يناقش مجلس النواب العراقي تعديلاً لقانون البغاء الذي أُقر العام 1988 من شأنه إيقاع عقوبات قاسية، ضد "العلاقات المثلية" و"التخنث" و"تبادل الزوجات"، تصل إلى الإعدام والسجن المؤبد.
واليوم، طالبت منظمة "هيومن رايتس ووتش" الحكومة العراقية بسحب التعديلات. وقالت إنها "تنتهك حقوق الإنسان الأساسية"، بما فيها "الخصوصية، والمساواة، وعدم التمييز".
#العراق: مشروع قانون معروض على البرلمان يقترح فرض عقوبة الإعدام للسلوك الجنسي والسّجن للتعبير عن العبور الجندري.
— هيومن رايتس ووتش (@hrw_ar) August 23, 2023
يجب سحب مشروع القانون هذا فورا! https://t.co/Uv74r7n9s1 pic.twitter.com/Fx8fVDElUl
ويهدف التعديل الجديد، المثير للجدل، كما يقول عضو اللجنة القانونية رائد المالكي إلى "ضم فئات جديدة لم تكن تشملها العقوبات سابقاً، كالعلاقات الشاذة التي يطلق عليها العلاقات المثلية، وتبادل الزوجات بعد رصد عدد من الحالات". إضافة إلى "ظاهرة التخنث التي نعتبرها مقدمات للشذوذ الجنسي"، حسب قوله.
ويضيف المالكي لـ"ارفع صوتك" بأن هناك "عقوبات مشددة، بعضها يصل إلى الإعدام أو السجن المؤبد، كما سيمنع القانون تغيير الجنس البيولوجي"، مع استثناء "الحالات الطبية التي تحتاج تداخلا جراحيا وهو ممسوح به لكن ليس وفقاً للأهواء والميول".
وحسب المالكي، فإن التعديل الجديد لا يخالف الدستور. "فالمادة الثانية من الدستور تؤكد على الهوية الإسلامية، فيما تؤكد المادة 29 على احترام قيم المجتمع والأسرة والحفاظ على كيانها وقيمها الدينية والوطنية"، كما يقول.
لكن هيومن رايتس ووتش تعتبر أن هذه التعديلات تخالف الدستور العراقي، الذي يحمي الحق في عدم التمييز (المادة 14)، والخصوصية (المادة 17)، فضلا عن التزامات العراق بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان.
"الإعدام"
عقوبة الإعدام لحالات المثلية، كما يقول المالكي، "ليست جديدة على القانون العراقي فقد كانت ضمن تعديلات القانون رقم 8 التي تم إقرارها العام 2001".
ولا يتضمن القانون الأصلي، "رقم 8" الصادر العام 1988، أي أحكام بالإعدام. وكانت أقصى عقوبة يتم إيقاعها هي السجن 15 عاماً لمن ثبت إكراهه للذكور أو الإناث على ممارسة البغاء وهم دون سن 18 عاماً.
أما السماسرة فيتم معاقبتهم بالسجن سبع سنوات، فيما تودع الفتاة ("البغي") بأحد دور الإصلاح مدة لا تقل عن ثلاثة أشهر ولا تزيد على السنتين. ولم يشمل القانون أي عقوبة للشريك بل يتحول في كثير من الأحيان إلى شاهد.
وفي العام 2001 أقر مجلس قيادة الثورة المنحل تعديلات شديدة القسوة على قانون مكافحة البغاء حملت الرقم 243"، وحكمت بالإعدام على كل امرأة يثبت تعاطيها للبغاء وجميع حالات المثلية وزنا المحارم والسمسرة، وشمل الإعدام إدارة تلك الأعمال وكل من يسهل للبغاء، كما شمل التعديل مصادرة الأموال المنقولة وغير المنقولة.
وعلى خلفية القرار شن النظام السابق آنذاك حملة تصفية ضد الخصوم السياسيين، وتم الحكم بالإعدام على عدد كبير من المعارضين بحجة تعاطيهم البغاء أو تسهيله.
من الإباحة إلى العقوبة
في كتابه "بغداد كما عرفتها"، يقول الكاتب أمين المميز أن البغاء في العراق لم يكن جريمة يعاقب عليها القانون قبل 100 عام من الآن.
فقد كان البغاء العلني في العراق "مسموحاً به في العهد العثماني (...) ولما احتل الإنجليز العراق بعد الحرب العالمية الأولى اعترفوا بمؤسسة البغاء فغضوا الطرف عنها وسمحوا لها بالاستمرار كما كان عليه الحال في العهد العثماني". وكل ما في الأمر "أنهم علقوا لافتة مكتوب عليها بالأحمر كلمة مبغى باللغة الإنجليزية وعينوا انضباطاً عسكرياً لمنع الجنود من ارتيادها".
أما أولى محاولات مراقبة بيوت البغاء في العراق، فبدأت بعد حصول العراق على استقلاله وإعلان الملكية، "بداية من العام 1935 حين قررت وزارة الداخلية على عهد رشيد عالي الكيلاني تشكيل ما كان يعرف بشرطة الأخلاق، التي من واجبها مراقبة دور الدعارة السرية للقضاء على البغاء بكل أشكاله والمحافظة على الأخلاق العامة من التفسخ والانحلال".
