مواطن سوري يحمل صورة زعيم حزب العمال الكردستاني عبدالله أوجلان خلال مسيرة احتجاجية- تعبيرية
مواطن سوري يحمل صورة زعيم حزب العمال الكردستاني عبدالله أوجلان خلال مسيرة احتجاجية- تعبيرية

زار وزير الخارجية التركي هاكان فادان، العراق، لبحث عدة قضايا مع قادة بغداد، على رأسها سُبُل تقويض حزب العمال الكردستاني.

وبحسب التسريبات الإعلامية، تعهدت أنقرة بتعميق العلاقات الاقتصادية وزيادة كميات المياه المتدفقة إلى بلاد الرافدين، بشرط تعاونها مع تركيا في الإجهاز على حزب العمال الكردستاني.

لا يعدُّ هذا الطلب جديدًا، إذ سبق وأن أعربت تركيا مرارًا عن رفضها تمركز المسلحين الأكراد على الحدود، لهذا نفذت عدة عمليات عسكرية في عُمق الأراضي العراقية آخرها عملية "مخلب السيف" عام 2022، في خطوة أثارت غضب بغداد وندّدت بها.

المنظمة العسكرية الكردية مصنّفة كتنظيم إرهابي من قِبَل تركيا والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، وتتبنّى أنقرة رواية معادية لكافة أنشطة الحزب، معتبرة أنه يسعى لتفكيك الدولة التركية، وطيلة 30 سنة نفّذ عمليات عسكرية استهدفت أمنها وتسبّب في مقتل أكثر من 40 ألف تركي، وفقًا لما ذكره دياري صالح مجيد في دراسته "حزب العمال الكردستاني في العراق: قراءة جيوبولتيكية" عام 2019.

بسبب طول أمد النزاع وضخامة عدد ضحاياه أصبح حزب العمال الكردستاني يمثل أكبر مشكلة  تشغل المنطقة طيلة العقود الثلاثة الأخيرة، بحسب تعبير عامر الجومرد في بحثه "التكييف القانوني لما نجم عن عمليات مقاتلي حزب العمال الكردستاني".

 

النشأة: ثورية دموية

منذ بداية السبعينيات زاد الزخم الثوري في صفوف الشباب الكردي تأثرًا بالأفكار الماركسية اللينية التي اعترفت بالقوميات.

في 1974 تأسس اتحاد "طلبة الدراسات العليا في أنقرة"، وسعى لتجنيد الطلاب الأكراد في صفوفه، وتزّعمه عبدالله أوجلان الذي لُقِّب بـ"آبو". من هذا الاتحاد تكوّنت المجموعة القتالية "جيش التحرير القومي"، وبات أعضاؤها يُعرفون بِاسم "أتباع آبو".

وخلال عامٍ واحد انتقل أفراد هذه الجماعة من أنقرة إلى المناطق الكردية حيث بدأوا في شن عمليات عسكرية من هناك. لم يكن "العمال" أول حزب كردي ينتهج العنف لتنفيذ أجندته السياسية، إنما نشبت أول حركة كردية مسلحة سنة 1925 أعقبتها حركة "آرارات" (1927- 1931) ثم حركة "درسيم" (1937-1938)، وجميعها قُوبلت بقمعٍ عنيف من الحكومات التركية.

قبل الاستقرار على الاسم النهائي للحزب الكردستاني ظهر بأكثر من تسمية مختلفة؛ فمرة بِاسم "مؤتمر الحرية والديمقراطية الكردستاني" (KADEK)، كما حملت بعض أفرعه اسم "الجيش الشعبي لتحرير كردستان" (ARGK) ) وأيضًا ظهر فرع آخر حمل اسم "قوات الدفاع الشعبية" (HPG).

نفذت هذه المجموعات عمليات عسكرية محدودة مثل إرهاب المدنيين الأتراك أو التعدّي على بعض المسؤولين الحكوميين لذا لم تُصنّفهم تركيا بأكثر من أنهم مجرد "قُطاع طُرق".

لكن في 1979 حدث التطوّر العملياتي الأكبر حينما أُعلن دمج جميع هذه الفروع تحت مظلّة عسكرية واحدة هي "حزب العمال الكردستاني" (PKK)، وعُين أوجلان سكرتيرًا عامًا له.

