إحدى صور الرراحل فؤاد شاكر- أرشيف
إحدى صور الرراحل فؤاد شاكر- أرشيف

صدر حديثاً كتاب "فؤاد شاكر: ذاكرة مدينة"، وهو الإصدار الثاني من موسوعة العراق المصورة، التي أكدت بعبارة على ظهر الكتاب، أن "الاحتفاء بعدسة فؤاد شاكر واجب إنساني تجاه الهوية الوطنية ومؤرخيها البصريين".

وجرى إطلاق هذه الخطوة خلال حفلٍ خاص حضرته إسراء، ابنة المصور الراحل، التي أعربت عن سعادتها بإصدارر الموسوعة ووصفتها بأنها "خطوة كبيرة للحفاظ على التراث العراقي"، آملة في صدور كُتب أخرى تعتني بأرشيف صور والدها.

من هو فؤاد شاكر؟

وُلد في أحد أحياء بغداد الفقيرة عام 1949. وحكى فؤاد شاكر أنه عندما كان صغيراً يلعب "البلي" مع أقرانه كان يندهش لانعكاس البيوت على زجاج "البلي" فتزداد دهشته من "القيمة اللونية والجمال الذي ينظر إليه".

هذه العادة التي لازمته طيلة فترة طفولته قادته لأن يحمل الكاميرا لتسجيل تلك المشاهد الجميلة التي أدمن النظر لها صغيراً، وبدأ التصوير لتسجيل حياة أطفال الجيران وإخوته وعائلته، ثم امتدَّ عمله إلى العراق بأسره.

أكثر ما حمّس شاكر لامتهان التصوير هو إدمانه على قراءة روايات الأديب السوفيتي أنطون تشيخوف، واستشعر في نفسه القُدرة على تجسيد الحياة في مجتمعه كما فعل تشيخوف، ولكن ليس عبر الأدب هذه المرة، إنما بواسطة الكاميرا.

بدأ عمله كمُصوّر محترف في 1960 وخاض مسيرة مهنية طويلة تعاون فيها مع عشرات المؤسسات الإعلامية المحلية والعربية والدولية، وتميّز بقُدرته على منح صوره أبعاداً أكثر من مجرد تسجيل الواقعة ورصد الحدث كما كان منتشراً في الصحف آنذاك.

وسعى شاكر لإحداث ثورة في فن التصوير بعدما اجتهد طيلة تجربته المهنية لتكون صوره ذات أبعاد عميقة لا تكتفي برصد الواقع، إنما تثير دلالات كثيرة في نفس المتفرج، فيبدو له وكأنه يُشاهد فيلماً سينمائياً أو رواية متعددة الشخصيات لا مجرد صورة تعرض مشهداً واحداً.

اتجاه بدأه المصور العراقي جاسم الزبيدي ومن بعده سار شاكر وعبد علي مناحي على نفس الخط.

في أحد حواراته لخّص شاكر إبداعاته بأنه قدّم "قصائد بصرية لا تتكرر". 

 

عينٌ على العراق

تميّز فؤاد شاكر بقُدرته الفذة على التعبير البصري عن حياة العراقيين بعدما جاب بعدسته بلاد الرافدين من شمالها إلى جنوبها، ووثّق أشكال الحياة بأصدق تعبير.

تماشى هذا الفن مع مدينة شديدة العراقة مثل بغداد، التي كانت بحاجة إلى فنان لا ينشغل بتصوير القصور والمشاريع العملاقة بل بتصوير حياة الناس في دروبها العتيقة.

لذا لم يكن غريباً أن تعلن جريدة "الجمهورية العراقية" أن كلية التربية في جامعة الموصل قررت الاحتفال باستعادة جزيرة الفاو عبر تنظيم معرض لفؤاد شاكر يجسّد فيه "عَظمة المقاتل العراقي" في 35 صورة.

وحينما سُئل عن جولاته التصويرية في بغداد، أجاب: "عشتُ في مدينة بغداد ذات التاريخ العريق والحافل بالملوك والأمراء، عشتُ في أزقتها وخرجتُ من بيوتها المظلمة، لقد صوّرتُ العالم كما يجب أن يصوّر، عالمٌ مليء بالتناقضات والأمنيات المؤجلة".

وفي الفيلم الوثائقي الذي أعدته قناة "العراقية" عن شاكر، قال دكتور أكرم جرجيس، المدرس في كلية الفنون الجميلة بجامعة بغداد، إنه خلال مرافقته لبعض جولات الأول، فإنه كثيراً ما كان ينخرط في بكاءٍ حار عقب تصوير مشهدٍ في حارة عراقية فقيرة.

كما وصفه الشاعر العراقي عدنان الصائغ، في أحد مقالاته، بأنه "يمتلك عيناً ثالثة"، ويحكي أن هذه "العين الثالثة منحته امتيازه الخاص في رؤية العالم بما لا يستطيع غيره أن يراه به".

