في سبتمبر سنة 1956م أُصدر أول قانون لتأسيس جامعة في العراق باسم "جامعة بغداد" وذلك في عهد الملك فيصل الثاني.
في سبتمبر سنة 1956م أُصدر أول قانون لتأسيس جامعة في العراق باسم "جامعة بغداد" وذلك في عهد الملك فيصل الثاني.

عُرفت بغداد باعتبارها واحدة من أهم عواصم المعرفة والعلم في العالم العربي. اشتهرت مقولة: "القاهرة تكتب، وبيروت تطبع، وبغداد تقرأ" لتعبر عن حالة الزخم الثقافي التي شهدتها بلاد الرافدين في القرن العشرين. في هذا السياق، يظهر اسم جامعة بغداد بوصفها واحدة من أقدم الجامعات العربية، كما أنها إحدى أكبر الجامعات الحكومية في منطقة الشرق الأوسط. ما قصة التعليم في العراق؟ وكيف تم تأسيس جامعة بغداد في خمسينيات القرن العشرين؟ ومن هم الرؤساء التاريخيون لتلك الجامعة العريقة؟

 

ما قبل التأسيس

 

اهتمت السلطات العثمانية بافتتاح الكتاتيب والمدارس الدينية في العديد من المناطق العراقية في القرن التاسع عشر الميلادي. كانت مدرسة الحقوق التي اُفتتحت في الأول من سبتمبر سنة 1908م هي أول مؤسسة للتعليم العالي في العراق. من الجدير بالذكر أن افتتاح تلك المدرسة وقع بالتزامن مع الاحتفال بعيد جلوس السلطان عبد الحميد الثاني على عرش الدولة العثمانية.

بعد سيطرة البريطانيين على العراق، قام المندوب السامي البريطاني في العراق السير بيرسي كوكس بتشكيل حكومة عراقية برئاسة عبد الرحمن الكيلاني في سنة 1920م. وأصبح للتعليم والصحة وزارة واحدة، سميت بوزارة المعارف والصحة العمومية. في تلك الفترة، قامت الوزارة بإرسال العشرات من الطلاب إلى خارج البلاد للدراسة في الجامعات الأجنبية المعروفة آنذاك.

بعد سنة واحدة، وقع الانفصال بين الصحة والتعليم، وأصبحت المعارف وزارة مستقلة. واُفتتحت بعدها العديد من المدارس العلمية ومنها مدرسة الصيدلة والكيمياء في سنة 1922م، ودار المعلمين العالية التي تأسست في سنة 1923م، وكلية الطب في سنة 1927م.

.بدأ بناء المدرسة المستنصرية سنة 625 للهجرة ووضع الخليفة العباسي المستنصر بالله حجرها الأساس
المدرسة المستنصرية.. قِبلة العلماء التي قَتل التتار طلابها
سُميت المدرسة المستنصرية على اسم بانيها الخليفة العباسي المستنصر بالله والذي جلب لها المهندسين وكبار الصناع ووضع حجرها الأساس. وقد خُصصت لتدريس الفقه والطب والفلك والرياضيات والعلوم الفقهية، كما كانت مركزاً اجتماعيا تقام فيه الدعوات والولائم الفاخرة للملوك والأمراء.

على الجانب الآخر، وقعت في تلك الفترة نهضة لافتة فيما يخص التعليم النسوي. دعمت السلطات البريطانية أيضا تعليم الفتيات العراقيات. في هذا السياق، اُستقدمت المس كيلي -وهي معلمة مشهورة كان لها خبرة كبيرة في التعليم في المستعمرات الهندية- وعُهد إليها بالإشراف على تعليم مجموعة من العراقيات. واُفتتحت أول مدرسة لتعليم البنات في يناير سنة 1920م.