وبسبب تبنّي الحزب نظام العمل العسكري اللامركزي، ظهر العديد من الفروع التي حملت اسما مستقلاً لكنها عملت عسكريا تحت إشرافه، مثل "مجلس شباب كردستان" و"حركة الشباب المستقل" و"حركة الشباب الديمقراطي" التي نشطت في إيران والعراق، و"حركة الشباب الحُر" العاملة في سوريا وأوروبا.

لم يكتفِ الحزب بتنفيذ عمليات في الأراضي التركية وحسب، إذ امتدّت أنشطته إلى الخارج أيضا فنفّذ عملية تفجير النقصلية التركية في ستراسبورج عام 1980.

في العام نفسه شهدت تركيا انقلابا عسكريا قاده كنعان إيفرين رئيس أركان الجيش وخلّف تصاعدًا حادًا للقومية التركية واتخاذ مواقف شديدة العداء تجاه الأكراد.

بناءً على هذا الوضع الجديد، اضطر أوجلان للهرب إلى سوريا حيث نجح في كسب ثقة الرئيس حافظ الأسد الذي سمح له بجلب مسلحيه إلى سوريا. وحتى عام 1984 أقام مقاتلو حزب العمال عشرات المعسكرات في سوريا ولبنان بمساعدة منظمة التحرير الفلسطينية.

نشط مقاتلو الحزب في استهداف دوريات الجيش والشرطة والثكنات العسكرية التركية، وما بين عامي 1989 و1990 نفّذ الحزب 251 عملية.

في 1998 ضاقت تركيا بالأنشطة الكردية العسكرية في سوريا فحشدت قوات عسكرية ضخمة من أجل تصفية المعسكر الرئيس لحزب العمال في "وادي البقاع"، وهو أرض لبنانية تسيطر عليها سوريا.

انتهت هذه الأزمة بإغلاق المعسكر وطرد أوجلان وأتباعه من سوريا فغادروا إلى العراق، وكانت بداية انتشارهم في شمال البلاد وتحديدًا في جبل قنديل.

 

العراق: علاقات معقدة جدا

منذ عام 1991 أصبحت منطقة كردستان العراق، شمال (خط 32)، ملاذًا آمنًا خصوصا أنها كانت تحت طائلة الحظر الجوي على هامش حرب الخليج الثانية، ما جعلها خارجة عن سيطرة بغداد، فصارت بيئة آمنة لحزب العمال للاستمرار في جذب وتدريب الأتباع وإقامة عشرات المخازن للأسلحة والمؤن.

في هذه المنطقة نجح الحزب الكردستاني في استغلال الجغرافيا الحدودية المعقدة بين العراق وإيران وتركيا لبناء قواعده العسكرية، وبات له حضور واضح في جبال قنديل، وهو الوجود الذي تعتبره أنقرة تهديدًا خطيرًا لها، حتى أن وزير الداخلية التركي سلَيمان حسن صويلو،  صرّح بأن "منطقة قنديل يجب أن تصبح مكانا آمنا بالنسبة لتركيا".

في المقابل، تتمنّى تركيا فصل "قنديل" عن بقية القرى المحيطة بها التي ينتشر بها مقاتلو حزب العمال وسيطروا عليها لعقودٍ طويلة، لذا لم تتوقف عن شنِّ هجماتٍ عسكرية ضد مقاتلي الحزب في هذه البقاع، حتى أنها في بعض المرات توغلت بقواتها مسافة 35 كيلومترًا في عُمق الأراضي العراقية لكنها حتى الآن لم تتمكن من إحراز نصرٍ حاسم في هذا الشأن.

في السابق، كانت هذه العمليات تتم بموافقة حكومة صدام حسين، فخلال انشغاله التام بحربه مع إيران اتفق مع تركيا على السماح لها بدخول الأراضي العراقية لتتبع الخلايا الكردية "بعمق 30 كيلومترا، وبقوة لا تزيد عن فرقة ولمدة لا تزيد عن 72 ساعة، بموجب اتفاق أمني يُجدد سنويا".