ونُقل عن الناقد مجيد السامرائي قوله، إن تقديم أغلب صور شاكر بالأبيض والأسود "لا تعني بأنه كان شخصاً يحب العتمة لكنه يضع في العتمة مخلوقاته المضيئة كي ينتصر لها، وهو بهذه الصور ينتصر للمدينة ويوثّق عاداتها بالصور حتى يحميها من الزوال".

شارك شاكر بصوره في العديد من المعارض العالمية، كما نظّم أكثر من 30 معرضاً شخصياً حافلاً بأدق صور الحياة اليومية للعراقيين، مثل "عزف الأمكنة: بغداد"، الذي أُقيم في المتحف الوطني للفن الحديث 1991، و"صور عراقية" الذي نظّمه معهد العالم العربي في باريس 1992، وغيرها من المعارض التي أقامها في أميركا ويوغوسلافيا واليابان والأردن، معلناً نجاح نظريته في أن طريق الفنان إلى العالمية لا يأتي إلا عبر التركيز على المحلية.

وكان آخر معرض أقامه شاكر هو "مختارات عراقية"، الذي افتتحه نقيب الصحافيين العراقيين مؤيد اللامي في فبراير 2014، وضمّ صوراً وثّقت حياة العراقيين في خمسينيات القرن الماضي.

ولعب شاكر دوراً كبيراً في تأسيس ما يُمكننا تسميته "نقد الفوتوغراف"، عبر محاولته التنظير لفن التصوير وأبعاده المختلفة وذلك من خلال مقالاته في الصحف، حيث اعتنى بشرح دقائق التصوير الفوتوغرافي وكذلك التكوين الهندسي للكاميرات.

كما ألّف عدة كتب شملت صوره وآراءه النقدية بحق التصوير الفوتوغرافي، أبرزها "فوتوغرافيون عراقيون"، واهتم بعقد العديد من الدورات آملاً في خلق جيل عراقي جديد مُحب للتصوير.

 

الوداع الأخير

عاش فؤاد شاكر السنوات الأخيرة من حياته يعاني من العوز والمرض في ظِل ضعف الاهتمام الحكومي به، وفي مارس 2014 تُوفي متأثراً بمرضه.

فور رحيله نعته الجمعية العراقية للتصوير قائلة "فقد العراق اسماً لامعاً ورائداً مجداً مخلصاً لفنه النبيل لم يبخل على العراق بفنه".

ونعاه فوزي الأتروشي وكيل وزارة الثقافة حينها واصفاً إياه بـ"شيخ المصورين" الذي لم يكتف من التصوير بعدة لقطات عشوائية، إنما سعى ليؤرشف الحياة في العراق من خلال لقطات نقل فيها لحظات البسمة والحزن والفرح، ونجح في رصدها من خلال تجوله المستمر في أزقة بغداد، وفق قوله.

وعقب رحيله بعامٍ، أعلنت نقابة الصحافيين العراقية، تدشين جائزة تحمل اسم "فؤاد شاكر" خاصة بالإبداع الفوتوغرافي، بدأت دورتها الأولى عام 2015 ولا تزال مستمرة حتى اليوم.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

Iranian President Pezeshkian visits Erbil
من زيارة الرئيس الإيراني لكردستان العراق- رويترز

استخدم الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان خلال زيارته الحالية إلى العراق اللهجة الكردية ليقول إن بين طهران وكردستان "علاقات جيدة"، في مؤشر واضح على تحسّن روابط بلاده مع الإقليم العراقي الذي يتمتع بحكم ذاتي واستهدفته ضربات إيرانية مرّات عدّة في السنوات الأخيرة.

فكيف تمكّن الإيرانيون وأكراد العراق من تسوية خلافاتهم؟

 

تقارب حقيقي؟

شهدت العلاقات بين جمهورية إيران الإسلامية وإقليم كردستان العراق، وهو تقليدياً حليف لواشنطن والأوروبيين في الشرق الأوسط، تحسناً ملحوظاً في الأشهر الأخيرة.

وكثرت الزيارات التي أجراها مسؤولون من الجانبين والتصريحات الإيجابية.

وحضر كلّ من رئيس الإقليم نيجيرفان بارزاني وابن عمّه رئيس الوزراء مسرور بارزاني جنازة الرئيس الإيراني ابراهيم رئيسي الذي قضى مع مسؤولين بينهم وزير خارجيته حسين أمير عبداللهيان في تحطّم طائرتهم في 19 مايو الماضي.

كذلك زار القائم بأعمال الخارجية الإيرانية علي باقري أربيل عاصمة الإقليم في يونيو الفائت.

ولدى خروجه الأربعاء من القصر الرئاسي في بغداد حيث اجتمع بنظيره العراقي عبد اللطيف رشيد، قال بزشكيان بالكردية لقناة "رووداو" المحلية الكردية "لدينا علاقات جيدة مع كردستان وسنعمل على تحسينها أكثر".

وزار نيجيرفان طهران ثلاث مرات في غضون أربعة أشهر، والتقى بارزاني المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية آية الله علي خامنئي.

