقهى الزهاوي والرصافي والجواهري".

ونمت دور السينما والمقاهي والمطاعم "حتى أصبح (الرشيد) على امتداده مركزاً رئيساً للتجارة بين العاصمة بغداد وجميع مناطق العراق، كما شهد إحياء السيدة أم كلثوم أولى حفلاتها الغنائية في زيارتها الأولى للعراق عام 1932"، بحسب عبد الحميد.

يتابع: "وشهدت سينما سنترال أول نزال مصارعة بين البطل العراقي مجيد لولو والألماني الهركريمر عام 1935".

وسجل عبد الحميد أسماء العديد من المطربين العراقيين اللذين غنوا في مقاهي الشارع، منهم عفيفة إسكندر وسليمة مراد وناظم الغزالي ومحمد القبانجي.

وخلال تلك الفترة كما يروي عبد الحميد، "ظهرت أولى وسائل الإعلان والجذب الطريفة للعروض السينمائية، حين كان أصحاب السينمات يسيرون موكبا محمولاً في عربة تجرها الخيول وكان يجلس بجانب الحوذي مهرج ويغطي وجهه بقناع ضاحك وبيده لوحة تحمل صورة البطل واسم الفيلم".

وفي العربة "يجلس أعضاء الجوق الموسيقي الذين يعزفون ويغنون بأسماء السينما والأفلام التي تعرض فيها وكانت العربة تقطع الشارع عدة مرات ذهابا وإيابا لتثير سرور الناس"، يتابع عبد الحميد.

ناظم الغزالي متوسطاً زوجته سليمة مراد والمطربة اللبنانية هيام يونس
سليمة مراد.. المغنية "الاستثنائية" وأول امرأة "باشا" في العراق
مع بدايات القرن العشرين، وفي أحد أحياء بغداد التي عاش فيها اليهود العراقيون، ولدت سليمة مراد في أجواء مفعمة بالطرب، فأخذت تستمع في الحي الذي عاش فيه كبار العازفين اليهود، إلى المقام العراقي والبستات القديمة، ونما في أذن الطفلة حب الطرب والغناء.

طراز معماري فريد

أهم مميزات شارع الرشيد المعمارية كما يقول باسم عبد الحميد، هو "الرواق المتسلسل الذي يحمي المارة من الشمس والمطر، ويعطي شخصية ووحدة تربط جميع الأبنية في هذا الشارع الطويل".

ويلاحظ في البناء "التغير الواضح في نمط البناء بين القديم والحديث، فالزخارف في البنايات التراثية القديمة تتميز بالأجر البغدادي الأصفر، أما الأبنية الأحدث فتتميز بزخارف أوروبية جاءت خلال فترة الثلاثينيات إلى العراق بتأثير المجلات المعمارية"، يضيف عبد الحميد.

كما يتميز الشارع بوجود نحو ألف عمود من الخرسانة ذات التيجان في كل طرف منه يبلغ بعد الواحد منها عن الآخر ما بين 3-4 أمتار.

النجاح الكبير لشارع الرشيد، وفق عبد الحميد، أدى إلى شق شوارع أخرى مماثلة وموازية له وللنهر، وربطه بشوارع فرعية أشهرها شارع "الشيخ عمر" و"الكفاح" و "الخلفاء". كما يشق الشارع أربعة جسور هي "الشهداء" و"الأحرار" و"السنك" و"الجمهورية"، التي ساعدت على بناء الشوارع الأفقية.

وتأثرت عمارة الشارع بالأحداث السياسية والاقتصادية الكبرى في العراق، حيث تعرّض للإهمال مع دخول البلاد الحرب مع إيران في ثمانينيات القرن الماضي، وإلى عقد التسعينيات، كان الحصار الذي فُرض إثر غزو العراق للكويت.

هذا الإهمال المستمر أدى لانهيار عدد من المباني، أبرزها بناية مقهى سبع الذي غنت فيه أم كلثوم، كما أغلقت أغلب دور العرض السينمائي والمسارح أبوابها.