من جانبه، حاول أوجلان التوصل إلى حلٍّ مع الحكومة التركية فطالب بوقف النار ثم تراجع عن إقامة دولة مستقلة وطالبَ بإقامة منطقة حكم ذاتي تخضع فيدراليا إلى تركيا، وهي المطالب التي رفضتها أنقرة وواصلت عملياتها العسكرية ضد حزبه، حتى اعتقلته عام 1999 وحكم عليه بالإعدام ثم استبدلته بالسجن مدى الحياة.

وبرغم العمليات العسكرية المتواصلة ضد الحزب الكردي، إلا أنه تمكّن من الصمود. وفي 2014 ازداد رسوخا في العراق عقب سيطرة تنظيم داعش الإرهابي على مدينة الموصل.

لاحقا، اتهمت تركيا الحزب بالسعي لاستغلال الفراغ الناشئ عن قتال داعش للاستيلاء على المزيد من المُدن الإستراتيجية على رأسها تلعفر ذات الأغلبية التركمانية السُنية، وسنجار ذات الأغلبية الأيزيدية، التي شهدت اشتباكات بين مقاتلي البيشمركة وحزب العمال الكردستاني، مضيفة المزيد من التعقيد على الصراع الكردي-الكردي في العراق.

بشكلٍ عام فإن العلاقة بين الحزب الديمقراطي (الذي يقوده آل برزاني) وحزب العمال متوترة بشدة بسبب الاتهامات المتبادلة بين الطرفين بممارسة أنشطة ضارة بالآخر، واعتبر أن "أنشطة حزب العمال جرّت الإقليم إلى حربٍ لا يريد خوضها ضد تركيا، وأن قتاله المتواصل ضد أنقرة عطل خطط التنمية الموضوعة وأدّت لمقتل عشرات السكان المحليين".

فيما يتهم حزب العمال قادة أربيل بأنهم "عملاء لتركيا العدو الرئيس للقضية الكردية، وأنهم يقدمون العون لأنقرة في عملياتها العسكرية في قنديل وسنجار".

في المقابل، فإن حزب العمال يمتلك علاقة متوترة أيضا مع القطب السياسي الكردي الآخر وهو الاتحاد الوطني (الذي يقوده آل طالباني)، بلغت حدَّ إغلاق كل طرف مقرات الحزب الآخر في سنجار ثم السليمانية، وهو القرار الذي لاقى ترحيبا تركيا متوقعا.

الاتحاد الوطني مثله مثل الحزب الديمقراطي يتمنّى توثيق علاقته بأنقرة حتى تكون شريكا اقتصاديًا أكثر فاعلية لتصدير ثرواته الطبيعية للخارج وعلى رأسها النفط.

من ناحية أخرى، وبحسب دياري مجيد، فإن سياسيين عراقيين في بغداد لا يجدون بأسا من السماح لحزب العمال الكردستاني بالنمو في التربة العراقية ليكون ورقة ضغط مهمة في العلاقات العراقية التركية، كما أنه سيشكل توازنا هاما ضد نفوذ الحزب الديمقراطي الكردستاني الذي يمتلك علاقات متردية مع بغداد في الفترة الأخيرة.

هذه السياسة أثارت حفيظة أربيل التي طلبت من بغداد رسميًا عدم السماح لحزب العمال بالمشاركة في عملية تحرير الموصل، وسط تخوفات من قادة أربيل بأن يسعى الحزب للمزيد من التوغل في العراق، وهذه المرة في كركوك.

الهاجس الرئيس في نفوس قادة أربيل تجاه نوايا حزب العمال في كركوك، تلك المدينة النفطية بالغة الأهمية للأكراد، جاءت على خلفية نشاط حركة المجتمع الحر الكردستاني، إحدى أذرع حزب العمال في العراق، والتي تسعى بنشاط لتأسيس حضور فعال لها في كركوك.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

العراقية نزيهة الدليمي أول امرأة تتولى حقيبة وزارية في العالم العربي
العراقية نزيهة الدليمي أول امرأة تتولى حقيبة وزارية في العالم العربي- تعبيرية

وردت أسماء الكثير من النساء المسلمات في كتب التراجم والطبقات باعتبارهن من العالمات اللائي قمن بإثراء العلوم الإسلامية على مر القرون. 