نجحت التجربة بشكل لافت للنظر، وسرعان ما انخرطت العشرات من الفتيات في السلك الدراسي. شجع هذا السلطات على افتتاح المزيد من المدارس. في ذلك، تقول الباحثة وفاء كاظم ماضي محمد في كتابها "تطور الحركة النسوية في العراق" إن عدد مدارس البنات في العراق ازداد من "أربع مدارس في العام الدراسي 1920-1921م إلى سبع وعشرين مدرسة في العام الدراسي 1921-1922م ثم أخذت الزيادة بالتدريج، ووصل عدد المدارس في نهاية عهد الانتداب البريطاني للعراق عام 1932م إلى تسع وأربعين مدرسة، رافقتها زيادة في أعداد الطالبات. فبعد أن كان عددهن في العام الدراسي 1920- 1921 أربعمائة واثنين وستين طالبة وصل العدد إلى 8845 في العام الدراسي 1931- 1932م".

 

تأسيس جامعة بغداد

 

عقب تنصيبه ملكاً على العراق في سنة 1921م، اهتم الملك فيصل الأول بفكرة تأسيس جامعة عراقية في بغداد. بعد ثلاث سنوات فحسب، تحول الحلم إلى حقيقة عندما اُفتتحت جامعة "آل البيت" لتدريس العلوم الدينية في منطقة الأعظمية ببغداد، بينما بقيت فكرة تأسيس جامعة لتدريس العلوم التجريبية والمدنية حلماً مؤجلاً.

في سنة 1943م تشكلت أول لجنة لدراسة إمكانية تأسيس جامعة بغداد، وفي سبتمبر سنة 1956م أُصدر أول قانون لتأسيس جامعة في العراق باسم "جامعة بغداد" وذلك في عهد الملك فيصل الثاني. بعدها أوكلت مهمة تصميم مباني الجامعة إلى المعماري الألماني الشهير والتر غروبيوس، والذي يُعدّ من أبرز معماريي القرن العشرين.

بحسب الموقع الرسمي لجامعة بغداد، فإن غروبيوس صمم بنايات الجامعة بنظام مبتكر يُعرف بـ Erath Shelter. بواسطة هذا التصميم تم ربط كل قسم من أقسام الجامعة بالثاني بممرات مخفية تحت الأرض. واُستعملت تلك الممرات في التبريد اعتماداً على برودة المياه الجوفية في باطن الأرض. وفي ذات الوقت، عملت هذه الممرات على منع الضوضاء أو أي تخلخل أو ارتفاع مفاجئ بدرجات الحرارة أو الضغط الداخلي.

تم ترسيم الوضع القانوني للجامعة في سنة 1968م. صدر في تلك السنة قانون جامعة بغداد رقم 181. جاء في المادة الثالثة منه "تعنى الجامعة بتهيئة ثقافة عالية منظمة حرة وبتعهد البحث العلمي وبالدراسات العليا وتعنى بالتراث العربي والإسلامي وبالتربية القومية والفضائل الخلقية".

ضمت الجامعة كليات الحقوق والهندسة والتربية والطب والصيدلة والآداب والتجارة والزراعة والطب البيطري، كما ألحقت بها مجموعة من المعاهد العالية وهي معهد العلوم الإدارية، ومعهد اللغات، ومعهد الهندسة الصناعية، ومعهد التربية البدنية.

سرعان ما افتتحت الجامعة فروعاً لها في عدد من المدن العراقية الأخرى. على سبيل المثال أقامت جامعة بغداد في مدينة الموصل كليات الطب والعلوم والهندسة والزراعة والغابات والصيدلة والدراسات الإنسانية، كما أقامت في البصرة كليات للتربية والحقوق والهندسة. صارت تلك الكليات نواة لتأسيس جامعات الموصل والبصرة فيما بعد، الأمر الذي يوضح الأهمية البالغة التي لعبتها جامعة بغداد في إثراء الحياة الأكاديمية في بلاد الرافدين.

