أكثر من 16 عاماً مرّت على أول قراءة لقانون العطل الرسمية في العراق داخل البرلمان الذي يسعى إلى تقليص هذه العطل بسبب تعطيلها لمصالح المواطنين أكثر من اللازم، وبقي منذ ذلك الحين يراوح مكانه في أروقة وأدراج مجلس النواب العراقي من دون إقرار حتى يومنا هذا، كونه من القوانين المثيرة للجدل على الصعد الدينية والسياسية وخصوصاً الاقتصادية، حيث تتسبب كثرة العطل بخسارة مليارات الدولارات في بلد وصل عجز الميزانية فيه العام الحالي إلى أكثر من 64 تريليون دينار عراقي (48 مليار دولار أمريكي).
وبحسب الخبير الاقتصادي نبيل المرسومي فإن "مجموع العطل الرسمية وغير الرسمية في العراق يبلغ 148 يوماً، كما أن مجموع أيام العمل السنوية يبلغ 217 يوماً". ومن هذه العطل "هناك 108 أيام هي مجموع أيام عطلة نهاية الأسبوع (الجمعة والسبت)، ولدينا المناسبات الرسمية التي تبلغ 22 يوما". بالإضافة إلى "المناسبات الدينية والعطل الاضطرارية كالمطر وارتفاع درجات الحرارة التي تعلنها الحكومة المركزية والحكومات المحلية التي تقدر بحوالي 22 يوماً في السنة".
هذه العطل "تمثل خسارة يومية للاقتصاد العراقي تقدر بنحو 192 مليار دينار هي مجموع رواتب الموظفين بضمنهم التمويل الذاتي والعقود"، بحسب المرسومي، الذي يؤكد أن "إجمالي الخسائر المالية من العطل غير الرسمية عدا الجمعة والسبت يبلغ أربعة تريليونات دينار عراقي، وتبلغ الخسارة ضعف هذا الرقم في حال احتساب العطل الرسمية عدا عطلة نهاية الأسبوع".
ويرجع المرسومي كثرة العطل الرسمية وغير الرسمية وخسائرها الاقتصادية إلى "اعتماد العراق في موازنته العامة على إيرادات النفط الذي لا يتوقف انتاجه خلال أيام العطل".
مشكلة "تدني الإنتاجية"
لا يعتبر الباحث الاقتصادي قاسم جبار أن خسائر العراق الاقتصادية "ناتجة فقط عن تراجع الإنتاج خلال العطل، فلدينا مشكلة تتعلق بتدني الإنتاجية في القطاع العام وهي ناتجة عن البطالة المقنعة المتأتية من كثرة عدد الموظفين".
ويعتبر جبار أن أشد المتأثرين بكثرة العطل "هو القطاع الخاص والمواطن الذي تتوقف معاملاته في دوائر الدولة وفي قطاعات حيوية مثل البنوك والمؤسسات التعليمية والمحاكم وغيرها وهذه جميعها من الناحية الاقتصادية تحتسب كخسائر مادية كبيرة".
ويقع العراق "في صدارة البلدان التي تعطل الدوام الرسمي للقطاعين الخاص والعام في مناسبات وطنية ودينية متنوعة"، كما جاء في تقرير نشرته شبكة المستشارين العراقيين الميدانيين، وتتم "إضافة عطل مفاجئة غالباً ما تفرضها أوضاع أمنية أو سياسية أو دينية أو جوية".
وبحسب التقرير فإن هذه العطل "تكلف العراق 2.5 مليار دولار شهرياً". كما أنها "باتت تسبب كساداً واضحا من جهة، وتراجعاً كبيراً في المستوى التعليمي من جهة أخرى، ناهيك عن تأخير عدة مشاريع مهمة في الإعمار والتنمية". وأشار التقرير إلى أنه "لا يمكن للدولة النهوض والتطور بهذا العدد غير المجدي من العطل، باستثناء بعض المناسبات اللازمة نظرا لرمزيتها".
خلافات "طائفية"
خلال السنوات الـ16 الماضية عقد البرلمان العراقي جلسات عديدة لمناقشة قانون العطل الرسمية في العراق. لكن، تلك الجلسات لم تتمكن من حل مشكلة كثرة العطل الرسمية بل فاقمتها، فكل ديانة وطائفة وقومية كانت تقترح عطلاً جديدة، وتحاول تعويضها عبر إلغاء أيام عطل أخرى.
فالأحزاب الشيعية في البرلمان طالبت باعتبار "عيد الغدير" عطلة رسمية "كي نكون أسوة بكل الطوائف الأخرى التي لها أعياد دينية" حسبما قالت النائبة حنان الفتلاوي في الجلسة، معتبرة أن عيدي الفطر والأضحى "لكل المسلمين وليس فيهما خصوصية بالنسبة للشيعة".
ولم تسلم عطلة المولد النبوي المقررة منذ العهد الملكي من الجدل والانقسام، فالمولد النبوي في العراق يتم الاحتفال به يوم 12 ربيع الأول لدى الطائفة السنية، يعقبه بأسبوع الاحتفال الشيعي بالمناسبة. ليطالب بعض النواب الشيعة بإضافة يوم 17 ربيع الأول كعطلة إضافية للمولد النبوي.