كما عُرفت العديد من النساء بالمشاركة في شؤون الحكم والسياسة، واشتهرت أخريات بأشعارهن. نلقي الضوء في هذا المقال على أبرز الشخصيات النسائية العراقية اللاتي أسهمن في ازدهار الحضارة الإسلامية.

 

الخيزران

هي جارية يمنية الأصل اشتراها الخليفة العباسي الثالث محمد بن عبد الله المهدي، وأحبها بشدة فأعتقها ثم تزوجها وصارت السيدة الأولى في البلاط. 

حظيت الخيزران بمكانة مُعتبرة في هرم السلطة العباسية واعتادت أن تدير بعضاً من شؤون الدولة، وأن تتصل بالقادة والوزراء. لمّا توفي زوجها وآل الحكم لابنها موسى الهادي، حاولت أن تنتهج النهج ذاته. في ذلك يقول ابن جرير الطبري في كتابه "تاريخ الرسل والملوك": "أرادت الخيزران أن تسلك به -يقصد موسى الهادي- مسلك أبيه من قبله في الاستبداد بالأمر والنهي…".

رفض الهادي مشاركة أمه في أعمال الخلافة والحكم، فاضطرت الخيزران أن تدبر مؤامرة للتخلص منه. يقول الطبري "دست إليه من جواريها لمّا مرض من قتله بالغم والجلوس على وجهه". لتقف بعدها بجوار ابنها الثاني هارون الرشيد، وعملت على مشاركته الحكم، لكنها سرعان ما توفيت عام 789، بعد عامين من وفاة الهادي.

زبيدة بنت جعفر

عُرفت زبيدة بنت جعفر بن أبي جعفر المنصور باعتبارها واحدة من أشهر النساء اللائي تربعن على هرم السلطة في الدولة العباسية. كان اسمها الحقيقي "أمة العزيز"، ولُقبها جدها المنصور بـ"زبيدة" لشدة بياضها.

تزوجت زبيدة من ابن عمها هارون الرشيد، وأتاح لها ذلك فرصة المشاركة في شؤون الحكم وإدارة الدولة. 

تُنسب لها العديد من المشاريع الخيرية الضخمة داخل بغداد وخارجها، كبنائها مسجداً كبيراً على نهر دجلة قرب قصر الخلافة، وتعميرها طريق الحج من الكوفة إلى مكة، وذلك عندما قامت بأداء "فريضة" الحج عام 187 هجرية، وهو الطريق الذي يعرف حتى الآن باسم "درب زبيدة".

إنجازات زبيدة وصلت أرض الحجاز، فعندما زارت مكة، لمست المعاناة الشديدة التي يمر بها الحجيج أثناء بحثهم عن الماء، فأمرت بحفر قنوات مائية كبيرة لسقي المياه. في هذا السياق، اشتهرت مقولتها لكبير العمال لمّا خوفها من ارتفاع تكاليف الحفر "اعمل ولو كلفتك ضربة الفأس دينار". يقال إنها أنفقت ما يزيد عن 1.700.000 دينار ذهبي في هذا المشروع.

كل تلك المشاريع، حدت بالباحث المعاصر لويس شيخو لأن يعتبرها المسؤولة الأولى عن النهضة التي عرفتها بغداد في عهد الرشيد. يقول شيخو في كتابه تاريخ الآداب العربية في القرن التاسع عشر والربع الأول من القرن العشرين: "...ولئن كنت رأيت له -أي هارون الرشيد- في تدبير المملكة ذلك التصرف الجميل فإني ما وجدته له في تدبير أهل بيته ومواليه وإنما يرجع الرأي في ذلك زوجه أم جعفر وهي أنفذ نساء العباسيين كلمة في الدولة...".

بشكل عام، بقيت ذكرى زبيدة حاضرة في العراق عبر القرون، ويعتقد الكثير من العراقيين خطأ أن زبيدة صاحبة المرقد المعروف باسم زمرد خاتون في وسط بغداد، ولكن في الواقع صاحبة هذا المرقد هي السيدة زمرد خاتون، أم الخليفة الناصر لدين الله العباسي الذي حكم بغداد في القرن الثالث عشر الميلادي.