ولم يبق من الحركة الفنية والأدبية من شارع الرشيد، سوى شارع المتنبي، وهو حالياً مقر لأكبر دور النشر العراقية ومركز ثقافي يتجمع فيه كل يوم جمعة عشاق اقتناء الكتب من كل أنحاء العراق.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

العراقية نزيهة الدليمي أول امرأة تتولى حقيبة وزارية في العالم العربي
العراقية نزيهة الدليمي أول امرأة تتولى حقيبة وزارية في العالم العربي- تعبيرية

وردت أسماء الكثير من النساء المسلمات في كتب التراجم والطبقات باعتبارهن من العالمات اللائي قمن بإثراء العلوم الإسلامية على مر القرون. 

كما عُرفت العديد من النساء بالمشاركة في شؤون الحكم والسياسة، واشتهرت أخريات بأشعارهن. نلقي الضوء في هذا المقال على أبرز الشخصيات النسائية العراقية اللاتي أسهمن في ازدهار الحضارة الإسلامية.

 

الخيزران

هي جارية يمنية الأصل اشتراها الخليفة العباسي الثالث محمد بن عبد الله المهدي، وأحبها بشدة فأعتقها ثم تزوجها وصارت السيدة الأولى في البلاط. 

حظيت الخيزران بمكانة مُعتبرة في هرم السلطة العباسية واعتادت أن تدير بعضاً من شؤون الدولة، وأن تتصل بالقادة والوزراء. لمّا توفي زوجها وآل الحكم لابنها موسى الهادي، حاولت أن تنتهج النهج ذاته. في ذلك يقول ابن جرير الطبري في كتابه "تاريخ الرسل والملوك": "أرادت الخيزران أن تسلك به -يقصد موسى الهادي- مسلك أبيه من قبله في الاستبداد بالأمر والنهي…".

رفض الهادي مشاركة أمه في أعمال الخلافة والحكم، فاضطرت الخيزران أن تدبر مؤامرة للتخلص منه. يقول الطبري "دست إليه من جواريها لمّا مرض من قتله بالغم والجلوس على وجهه". لتقف بعدها بجوار ابنها الثاني هارون الرشيد، وعملت على مشاركته الحكم، لكنها سرعان ما توفيت عام 789، بعد عامين من وفاة الهادي.

زبيدة بنت جعفر

عُرفت زبيدة بنت جعفر بن أبي جعفر المنصور باعتبارها واحدة من أشهر النساء اللائي تربعن على هرم السلطة في الدولة العباسية. كان اسمها الحقيقي "أمة العزيز"، ولُقبها جدها المنصور بـ"زبيدة" لشدة بياضها.

تزوجت زبيدة من ابن عمها هارون الرشيد، وأتاح لها ذلك فرصة المشاركة في شؤون الحكم وإدارة الدولة. 

تُنسب لها العديد من المشاريع الخيرية الضخمة داخل بغداد وخارجها، كبنائها مسجداً كبيراً على نهر دجلة قرب قصر الخلافة، وتعميرها طريق الحج من الكوفة إلى مكة، وذلك عندما قامت بأداء "فريضة" الحج عام 187 هجرية، وهو الطريق الذي يعرف حتى الآن باسم "درب زبيدة".

إنجازات زبيدة وصلت أرض الحجاز، فعندما زارت مكة، لمست المعاناة الشديدة التي يمر بها الحجيج أثناء بحثهم عن الماء، فأمرت بحفر قنوات مائية كبيرة لسقي المياه. في هذا السياق، اشتهرت مقولتها لكبير العمال لمّا خوفها من ارتفاع تكاليف الحفر "اعمل ولو كلفتك ضربة الفأس دينار". يقال إنها أنفقت ما يزيد عن 1.700.000 دينار ذهبي في هذا المشروع.

كل تلك المشاريع، حدت بالباحث المعاصر لويس شيخو لأن يعتبرها المسؤولة الأولى عن النهضة التي عرفتها بغداد في عهد الرشيد. يقول شيخو في كتابه تاريخ الآداب العربية في القرن التاسع عشر والربع الأول من القرن العشرين: "...ولئن كنت رأيت له -أي هارون الرشيد- في تدبير المملكة ذلك التصرف الجميل فإني ما وجدته له في تدبير أهل بيته ومواليه وإنما يرجع الرأي في ذلك زوجه أم جعفر وهي أنفذ نساء العباسيين كلمة في الدولة...".