حالياً، تقع مباني جامعة بغداد في قلب العاصمة العراقية في جانب الرصافة في مجمع الجادرية ويحيط بها نهر دجلة من ثلاثة اتجاهات. يشمل هذا المجمع كلية الهندسة، وكلية العلوم، وكلية العلوم السياسية، وكلية التربية الرياضية، ومعهد الهندسة الوراثية، فضلاً عن بعض المراكز البحثية الأخرى.

يقع المجمع الطبي للجامعة في منطقة باب المعظم، ويشمل كلية الطب وكلية طب الأسنان وكلية الصيدلة. أما كلية الفنون الجميلة فتقع في منطقة الوزيرية، بينما توجد كلية التربية في منطقة الأعظمية.

 

الرؤساء التاريخيون للجامعة

 

شهد كرسي رئاسة جامعة بغداد تعاقب العديد من القامات العلمية العراقية المعروفة على مر السنين. يظهر ذلك بوضوح في أسماء الرؤساء التاريخيين الثلاثة الأوائل للجامعة، والذين اختلفوا في خلفياتهم الدينية والطائفية.

كان الرئيس الأول لجامعة بغداد هو الدكتور متى عقراوي. وهو مسيحي ولد في الموصل في سنة 1901م. وحصل على درجة البكالوريوس من الجامعة الأميركية ببيروت، ثم حصل على درجتي الماجيستير والدكتوراه من كلية المدرسين لجامعة كولومبيا في الولايات المتحدة. وكان له العديد من المؤلفات في تطوير برامج التعليم والتربية، واُعتمدت بعض كتبه كمقررات نظامية للطلبة في المراحل التعليمية المختلفة. وقد ترأس جامعة بغداد لعدة شهور في الفترة ما بين 1957م و1958م.

أما ثاني رؤساء جامعة بغداد، فكان عالم الفيزياء المندائي عبد الجبار عبد الله. ولد عبد الله في سنة 1911م في قلعة صالح بمحافظ ميسان. درس المرحلة الابتدائية بإحدى المدارس في قلعة صالح. ثم درس المرحلة الإعدادية في بغداد في سنة 1930م. بعدها حصل على منحة للدراسة الجامعية في الجامعة الأميركية ببيروت. وفي سنة 1934، حصل عبد الجبار عبد الله على شهادة البكالوريوس في العلوم من الجامعة الأميركية في بيروت. سافر بعدها إلى الولايات المتحدة ليتابع دراساته العليا في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا في بوسطن. وحصل على شهادة الدكتوراه في الفيزياء.

يذكر الموقع الرسمي لجامعة بغداد أن العالم العراقي عمل مدرساً لمادة الفيزياء في دار المعلمين الابتدائية عقب رجوعه إلى العراق. وفي فترة الأربعينيات وبداية الخمسينيات من القرن العشرين، سافر عبد الجبار عبد الله لأكثر من مرة إلى الولايات المتحدة، وأجرى العديد من الأبحاث المهمة حول حركة الأمواج وتكون الأعاصير في كل من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، وجامعة نيويورك.

عقب رجوعه، عين رئيساً لقسم الفيزياء في دار المعلمين العالية في سنة 1958م. وبعد سنة واحدة، تم اختياره ليشغل منصب رئيس جامعة بغداد.

يذكر الباحث خالد ميران دفتر في كتابه "شخصيات مندائية في التاريخ المعاصر" أن الأحداث السياسية المتسارعة في العراق في تلك الفترة ألقت بظلالها على حياة عالم الفيزياء المندائي. تم إلقاء القبض عليه بعد وقوع انقلاب سنة 1963م. وزج به في المعتقل لمدة ثمانية أشهر بسبب الشك في انتمائه السياسي، كما تمت إحالته للتقاعد. وتعرض للفصل من جميع الوظائف التي شغلها.