رابعة العدوية

تُعدّ رابعة العدوية أشهر النساء المتصوفات على مدار التاريخ الإسلامي. عاشت رابعة في البصرة في القرن الثاني الهجري، ويُقال إنها سًميت برابعة لأنها كانت البنت الرابعة لأبيها. وتوفيت عام 180 هـ تقريباً.

تتحدث المصادر التاريخية عن المكانة المهمة التي حظيت بها رابعة العدوية بين أقرانها من العلماء والفقهاء، على سبيل المثال يذكر ابن الجوزي في كتابه "صفة الصفوة" أن الفقيه الكبير سفيان الثوري كان يقصدها لطلب العلم والدين، كما  وصفها بـ "المؤدبة التي لا يستريح إذا فارقها".

كذلك، وصفها ابن خلكان في وفيات الأعيان بأنها "من أعيان عصرها، وأخبارها في الصلاح والعبادة مشهورة...".

اشتهرت رابعة العدوية بحبها لذات الله، حتى عُرفت بـ "شهيدة العشق الإلهي" وتُحكى عنها الكثير من الروايات المثبتة لهذا الحب، من ذلك أن بعض الأشخاص شاهدوها يوماً ما وهي تتمايل، فلما سألوها عن السبب قالت لهم "سكرت من حب ربي الليلة، فأصبحت وأنا منه مخمورة".

كذلك عُرف عنها الزهد في ملذات الدنيا والتفرغ بشكل كامل للعبادة. يُقال إن واحداً من أغنياء البصرة أرسل لها ليعرض عليها الزواج، وأغراها بمهر عظيم فأجابت عليه برسالة جاء فيها "أما بعد، فإن الزهد في الدنيا راحة القلب والبدن، والرغبة فيها تورث الهم والحزن، فإذا أتاك كتابي فهيء زادك وقدم لمعادك، وكن وصي نفسك ولا تجعل وصيتك إلى غيرك، وصم دهرك واجعل الموت فطرك، فما يسرني أن الله خولني أضعاف ما خولك فيشغلني بك عنه طرفة عين، والسلام".

من جهة أخرى، تُنسب لرباعة العدوية العديد من القصائد التي اعتاد الصوفيون  ترديدها جيلاً بعد آخر، من ذلك:

"عرفت الهوى مذ عرفت هواك... وأغلقت قلبي عمن عاداك

وقمت أناجيك يا من ترى... خفايا القلوب ولسنا نراك

أحبك حبين حب الهوى... وحباً لأنك أهل لذاك

فأما الذي هو حب الهوى... فشغلي بذكرك عمن سواك

وأما الذي أنت أهل له... فكشفك لي الحجب حتى أراك"

ولدت زينب فواز في بلدة تبنين في جبل عامل بلبنان عام 1844. (مصدر الصورة: مجلة "المصور"، عدد خاص، سنة 1950).
من زينب فواز إلى منى الطحاوي.. أبرز الناشطات النسويات في العالم العربي
عرفت المنطقة العربية الحراك النسوي منذ فترة مبكرة. وظهرت العديد من الأفكار التقدمية الداعية لتحرير المرأة وإشراكها بشكل فعال في مختلف الأنشطة المجتمعية. نلقي الضوء في هذا المقال على مجموعة من أشهر الناشطات النسويات في العالم العربي المعاصر، لنرى كيف تمكن الحراك النسوي من التأثير على الأوضاع السياسية والاجتماعية.

شهدة الكاتبة

ولدت أم محمد شهدة بنت أحمد الإبري في سنة 484 هـ في بغداد لأسرة تجارية منحدرة من مدينة دينور. في شبابها، درست على يد أكبر المحدثين في بغداد، فيما بعد اضطلعت بمهمة رواية الحديث، واشتهرت بذلك حتى أُطلق عليها لقبا "مسندة العراق" و"فخر النساء".

ألفت شهدة كتاب بعنوان "العمدة من الفوائد والآثار الصحاح والغرائب"، كما روت بعض الكتب منها كتاب "العلم" ليوسف بن يعقوب القاضي، وكتاب "الأموال" لأبي عبيد، وكتاب "قرى الضيف" لابن أبي الدنيا، وكتاب "ذم المسكر" لابن أبي الدنيا. 