بشكل عام، بقيت ذكرى زبيدة حاضرة في العراق عبر القرون، ويعتقد الكثير من العراقيين خطأ أن زبيدة صاحبة المرقد المعروف باسم زمرد خاتون في وسط بغداد، ولكن في الواقع صاحبة هذا المرقد هي السيدة زمرد خاتون، أم الخليفة الناصر لدين الله العباسي الذي حكم بغداد في القرن الثالث عشر الميلادي.

رابعة العدوية

تُعدّ رابعة العدوية أشهر النساء المتصوفات على مدار التاريخ الإسلامي. عاشت رابعة في البصرة في القرن الثاني الهجري، ويُقال إنها سًميت برابعة لأنها كانت البنت الرابعة لأبيها. وتوفيت عام 180 هـ تقريباً.

تتحدث المصادر التاريخية عن المكانة المهمة التي حظيت بها رابعة العدوية بين أقرانها من العلماء والفقهاء، على سبيل المثال يذكر ابن الجوزي في كتابه "صفة الصفوة" أن الفقيه الكبير سفيان الثوري كان يقصدها لطلب العلم والدين، كما  وصفها بـ "المؤدبة التي لا يستريح إذا فارقها".

كذلك، وصفها ابن خلكان في وفيات الأعيان بأنها "من أعيان عصرها، وأخبارها في الصلاح والعبادة مشهورة...".

اشتهرت رابعة العدوية بحبها لذات الله، حتى عُرفت بـ "شهيدة العشق الإلهي" وتُحكى عنها الكثير من الروايات المثبتة لهذا الحب، من ذلك أن بعض الأشخاص شاهدوها يوماً ما وهي تتمايل، فلما سألوها عن السبب قالت لهم "سكرت من حب ربي الليلة، فأصبحت وأنا منه مخمورة".

كذلك عُرف عنها الزهد في ملذات الدنيا والتفرغ بشكل كامل للعبادة. يُقال إن واحداً من أغنياء البصرة أرسل لها ليعرض عليها الزواج، وأغراها بمهر عظيم فأجابت عليه برسالة جاء فيها "أما بعد، فإن الزهد في الدنيا راحة القلب والبدن، والرغبة فيها تورث الهم والحزن، فإذا أتاك كتابي فهيء زادك وقدم لمعادك، وكن وصي نفسك ولا تجعل وصيتك إلى غيرك، وصم دهرك واجعل الموت فطرك، فما يسرني أن الله خولني أضعاف ما خولك فيشغلني بك عنه طرفة عين، والسلام".

من جهة أخرى، تُنسب لرباعة العدوية العديد من القصائد التي اعتاد الصوفيون  ترديدها جيلاً بعد آخر، من ذلك:

"عرفت الهوى مذ عرفت هواك... وأغلقت قلبي عمن عاداك

وقمت أناجيك يا من ترى... خفايا القلوب ولسنا نراك

أحبك حبين حب الهوى... وحباً لأنك أهل لذاك

فأما الذي هو حب الهوى... فشغلي بذكرك عمن سواك

وأما الذي أنت أهل له... فكشفك لي الحجب حتى أراك"

ولدت زينب فواز في بلدة تبنين في جبل عامل بلبنان عام 1844. (مصدر الصورة: مجلة "المصور"، عدد خاص، سنة 1950).
من زينب فواز إلى منى الطحاوي.. أبرز الناشطات النسويات في العالم العربي
عرفت المنطقة العربية الحراك النسوي منذ فترة مبكرة. وظهرت العديد من الأفكار التقدمية الداعية لتحرير المرأة وإشراكها بشكل فعال في مختلف الأنشطة المجتمعية. نلقي الضوء في هذا المقال على مجموعة من أشهر الناشطات النسويات في العالم العربي المعاصر، لنرى كيف تمكن الحراك النسوي من التأثير على الأوضاع السياسية والاجتماعية.

شهدة الكاتبة

ولدت أم محمد شهدة بنت أحمد الإبري في سنة 484 هـ في بغداد لأسرة تجارية منحدرة من مدينة دينور. في شبابها، درست على يد أكبر المحدثين في بغداد، فيما بعد اضطلعت بمهمة رواية الحديث، واشتهرت بذلك حتى أُطلق عليها لقبا "مسندة العراق" و"فخر النساء".