أما ثالث الرؤساء التاريخيين لجامعة بغداد، فكان المؤرخ المسلم عبد العزيز الدوري. ولد الدوري في سنة 1919م في قرية الدور التابعة لمحافظة صلاح الدين شمالي العاصمة العراقية بغداد. حفظ القرآن في صغره، وبعدها انتقل لبغداد لإكمال دراسته الابتدائية والثانوية. وتحصل على شهادة البكالوريا بتفوق، وكان الأول على العراق في القسم الأدبي. اُختير بسبب ذلك للالتحاق ببعثة علمية إلى إنجلترا في سنة 1936م. وبعد أربع سنوات من الدراسة حصل على درجة البكالوريوس في التاريخ من جامعة لندن في سنة 1940م. وبعدها بسنتين حصل على درجة الدكتوراه من الجامعة نفسها.

عاد عبد العزيز الدوري بعد ذلك إلى العراق، وعمل مدرساً في دار المعلمين العالية، كما عمل مديرا عاماً للترجمة والنشر التابعة لوزارة المعارف. وفي سنة 1949م اُفتتحت كلية الآداب والعلوم ببغداد، وتولى الدوري منصب العمادة بها، وبقي في هذا المنصب حتى سنة 1958م.

يذكر أسامة الدوري في بحثه "سيرة حياة المؤرخ عبد العزيز الدوري" أن حياة الدوري شهدت الكثير من التقلبات بسبب الأحداث السياسية التي وقعت في بلاد الرافدين عقب قيام حركة يوليو 1958م بإسقاط النظام الملكي في العراق.

في البداية، تم عزل عبد العزيز الدوري من مناصبه العلمية. وتم إيداعه في أحد السجون العسكرية التي يُعتقل فيها المتهمون المقبلون على تنفيذ أحكام الإعدام. وكانت التهمة التي وجهت له في تلك الفترة هي موالاة النظام الملكي. بعد ستة شهور كاملة من الاعتقال، تم الإفراج عنه وعاد مرة ثانية للتدريس في كلية الآداب لفترة قصيرة.

وبعدها آثر أن يغادر العراق في سنة 1959م ليعمل أستاذا زائرا لمادة التاريخ في الجامعة الأميركية في بيروت.

كان هدفه من المغادرة أن يبتعد عن الصراع الدائر بين القوميين والشيوعيين. عاد الدوري مرة أخرى إلى بلاده بعد أن قضى عاماً واحداً خارجها، وفي سنة 1963م تم تعيينه في منصب رئيس جامعة بغداد، وساهم وقتها في تأسيس مجلس التعليم العالي في العراق. كما لعب دوراً مهماً في تأسيس جامعات البصرة والموصل.

عادت السياسة لتلعب دوراً مهماً في تغيير المسار الوظيفي لعبد العزيز الدوري في سنة 1968م. قام حزب البعث بالاستيلاء على السلطة في شهر يوليو من هذا العام. وأصدر مجلس قيادة الثورة قراراً بالاستيلاء على أموال الدوري وإبعاده عن جميع مناصبه الرسمية بتهمة تعاونه مع السلطة السابقة.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

من تظاهرة في بغداد رافضة للتعديلات المقترحة على قانون الأحوال الشخصية- تعبيرية
من تظاهرة في بغداد رافضة للتعديلات المقترحة على قانون الأحوال الشخصية (8-8-2024)- تعبيرية

بسبب موقفها المعارض لتعديل قانون الأحوال الشخصية، اضطرت الناشطة السياسية والصيدلانية رحمة علاء لغلق حساباتها في مواقع التواصل الاجتماعي بشكل مؤقت، بعد تعرضها لحملة تشويه سمعة شرسة عزلتها عن محيطها.

تقول "ارفع صوتك": "منذ بداية اعتراضي على موضوع تعديل قانون الأحوال الشخصية بدأت دائرة معارفي تتضاءل بسبب الاختلاف الجذري فكرياً، على الرغم من اعتيادنا أن الاختلاف بالرأي لا يفسد للود قضية!".