وحدث عنها مجموعة من كبار العلماء العراقيين كابن عساكر، والسمعاني، وابن الجوزي. وكتب عنها شمس الدين الذهبي في كتابه "سير أعلام النبلاء": "خالطت الدور والعلماء، ولها بر وخير...".

من جهة أخرى، كانت شهدة من بين العلماء المقربين للخليفة العباسي المقتفي لأمر الله. وبحسب ما تذكر الباحثة نجلاء كريم مهدي في دراستها "شهدة الكاتبة: قراءة في سيرتها وجهودها في العلوم الدينية" فإن الخليفة العباسي خصص لها أرضاً أقامت عليها مؤسسة تعليمية على ضفاف نهر دجلة، واستقبلت بها المئات من طلبة العلم، كما أوقفت عليها أموالاً كثيرة، لتصبح إحدى المؤسسات التعليمية المبكرة في العراق.

"أول طبيبة"، "أول محامية"، "أول وزيرة".. رائدات العراق في 100 عام الأخيرة
لم تتوان المرأة العراقية منذ تأسيس الدولة العراقية عام 1921 عن خوض كافة أنواع النضال لنيل حقوقها والحصول على المساواة مع الرجال والمساهمة بفاعلية في كافة مجالات الحياة وخدمة المجتمع، متحدية كافة العوائق السياسية والمجتمعية التي تقف في طريقها.

بولينا حسون

ولدت الصحافية بولينا حسون في مدينة الموصل العراقية عام 1895، وتنقلت في السنوات الأولى من حياتها بين مصر وفلسطين والأردن، ثم عادت للعراق عام 1922، بعد أن تأثرت كثيراً بالنهضة النسوية التي عايشتها أثناء فترة إقامتها في القاهرة على وجه الخصوص.

عام 1923، أصدرت حسون العدد الأول من مجلة "ليلى" وهي أول مجلة نسائية تصدر في العراق. ركزت المجلة على نشر موضوعات متنوعة حول تعليم المرأة وتحريرها ومشاركتها في ميادين العمل السياسي فضلاً عن بعض الجوانب الخاصة بتربية الأبناء والاقتصاد المنزلي والفنون والآداب. 

تضمن العدد الأول من مجلة "ليلى" نداء موجه إلى أعضاء أول مجلس تأسيسي عراقي. 

وفي 1923، خطت حسون خطوة أخرى مهمة في نشاطها النسوي عندما أسست أول نادي نسوي في العراق أسمته "نادي النهضة النسائية". لعب النادي جهوداً كبيرة في سبيل الحصول على الحقوق السياسية للمرأة العراقية بعد سنوات.

نازك الملائكة

وُلدت نازك الملائكة في 23 أغسطس 1923، في محلة العاقولية في بغداد. واسم عائلتها هو آل الجبلي، غير أن الأسرة عُرفت باسم الملائكة من قِبل الجيران والأصدقاء بسبب صفاتهم الأخلاقية الميالة للهدوء والسكينة.

تميزت أسرة نازك الملائكة بوجود العديد من الشعراء، الأمر الذي شجع نازك منذ نعومة أظافرها على قرض الشعر وإنشاده. 

في المرحلة الجامعية، درست نازك اللغة العربية وتخرجت من دار المعلمين العالية في سنة 1944، ثم التحقت بمعهد الفنون الجميلة، وتخرجت منه عام 1949. 

سافرت بعدها للولايات المتحدة الأميركية لمتابعة الدراسات العليا، وبعد عشر سنوات حصلت على شهادة الماجستير في تخصص الأدب المقارن. وبعد عودتها إلى العراق عملت نازك الملائكة كأستاذة محاضرة في جامعات بغداد والبصرة والكويت. 

في 1990، سافرت نازك الملائكة إلى مصر بالتزامن مع اندلاع حرب الخليج الأولى، واستقرت في القاهرة حتى توفيت عام 2007 عن عمر 83 عاماً، ودُفنت في مقبرة خاصة بالعائلة غربي القاهرة.

يرى الكثير من النقاد أن نازك الملائكة كانت من القلائل الذين تمكنوا من خلق حالة تجديدية حقيقية في ميدان الشعر العربي، فكانت أول من كتب الشعر الحر غير المقيد بالقافية في قصيدتها المسماة الكوليرا. 