وبسبب احتدام الخلاف حول عطلة المولد النبوي قدم النائب عبد المهدي جاسم مقترحاً بتحويل المناسبة إلى "أسبوع للحمة الوطنية للفترة (12-17 ربيع الأول)". معتبراً "إهمال مشاعر الأغلبية تقصير غير مبرر".
الخلافات الطائفية في العراق فيما يتعلق بأيام العطل تمتد إلى الخلاف في التفسير الفقهي لآيات تحديد أول أيام عيدي الفطر والأضحى. ونتيجة له يحتفل المسلمون السنة قبل يوم واحد بالعيدين من المسلمين الشيعة في العراق.
ولإيجاد حل وسط، قررت الحكومة العراقية تمديد عطلة العيدين خارج نطاق القانون الذي يحدد عيد الفطر بثلاثة أيام وعيد الأضحى بأربعة أيام إلى خمسة أيام لكل منهما.
مطالب "المكونات"
ولا يقتصر الخلاف على العطل الرسمية على المسلمين فحسب، فجميع ممثلي المكونات العراقية يطالبون بأيام عطل إضافية خاصة بهم بلغ مجموعها 35 يوماً خلال جلسات مناقشة قانون العطل.
فقد حدد ممثلو مسيحيي العراق مطالبهم التي نقلها النائب عادل فهد خلال الجلسة، بسبعة أيام من العطل. تتوزع إلى ثلاث أيام تبدأ من 25 ديسمبر وهي عطلة أعياد الميلاد، ومثلها لعيد القيامة، مع إضافة يوم الأول من أبريل للاحتفال برأس السنة البابلية الآشورية (أكيتو).
أما النائب أمين فرحان فطالب بتحديد 15 يوماً كأعياد خاصة باتباع الديانة الأيزيدية، تبدأ من يوم الجمعة الأول من يناير وهو عيد الصوم الإيزيدي، ويوم الأربعاء الأول من أبريل، وثمانية أيام خلال الفترة من (23-30) سبتمبر، إضافة إلى الفترة من (18-21) يوليو بمناسبة أربعانية الصيف.
واعتبر خالد أمين ممثل الصابئة أن العطلات المخصصة للمكون في القانون رقم 110 لسنة 1972 كان فيها إجحاف كبير، مطالباً برفع الغبن وإدراج الأيام الحقيقية لكل عيد بحسب التقويم المندائي المختلف عن التقويم الميلادي.
وبلغ مجموع أعياد الصابئة 13 يوماً، متوزعة على خمسة أيام لعيد الخليقة، وأربعة أيام لعيد دهوربا، وثلاثة أيام للعيد الصغير، ويوم واحد لعيد التعميد الذهبي.
أزمة "العيد الوطني"
امتد الجدل حول الأعياد إلى ذكرى العيد الوطني في العراق كما يقول النائب فاروق حنا لـ "ارفع صوتك".
وكان رئيس الوزراء السابق مصطفى الكاظمي أعلن في العام 2020 عن تحديد يوم الثالث من أكتوبر للاحتفال بالعيد الوطني العراقي، وهو يتوافق مع ذكرى موافقة الجمعية العامة لعصبة الأمم المتحدة العام 1932 على قبول العراق عضواً فيها بناءً على الطلب المقدم من المملكة العراقية آنذاك ليصبح أول دولة عربية تنضم إلى المنظمة الدولية.
ويشير حنا إلى أن نقاشات طويلة دارت داخل أروقة البرلمان، وشملت اختيارات عدة لتكون العيد الوطني "منها ذكرى انضمام العراق إلى عصبة الأمم، الذي اعترضت عليه بعض الكتل معتبرة أن العراق حينها بقي خاضعاً للهيمنة البريطانية آنذاك فلا يعتبره البعض يوماً مناسباً للاحتفال".
كما طالب نواب آخرون "باعتماد يوم 30 يونيو 1920 وهو يوم إنطلاق ثورة العشرين ضد الاحتلال البريطاني". وفريق آخر طالب "باعتماد يوم 13 يوليو 2014 وهي ذكرى فتوى الجهاد الكفائي ضد داعش".
وهناك آراء أخرى لاعتماد يوم العيد الوطني "ليتوافق مع الانسحاب الأمريكي من العراق في 31 ديسمبر من العام 2011، وأيضا 14 يونيو من العام 1958 وهي ذكرى الإطاحة بالحكم الملكي في العراق، أو التاسع من نيسان 2003 وهي ذكرى سقوط نظام حزب البعث".
ولم تتمكن الكتل السياسية حتى الآن، بحسب حنا، من الاتفاق على يوم محدد للعيد الوطني العراقي واضطرت لجنة الثقافة إلى "تأجيل مناقشة مشروع قانون العيد الوطني".
هذا الاختلاف الذي يتحدث عنه حنا ناتج من أن العراق "يتكون من شعب متنوع ثقافياً ودينياً وهناك إشكاليات كبيرة تتعلق بعدد أيام العطل الرسمية، وتعاني لجنتا الثفاقة والأوقاف من هذا الجانب فلكل مجموعة رأي يجب احترامه".
حنا يناشد جميع العراقيين "أن يدركوا في النهاية أنه من غير المعقول أن نحول أيام العراق كلها إلى عطل رسمية لنتحول إلى شعب لا يعمل ولا ينتج".