لكن في هذه الحالة، تضيف علاء فإن "الوضع مختلف" مردفةً "هذا الخلاف ظهر فجأة في المجتمع وأصبح كالفجوة التي ابتلعتنا جميعاً، حتى وصل الخلاف بالرأي بين أفراد العائلة الواحدة والأقارب". 

"هذا الأمر مرعب وحساس جدا وأثار نزعة تكفيرية بين أفراد المجتمع"، تتابع علاء.

الاتهامات التي تعرضت لها الناشطة متعددة كما تقول، بعضها "يتعلق بالطعن بالشرف، أو أنني أريد إلغاء شرع الله، أو أنني على اتصال مع سفارات أجنبية ومدفوع لي من أجل تخريب المجتمع، واتهامات أخرى تصلني عبر مواقع التواصل التي اضطررت إلى إغلاقها مؤقتا".

وكان البرلمان العراقي أحدث ضجة اجتماعية واسعة في أغسطس الماضي بعد تقديمه مسودة قانون تعديل قانون الأحوال الشخصية في البلاد، يسمح بموجبه للمرجعيات الدينية العراقية بديلا عن قانون الدولة، بتنظيم شؤون الزواج والميراث على حساب الحقوق الأساسية.

وبعد أن أنهى البرلمان القراءة الأولى للمشروع يأمل الناشطون والمتضررون وأغلبهم من النساء، أن يتمكنوا عبر الوقفات الاحتجاجية وتشكيل تكتل داخل وخارج مجلس النواب، من إيقاف التعديل المثير للجدل بعد تأجيل القراءة الثانية للقانون في الرابع من سبتمر الجاري.

 

ضغوطات تحت قبة البرلمان

لا يختلف الوضع كثيراً داخل أروقة البرلمان العراقي، فالنائبة نور نافع أقرت في حديثها لـ"ارفع صوتك" أنها تعرضت لـ"مختلف أنواع الضغوطات بعد إعلانها تشكيل كتلة داخل البرلمان لمعارضة التعديل على قانون الأحوال الشخصية".

من تلك الضغوطات، تشرح نافع "حملات التسقيط على مواقع التواصل الاجتماعي، ومواضيع أخرى شخصية مباشرة، بهدف التراجع عن رفض تعديل قانون الأحوال الشخصية". 

وتؤكد أنه وبالرغم من ذلك "لن يتراجع النواب المعارضون عن قرارهم"، مشيرة إلى أنها شخصياً "رفعت قضية للطعن بجلسة البرلمان التي خُصصت للقراءة الأولى لتعديل القانون، بسبب وجود مخالفات عديدة، منها النصاب وآلية الطرح والتصويت على إضافة الفقرة وغيرها من المجريات". 

وتقول نافع "القضية أخذت مجراها في المحكمة الاتحادية ونحن بانتظار نتائج المحكمة وقراراتها".

وكانت النائبة النائبة العراقية انضمت إلى كتلة نسوية برلمانية هدفها "الإعلان الواضح لرفض تعديل قانون الأحوال الشخصية المطروح أمام البرلمان، من أجل الحفاظ على نسيج الأسرة وصيانة حقوق أفرادها (الرجل والمرأة والأطفال)"،  بحسب بيان نشرته نافع على حسابها الرسمي في مواقع التواصل.

تبيّن: "إضافة لهذه الكتلة، تم أيضاً تشكيل تحالف المادة (188) الداعم لقضيتنا داخل مجلس النواب لرفض قانون التعديل".

A woman holds up a sign reading in Arabic "the marriage of minors is a crime in the name of safeguarding (honour)", during a…
"خارج السرب".. رجال دين يعارضون تعديلات "الأحوال الشخصية"
مع أن طرح التعديلات على قانون الأحوال الشخصية العراقي لعام 1959، يحظى بدعم كبير من غالبية رجال الدين الشيعة والسنة في العراق، إلا أن بعض رجال الدين من الطائفتين، غردّوا خارج السرب وسجّلوا مواقف معارضة للتعديلات على القانون.