يقول مدير "المركز الفرنسي لأبحاث العراق" عادل بكوان لوكالة فرانس برس: "أصبحنا حالياً في مرحلة التطبيع" في العلاقات.

ويعود ذلك بالنفع على أربيل من ناحية "حماية أمنها واستقرارها ونموها الاقتصادي، ما يجعل تطبيع العلاقات مع جمهورية إيران الإسلامية ضروريا للغاية"، بحسب بكوان.

 

لماذا قصفت طهران إقليم كردستان؟

في السنوات الأخيرة، تعثّرت العلاقات بين أربيل وطهران بسبب الخلاف حول مجموعات مسلحة من المعارضة الكردية الإيرانية تتمركز في كردستان العراق منذ ثمانينيات القرن المنصرم بعد اندلاع حرب استمرت ثماني سنوات بين العراق وإيران.

على جانبي الحدود، كان الأكراد العراقيون والإيرانيون يتكلّمون اللهجة نفسها ويتشاركون روابط عائلية.

واستمرت المجموعات الإيرانية المعارضة وغالبيتها يسارية الميول وتندّد بالتمييز الذي يعاني منه الأكراد في إيران، في جذب الفارّين من القمع السياسي في الجمهورية الإسلامية. من هذه المجموعات حزب "كومله" الكردي والحزب الديموقراطي الكردستاني الإيراني اللذان تعتبرهما طهران منظمتين "إرهابيتين".

وكان لهذه المجموعات مقاتلون مسلحون، إلا أنهم كانوا ينفون تنفيذ أي عمليات ضد إيران عبر الحدود.

واتّهمت طهران هذه المجموعات بتهريب أسلحة بالتسلّل إلى أراضيها انطلاقاً من العراق وبتأجيج التظاهرات التي هزت إيران في أعقاب وفاة الشابة الكردية الإيرانية مهسا أميني في 16 سبتمبر 2022 بعدما أوقفتها شرطة الأخلاق لعدم امتثالها لقواعد اللباس الصارمة في الجمهورية الإسلامية.

في نهاية عام 2023، وبعد ضربات عدّة نفذتها إيران في العراق، تعهدت السلطات العراقية بنزع سلاح هذه الفصائل وإخلاء قواعدها ونقلها إلى معسكرات.

وقال مستشار الأمن القومي العراقي قاسم الأعرجي للتلفزيون الإيراني الرسمي، الثلاثاء الماضي، إن الحكومة العراقية أغلقت 77 من قواعد هذه المجموعات قرب الحدود مع إيران ونقلت المجموعات إلى ست معسكرات في أربيل والسليمانية.

وأكّد أن استعدادات تجري لمغادرتها العراق إلى بلد ثالث.

 

ما التحديات التي لا تزال قائمة؟

في ظلّ اضطرابات جيوسياسية في الشرق الأوسط، استهدفت طهران كردستان مرّات أخرى، متهمة الإقليم بإيواء مواقع للاستخبارات الخارجية الإسرائيلية (موساد).

في يناير 2024 ووسط توترات إقليمية على خلفية الحرب في قطاع غزة بين إسرائيل وحركة حماس الفلسطينية، شنّت القوات الإيرانية هجوما على مواقع في إقليم كردستان العراق، مشيرة إلى أنّها استهدفت "مقرا لجهاز الموساد". 

من جانبها، نفت الحكومة المركزية في بغداد وحكومة كردستان أن يكون "الموساد" متواجدا في الإقليم.

ويمكن كذلك قراءة التقارب الذي بدأته أربيل مع طهران في ضوء "الانسحاب" الأميركي المحتمل من العراق، بحسب عادل بكوان.

وتجري بغداد وواشنطن منذ أشهر مفاوضات بشأن التقليص التدريجي لعديد قوات التحالف الدولي بقيادة واشنطن في العراق.

وتطالب فصائل عراقية مسلحة موالية لإيران بانسحاب هذه القوات.

وقال وزير الدفاع العراقي ثابت العباسي في مقابلة تلفزيونية، الأحد الماضي، إن العاصمتين توصلتا إلى تفاهم حول جدول زمني لانسحاب قوات التحالف الدولي من العراق "على مرحلتين".

وأوضح أن التفاهم يتضمّن مرحلة أولى تمتدّ من سبتمبر الجاري حتى سبتمبر 2025 وتشمل "بغداد والقواعد العسكرية للمستشارين"، يليها انسحاب "في المرحلة الثانية من سبتمبر 2025 حتى سبتمبر 2026 من كردستان العراق".

ولم تعد أربيل في السنوات الأخيرة في موقع قوة أمام الحكومة المركزية في بغداد التي تربطها بها علاقات متوترة.

يقول بكوان "كلما انسحبت الولايات المتحدة من الشرق الأوسط، بالتالي من العراق بالتالي من كردستان العراق، أصبحت أربيل أضعف في مواجهة بغداد (...) المدعومة بقوة من جمهورية إيران الإسلامية" المعادية لواشنطن.