ولكن الهدف من ذلك لم يتحقق وسرعان ما أُلغيت شرطة الأخلاق بسبب فسادها المالي، وأقرت بعدها الحكومات المتعاقبة قوانين عديدة لتنظيم عمل بيوت البغاء ومتابعتها أمنياً وصحياً.
ومع دخول العراق في اتفاقيات دولية لتجريم تجارة البشر في خمسينيات القرن الماضي، بدأ العمل على تجريم البغاء وأُصدر قانون لمنع السمسرة وفتح بيوت البغاء تحت طائلة الغرامات الكبيرة والسجن الطويل في حالات التكرار.
بعدها أُقر قانون مكافحة البغاء رقم 45 لسنة 1958، والذي تم إلغاؤه العام 1988 وإقرار قانون جديد حمل الرقم "8" والذي عرف البغاء بأنه "تعاطي الزنا أو اللواطة بأجر مع أكثر من شخص". وهو التشريع ذاته الذي تتم مناقشة تعديلات جديدة عليه لإضافة عقوبات لحالات لم تكن سابقاً موجودة.
عقوبات جديدة
لم يعاقب قانون مكافحة البغاء منذ إقراره لأول مرة خمسينات القرن الماضي الذكور ممن يتم إلقاء القبض عليهم كشركاء بتهمة البغاء كما يقول المحامي أحمد اللامي لـ "ارفع صوتك".
ويعتبر أن في الأمر "غبنا بحق المرأة كونها تعاقب لوحدها، فيما يُترك الرجل الذي يدفع المال لها أو للسماسرة دون أية مساءلة قانونية ولا حتى مجتمعية".
لكن عدم معاقبة الشريك فقرة تمت دراستها ضمن تعديلات القانون الذي يجري مناقشته في أروقة البرلمان العراقي، كما يشير النائب رائد المالكي. "لا يجوز معاقبة المرأة فقط فهناك من يقوم بدفع المال لاستئجار جسدها ولا تتم معاقبته. الآن النص القانوني أصبح يعاقب الرجل الذي قد يستغل وضعا اقتصاديا معينا، أو وضعا تجبر فيه المرأة على العمل في هذه المهنة"، يقول.
أما العقوبة التي نص عليها التعديل فهي "الحبس لمدة لا تقل عن عام والغرامة المالية"، وهي عقوبات تشمل "الشركاء الذكور والإناث على السواء"، يقول المالكي.
وتشمل عقوبات السجن والغرامة "الترويج للشذوذ المثلي، وكل من مارس فعل من أفعال التخنث"، كما سيتم " معاقبة الأطباء بالسجن في حال إجراء عمليات تغيير الجنس البيولوجي، باستثناء معالجة التشوهات الخلقية التي تتطلب تداخلاً جراحياً لتأكيد جنس الشخص"، يضيف النائب البرلماني.
وتضمن القانون أيضا، كما يقول المالكي، "عقوبة الإعدام أو السجن المؤبد لمبادلة الزوجات والتي تم رصد حالات قليلة منها في العراق في الآونة الاخيرة، ولم تكن هناك عقوبة قانونية خاصة بها سابقاً".
وكانت محكمة الجنايات في منطقة استئناف محافظة ذي قار أصدرت العام 2021 حكماً بالسجن لمدة 15 عاماً بحق متهم تمت إدانته بممارسة عملية تبادل الزوجات.
جدل مواقع التواصل
أثارت تعديلات قانون البغاء حين تم الإعلان عنها جدلاً على مواقع التواصل الاجتماعي العراقية. مؤيدو التشريع اعتبروه "تحصينا قانونيا لهوية العراق العربية والاجتماعية والدينية".
أما معارضو القانون، وعلى رأسهم المنظمات الحقوقية والجمعيات الداعمة لحقوق المثليين فاعتبروه مسا بحقوق الإنسان.
حثت منظمة العفو الدولية العراق على "الإلغاء الفوري" لحظر استخدام وسائل الإعلام لمصطلحي "المثلية الجنسية" و”الجندر"، ردًا على التوجيه الصادر عن هيئة الإعلام والاتصالات العراقية القاضي بوجوب أن تستبدل وسائل الإعلام مصطلح "المثلية الجنسية” بـ"الشذوذ الجنسي" في بياناتها. pic.twitter.com/ah5VbfDaA5
— IrfaaSawtak ارفع صوتك (@IrfaaSawtak) August 10, 2023
وتحفظ آخرون على مناقشة القانون في الوقت الحالي. "موضوع الجندر مهم. لكن، هناك قوانين أكثر أهمية تمس حياة المواطن تحتاج إلى متابعة"، كما يقول مهدي عباس، الذي يعتبر الإعلان عن تعديل هذا القانون والضجة حوله "تضليلا للرأي العام وركضا خلف التريندات".
من جانبه يرى علي عبد الحسين أن "مكافحة الموظف المرتشي والمقاول الذي يغش في عمله والقبض على سراق المال العام من شانها إيقاع نتائج إيجابية على المجتمع ويقضي على الفساد بكل أنواعه وليس البغاء فحسب".