"تحالف 188"

عزز الإعلان عن تعديل قانون الأحوال الشخصية الانقسام داخل المجتمع العراقي، كما تقول الناشطة المدنية وعضوة "تحالف المادة 188" في محافظة النجف، شيماء المعموري.

تبيّن لـ"ارفع صوتك": "أقوى الهجمات كانت على مواقع التواصل الاجتماعي عبر حسابات وهمية، يتم اتهامنا من خلالها بأننا خارجون عن الدين والملّة والمرجعية، كما يتم وصفنا بأولاد السفارات. وهو كلام يتم توجيهه لجميع معارضي التعديل، خصوصاً النساء".

بعض تلك الرسائل، بحسب المعموري، تصل على شكل "تهديد بالتسليم إلى إحدى المليشيات لمعاقبتنا، أو إصدار حكم شرعي بالقتل لخروجنا عن الدين وغيرها الكثير".

وفي مجتمع محافظ مثل المجتمع العراقي وخصوصاً في مدينة دينية كالنجف "فإنه أمر يؤثر بشدة على السمعة عشائرياً واجتماعياً خصوصاً حين يتم رفع صورنا وانتقادنا عبر منشوراتنا المعارضة و توجيه الاتهامات، فيكون الأمر صعب جداً على عوائلنا"، تتابع المعموري.

وتقول إن كل ذلك "لم يؤثر على المعارضين. لكنه، انعكس سلبياً على المجتمع وأحدث انقساماً في بنيته بين الرافضين والراغبين في التعديل، وكثير منهم يخشون أن يتم اتهامهم بأنهم ضد الدين وهو السلاح الذي يحاولون (أنصار التعديل) به كسب آراء الناس".

تهديدات

التربوي والناشط المدني حيدر حسن هو أحد المشاركين في تظاهرات تتبنى إيقاف التعديل، يرى أن ما يحصل من جذب وشد في الرأي حول التعديل "جعل المجتمع منقسماً على نفسه، ووضع السلم الأهلي على شفا حفرة".

يقول حسن لـ"ارفع صوتك": "على المستوى الشخصي، أتعرض إلى أسوأ وأقذر حملة.. فقد تعرضت للتهديد بالقتل والطعن بالشرف وسب والدي المتوفي ووالدتي وتبليغات على حسابي، كما تردني تهديدات من حسابات وهمية".

كل هذه الأحداث تحصل "رغم أننا لا نملك سوى سلاح الكلمة التي نرفعها رفضاً لتعديل قانون نجد أنه لا يحقق مصلحة المرأة والطفل في العراق"، يتابع حسن.

في المقابل، اتخذ حسن إجراءات قانونية بحق من قام بتهديده، يقول "لجأت إلى القضاء الذي يريدون إسكات صوته عبر التعديل".

في السياق ذاته، يعتبر المحلل السياسي محمد نعناع أن الاتهامات التي يواجهها المعترضون على تعديل قانون الأحوال الشخصية، هي جزء من "نسق دائم يقوم به أفراد وجماعات ضد كل من يختلف معهم في أية جزئية سواء كانت دينية أو اجتماعية أو ثقافية".

ركزت الحملة التي يتم شنها ضد المعترضين على التعديل كما يشرح نعناع لـ"ارفع صوتك" على أمور ثلاث: "ضمان عدم وجود أصوات معارضة كبيرة عبر توجيه اتهامات تتعلق بمعارضة الدين أو المذهب، وعدم الاحترام في ردود الأفعال مهما كان الحوار جاداً وشفافاً وبناءً، والثالث خطر جداً لأنه يعتمد على تشويه السمعة".

ويبيّن نعناع "أما كيفية تعامل المعارضين للتعديل مع هذه الاتهامات فكانت متنوعة، لكنها اتفقت بأخذ الحرية في التعبير عن آرائنا ولا يمكن قمعنا، لأننا جميعا نعيش في ظل التعددية، كما نجح المعترضون في تثبيت خطابهم تجاه لاعقلانية من كَال لهم التهم".