ألفت شهدة كتاب بعنوان "العمدة من الفوائد والآثار الصحاح والغرائب"، كما روت بعض الكتب منها كتاب "العلم" ليوسف بن يعقوب القاضي، وكتاب "الأموال" لأبي عبيد، وكتاب "قرى الضيف" لابن أبي الدنيا، وكتاب "ذم المسكر" لابن أبي الدنيا. 

وحدث عنها مجموعة من كبار العلماء العراقيين كابن عساكر، والسمعاني، وابن الجوزي. وكتب عنها شمس الدين الذهبي في كتابه "سير أعلام النبلاء": "خالطت الدور والعلماء، ولها بر وخير...".

من جهة أخرى، كانت شهدة من بين العلماء المقربين للخليفة العباسي المقتفي لأمر الله. وبحسب ما تذكر الباحثة نجلاء كريم مهدي في دراستها "شهدة الكاتبة: قراءة في سيرتها وجهودها في العلوم الدينية" فإن الخليفة العباسي خصص لها أرضاً أقامت عليها مؤسسة تعليمية على ضفاف نهر دجلة، واستقبلت بها المئات من طلبة العلم، كما أوقفت عليها أموالاً كثيرة، لتصبح إحدى المؤسسات التعليمية المبكرة في العراق.

"أول طبيبة"، "أول محامية"، "أول وزيرة".. رائدات العراق في 100 عام الأخيرة
لم تتوان المرأة العراقية منذ تأسيس الدولة العراقية عام 1921 عن خوض كافة أنواع النضال لنيل حقوقها والحصول على المساواة مع الرجال والمساهمة بفاعلية في كافة مجالات الحياة وخدمة المجتمع، متحدية كافة العوائق السياسية والمجتمعية التي تقف في طريقها.

بولينا حسون

ولدت الصحافية بولينا حسون في مدينة الموصل العراقية عام 1895، وتنقلت في السنوات الأولى من حياتها بين مصر وفلسطين والأردن، ثم عادت للعراق عام 1922، بعد أن تأثرت كثيراً بالنهضة النسوية التي عايشتها أثناء فترة إقامتها في القاهرة على وجه الخصوص.

عام 1923، أصدرت حسون العدد الأول من مجلة "ليلى" وهي أول مجلة نسائية تصدر في العراق. ركزت المجلة على نشر موضوعات متنوعة حول تعليم المرأة وتحريرها ومشاركتها في ميادين العمل السياسي فضلاً عن بعض الجوانب الخاصة بتربية الأبناء والاقتصاد المنزلي والفنون والآداب. 

تضمن العدد الأول من مجلة "ليلى" نداء موجه إلى أعضاء أول مجلس تأسيسي عراقي. 

وفي 1923، خطت حسون خطوة أخرى مهمة في نشاطها النسوي عندما أسست أول نادي نسوي في العراق أسمته "نادي النهضة النسائية". لعب النادي جهوداً كبيرة في سبيل الحصول على الحقوق السياسية للمرأة العراقية بعد سنوات.

نازك الملائكة

وُلدت نازك الملائكة في 23 أغسطس 1923، في محلة العاقولية في بغداد. واسم عائلتها هو آل الجبلي، غير أن الأسرة عُرفت باسم الملائكة من قِبل الجيران والأصدقاء بسبب صفاتهم الأخلاقية الميالة للهدوء والسكينة.

تميزت أسرة نازك الملائكة بوجود العديد من الشعراء، الأمر الذي شجع نازك منذ نعومة أظافرها على قرض الشعر وإنشاده. 

في المرحلة الجامعية، درست نازك اللغة العربية وتخرجت من دار المعلمين العالية في سنة 1944، ثم التحقت بمعهد الفنون الجميلة، وتخرجت منه عام 1949. 

سافرت بعدها للولايات المتحدة الأميركية لمتابعة الدراسات العليا، وبعد عشر سنوات حصلت على شهادة الماجستير في تخصص الأدب المقارن. وبعد عودتها إلى العراق عملت نازك الملائكة كأستاذة محاضرة في جامعات بغداد والبصرة والكويت. 

في 1990، سافرت نازك الملائكة إلى مصر بالتزامن مع اندلاع حرب الخليج الأولى، واستقرت في القاهرة حتى توفيت عام 2007 عن عمر 83 عاماً، ودُفنت في مقبرة خاصة بالعائلة غربي القاهرة.