فضلاً عن ذلك نشرت نازك العديد من الدواوين الشعرية المتميزة: "عاشقة الليل" في 1947م، و"شظايا ورماد" 1949، و"شجرة القمر" 1968، و"مأساة الحياة وأغنية الإنسان" 1977، و"الصلاة والثورة" 1978، كما أصدرت في 1962 كتابها "قضايا الشعر الحديث". 

تحدث بعض النقاد عن أثر نازك الملائكة على الوسط الشعري العراقي والعربي فقال: "نازك الملائكة لم تعد رمزاً من رموز الأدب والشعرية العراقية فحسب، بل أصبحت رائدة للشعر العربي بما طرحته مع السياب من قصيدة التفعيلة أو الشعر الحر، بل هي المرأة التي شقّت طريقها وسط الصعاب والمجتمع، لتكون الشاعرة المؤثّرة في الوسطين الأدبي والنسوي".

نزيهة الدليمي

ولدت نزيهة الدليمي عام 1923 في محلة البارودية ببغداد. بدأت دراستها الابتدائية والمتوسطة في مدرسة "تطبيقات دار المعلمات النموذجية". وفي 1939 أكملت دراستها الثانوية في المدرسة المركزية للبنات.

 في 1941، التحقت الدليمي بكلية الطب، وبعد تخرجها عملت في بعض المشافي الحكومية، مثل "المستشفى الملكي" ببغداد، ومستشفى "الكرخ"، وتنقلت بين بعض المدن العراقية. قبل أن يتم اختيارها ضمن إحدى البعثات العلمية التي درست مرض السل الذي تفشى بين السكان المقيمين قرب المياه.

بدأ النشاط النسوي لنزيهة الدليمي في أربعينيات القرن العشرين عندما التحقت بـ"الجمعية النسوية لمكافحة الفاشية والنازية".

بعد هزيمة دول المحور في الحرب، تغير اسم الجمعية إلى "رابطة نساء العراق"، وصارت الدليمي واحدة من قياداتها، وأشرفت على إصدار مجلة "تحرير المرأة". 

بعد فترة، قامت الحكومة العراقية بتفكيك الجمعية ومنعت نشر المجلة.

لم تيأس الدليمي، وحاولت أن تعيد النشاط النسوي إلى الواجهة مرة أخرى؛ فجمعت عشرات العراقيات اللائي تخرجن من الكليات وقدمت إلى الحكومة مقترحاً بتأسيس جمعية "تحرير المرأة"، لكنه قوبل بالرفض.

 يذكر الباحث موفق خلف غانم في كتابه "الدكتورة نزيهة الدليمي ودورها في تاريخ الحركة الوطنية والسياسية العراقية" أن الدليمي تابعت أنشطتها الحقوقية مع مطلع الخمسينيات. ففي 1950 شاركت في حركة "أنصار السلم العالمية" وكانت عضوة في اللجنة التحضرية التي كانت يرأسها محمد مهدي الجواهري. وبعد سنتين فقط، أُتيحت الفرصة للدليمي مواصلة النشاط النسوي عقب تأسيس "رابطة الدفاع عن حقوق المرأة العراقية"، لتُنتخَب كأول رئيسة لها.

في 1959، كُللت مجهودات الدليمي في مجالي الطب والعمل النسوي عندما تم اختيارها لتشغل منصب وزيرة البلديات في حكومة عبد الكريم قاسم. بموجبه، أضحت الدليمي أول امرأة تتسلم منصب وزير في تاريخ العراق والعالم العربي. 

ومن خلال منصبها الرفيع، تمكنت الدليمي من دعم الحركة النسوية في العراق، وذلك حين أسست "رابطة المرأة العراقية"، التي شاركت في صياغة قانون الأحوال الشخصية العراقي عام 1959.

اهتم هذا القانون بحقوق المرأة العراقية ووُصف بأنه "أول قانون تقدمي ليس في العراق فحسب، بل في المنطقة العربية كلها. وخطوة جريئة على طريق تطوير وضع المرأة"، كما يقول موفق خلف غانم في كتابه.