Iraqis Shiite Muslim worshippers gather outside the of Imam Moussa al-Kadhim shrine, who died at the end of the eighth century,…
كان "سابقاً لعصره".. خلفيات إقرار قانون الأحوال الشخصية العراقي 1959
أعاد النقاش حول قانون الأحوال الشخصية في العراق إلى الواجهة، الظروف الاجتماعية والسياسية التي أدت إلى صدور القانون المعمول به حالياً في عام 1959، خصوصاً بعد المطالبة بتعديله من قبل نوّاب من كتل سنيّة وشيعية في البرلمان.

حقوق المرأة

تحدث فريق "ارفع صوتك" مع ثلاث نساء عراقيات تعرضن إلى انتقادات حادة بعد حضورهن وقفات احتجاجية تمت الدعوة لها وإقامتها تحت نصب الحرية وسط العاصمة بغداد.

امرأتان فضلتا عدم الكشف عن اسميهما بعد اتهامات وُجهت لهما عبر مواقع التواصل، وبعد طلب العائلة التوقف عن إعلان موقفهما من تعديل قانون الأحوال الشخصية.

تقول نعمة (اسم مستعار)، إن سبب معارضتها للقانون يتعلق بوضع اجتماعي تعيشه منذ سنوات؛ فهي مطلقة وحاضنة لطفلتها: "تلقيت تهديدات من زوجي بأخذ ابنتي ما إن يتم إقرار القانون، فشعرتُ بالرعب".

تضيف "القانون الحالي منصف للمرأة، وتمكنتُ عبره من إعادة ابنتي التي خطفها زوجي ولم أعرف مكانها لعام كامل. وحين عثرت عليها وجدتها قد تعرضت إلى التعنيف، رغم أنها لم تتجاوز العامين من عمرها آنذاك، بعد أن تزوج طليقي بأخرى أساءت معاملتها".

من جهتها، تقول آية (اسم مستعار) وهي حاضنة لطفلتين، إن تعديل قانون الأحوال الشخصية "من شأنه حرمان الأم من أطفالها وحقوقها وإجبارها على العيش في ظروف سيئة يفرضها عليها بعض الرجال الذين يسيئون لزوجاتهم، ولا يعاملونهن كما أوصى الشرع".

تساند الناشطة في حقوق الإنسان مريم الأسدي المعارضين للتعديل، معللةً "أنا أنظر للمستقبل، فالقرار الذي يُتخذ اليوم سيؤثر على بناتي مستقبلاً. الأمر يتعلق بحقوق النساء في الزواج والطلاق والميراث وغيرها، وهي من الأمور التي لا أتمنى أن تتعرض للظلم بسببها أي فتاة".

تعرضت الأسدي إلى هجمة اضطرت بعدها إلى تبديل رقم هاتفها حين بدأت مكالمات مجهولة تهددها إذا استمرت بمساندة النساء في الوقفات المطالبة بإلغاء التعديل. توضح لـ"ارفع صوتك": "لم يسكت هاتفي عن الرنين بعد نشره من شخص مجهول على أحد المجاميع المساندة للتعديل، وجميع الاتصالات كانت عبارة عن تهديدات مباشرة".

من الاتهامات التي وصلتها بأنها "ضد الشريعة"، وتمت مطالبتها بأن "تبقى في منزلها وتسكت، وإلا فان النتائج ستكون وخيمة" على حدّ تعبيرها.

نتيجة لذلك، تقول الأسدي "تأثرت عائلتي وتمت مطالبتي بالتوقف، لكنني قررت الاستمرار، فلا يمكن الخضوع لمجهولين يخشون مجرد الحديث بأسمائهم الصريحة، ولن نساوم على حقوق بناتنا في المستقبل".