يرى الكثير من النقاد أن نازك الملائكة كانت من القلائل الذين تمكنوا من خلق حالة تجديدية حقيقية في ميدان الشعر العربي، فكانت أول من كتب الشعر الحر غير المقيد بالقافية في قصيدتها المسماة الكوليرا. 

فضلاً عن ذلك نشرت نازك العديد من الدواوين الشعرية المتميزة: "عاشقة الليل" في 1947م، و"شظايا ورماد" 1949، و"شجرة القمر" 1968، و"مأساة الحياة وأغنية الإنسان" 1977، و"الصلاة والثورة" 1978، كما أصدرت في 1962 كتابها "قضايا الشعر الحديث". 

تحدث بعض النقاد عن أثر نازك الملائكة على الوسط الشعري العراقي والعربي فقال: "نازك الملائكة لم تعد رمزاً من رموز الأدب والشعرية العراقية فحسب، بل أصبحت رائدة للشعر العربي بما طرحته مع السياب من قصيدة التفعيلة أو الشعر الحر، بل هي المرأة التي شقّت طريقها وسط الصعاب والمجتمع، لتكون الشاعرة المؤثّرة في الوسطين الأدبي والنسوي".

نزيهة الدليمي

ولدت نزيهة الدليمي عام 1923 في محلة البارودية ببغداد. بدأت دراستها الابتدائية والمتوسطة في مدرسة "تطبيقات دار المعلمات النموذجية". وفي 1939 أكملت دراستها الثانوية في المدرسة المركزية للبنات.

 في 1941، التحقت الدليمي بكلية الطب، وبعد تخرجها عملت في بعض المشافي الحكومية، مثل "المستشفى الملكي" ببغداد، ومستشفى "الكرخ"، وتنقلت بين بعض المدن العراقية. قبل أن يتم اختيارها ضمن إحدى البعثات العلمية التي درست مرض السل الذي تفشى بين السكان المقيمين قرب المياه.

بدأ النشاط النسوي لنزيهة الدليمي في أربعينيات القرن العشرين عندما التحقت بـ"الجمعية النسوية لمكافحة الفاشية والنازية".

بعد هزيمة دول المحور في الحرب، تغير اسم الجمعية إلى "رابطة نساء العراق"، وصارت الدليمي واحدة من قياداتها، وأشرفت على إصدار مجلة "تحرير المرأة". 

بعد فترة، قامت الحكومة العراقية بتفكيك الجمعية ومنعت نشر المجلة.

لم تيأس الدليمي، وحاولت أن تعيد النشاط النسوي إلى الواجهة مرة أخرى؛ فجمعت عشرات العراقيات اللائي تخرجن من الكليات وقدمت إلى الحكومة مقترحاً بتأسيس جمعية "تحرير المرأة"، لكنه قوبل بالرفض.

 يذكر الباحث موفق خلف غانم في كتابه "الدكتورة نزيهة الدليمي ودورها في تاريخ الحركة الوطنية والسياسية العراقية" أن الدليمي تابعت أنشطتها الحقوقية مع مطلع الخمسينيات. ففي 1950 شاركت في حركة "أنصار السلم العالمية" وكانت عضوة في اللجنة التحضرية التي كانت يرأسها محمد مهدي الجواهري. وبعد سنتين فقط، أُتيحت الفرصة للدليمي مواصلة النشاط النسوي عقب تأسيس "رابطة الدفاع عن حقوق المرأة العراقية"، لتُنتخَب كأول رئيسة لها.

في 1959، كُللت مجهودات الدليمي في مجالي الطب والعمل النسوي عندما تم اختيارها لتشغل منصب وزيرة البلديات في حكومة عبد الكريم قاسم. بموجبه، أضحت الدليمي أول امرأة تتسلم منصب وزير في تاريخ العراق والعالم العربي. 

ومن خلال منصبها الرفيع، تمكنت الدليمي من دعم الحركة النسوية في العراق، وذلك حين أسست "رابطة المرأة العراقية"، التي شاركت في صياغة قانون الأحوال الشخصية العراقي عام 1959.

اهتم هذا القانون بحقوق المرأة العراقية ووُصف بأنه "أول قانون تقدمي ليس في العراق فحسب، بل في المنطقة العربية كلها. وخطوة جريئة على طريق تطوير وضع المرأة"، كما يقول موفق خلف غانم في كتابه.