مواطن سوري يحمل صورة زعيم حزب العمال الكردستاني عبدالله أوجلان خلال مسيرة احتجاجية- تعبيرية
مواطن سوري يحمل صورة زعيم حزب العمال الكردستاني عبدالله أوجلان خلال مسيرة احتجاجية- تعبيرية

زار وزير الخارجية التركي هاكان فادان، العراق، لبحث عدة قضايا مع قادة بغداد، على رأسها سُبُل تقويض حزب العمال الكردستاني.

وبحسب التسريبات الإعلامية، تعهدت أنقرة بتعميق العلاقات الاقتصادية وزيادة كميات المياه المتدفقة إلى بلاد الرافدين، بشرط تعاونها مع تركيا في الإجهاز على حزب العمال الكردستاني.

لا يعدُّ هذا الطلب جديدًا، إذ سبق وأن أعربت تركيا مرارًا عن رفضها تمركز المسلحين الأكراد على الحدود، لهذا نفذت عدة عمليات عسكرية في عُمق الأراضي العراقية آخرها عملية "مخلب السيف" عام 2022، في خطوة أثارت غضب بغداد وندّدت بها.

المنظمة العسكرية الكردية مصنّفة كتنظيم إرهابي من قِبَل تركيا والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، وتتبنّى أنقرة رواية معادية لكافة أنشطة الحزب، معتبرة أنه يسعى لتفكيك الدولة التركية، وطيلة 30 سنة نفّذ عمليات عسكرية استهدفت أمنها وتسبّب في مقتل أكثر من 40 ألف تركي، وفقًا لما ذكره دياري صالح مجيد في دراسته "حزب العمال الكردستاني في العراق: قراءة جيوبولتيكية" عام 2019.

بسبب طول أمد النزاع وضخامة عدد ضحاياه أصبح حزب العمال الكردستاني يمثل أكبر مشكلة  تشغل المنطقة طيلة العقود الثلاثة الأخيرة، بحسب تعبير عامر الجومرد في بحثه "التكييف القانوني لما نجم عن عمليات مقاتلي حزب العمال الكردستاني".

 

النشأة: ثورية دموية

منذ بداية السبعينيات زاد الزخم الثوري في صفوف الشباب الكردي تأثرًا بالأفكار الماركسية اللينية التي اعترفت بالقوميات.

في 1974 تأسس اتحاد "طلبة الدراسات العليا في أنقرة"، وسعى لتجنيد الطلاب الأكراد في صفوفه، وتزّعمه عبدالله أوجلان الذي لُقِّب بـ"آبو". من هذا الاتحاد تكوّنت المجموعة القتالية "جيش التحرير القومي"، وبات أعضاؤها يُعرفون بِاسم "أتباع آبو".

وخلال عامٍ واحد انتقل أفراد هذه الجماعة من أنقرة إلى المناطق الكردية حيث بدأوا في شن عمليات عسكرية من هناك. لم يكن "العمال" أول حزب كردي ينتهج العنف لتنفيذ أجندته السياسية، إنما نشبت أول حركة كردية مسلحة سنة 1925 أعقبتها حركة "آرارات" (1927- 1931) ثم حركة "درسيم" (1937-1938)، وجميعها قُوبلت بقمعٍ عنيف من الحكومات التركية.

قبل الاستقرار على الاسم النهائي للحزب الكردستاني ظهر بأكثر من تسمية مختلفة؛ فمرة بِاسم "مؤتمر الحرية والديمقراطية الكردستاني" (KADEK)، كما حملت بعض أفرعه اسم "الجيش الشعبي لتحرير كردستان" (ARGK) ) وأيضًا ظهر فرع آخر حمل اسم "قوات الدفاع الشعبية" (HPG).

نفذت هذه المجموعات عمليات عسكرية محدودة مثل إرهاب المدنيين الأتراك أو التعدّي على بعض المسؤولين الحكوميين لذا لم تُصنّفهم تركيا بأكثر من أنهم مجرد "قُطاع طُرق".

لكن في 1979 حدث التطوّر العملياتي الأكبر حينما أُعلن دمج جميع هذه الفروع تحت مظلّة عسكرية واحدة هي "حزب العمال الكردستاني" (PKK)، وعُين أوجلان سكرتيرًا عامًا له.

وبسبب تبنّي الحزب نظام العمل العسكري اللامركزي، ظهر العديد من الفروع التي حملت اسما مستقلاً لكنها عملت عسكريا تحت إشرافه، مثل "مجلس شباب كردستان" و"حركة الشباب المستقل" و"حركة الشباب الديمقراطي" التي نشطت في إيران والعراق، و"حركة الشباب الحُر" العاملة في سوريا وأوروبا.

لم يكتفِ الحزب بتنفيذ عمليات في الأراضي التركية وحسب، إذ امتدّت أنشطته إلى الخارج أيضا فنفّذ عملية تفجير النقصلية التركية في ستراسبورج عام 1980.

في العام نفسه شهدت تركيا انقلابا عسكريا قاده كنعان إيفرين رئيس أركان الجيش وخلّف تصاعدًا حادًا للقومية التركية واتخاذ مواقف شديدة العداء تجاه الأكراد.

بناءً على هذا الوضع الجديد، اضطر أوجلان للهرب إلى سوريا حيث نجح في كسب ثقة الرئيس حافظ الأسد الذي سمح له بجلب مسلحيه إلى سوريا. وحتى عام 1984 أقام مقاتلو حزب العمال عشرات المعسكرات في سوريا ولبنان بمساعدة منظمة التحرير الفلسطينية.

نشط مقاتلو الحزب في استهداف دوريات الجيش والشرطة والثكنات العسكرية التركية، وما بين عامي 1989 و1990 نفّذ الحزب 251 عملية.

في 1998 ضاقت تركيا بالأنشطة الكردية العسكرية في سوريا فحشدت قوات عسكرية ضخمة من أجل تصفية المعسكر الرئيس لحزب العمال في "وادي البقاع"، وهو أرض لبنانية تسيطر عليها سوريا.

انتهت هذه الأزمة بإغلاق المعسكر وطرد أوجلان وأتباعه من سوريا فغادروا إلى العراق، وكانت بداية انتشارهم في شمال البلاد وتحديدًا في جبل قنديل.

 

العراق: علاقات معقدة جدا

منذ عام 1991 أصبحت منطقة كردستان العراق، شمال (خط 32)، ملاذًا آمنًا خصوصا أنها كانت تحت طائلة الحظر الجوي على هامش حرب الخليج الثانية، ما جعلها خارجة عن سيطرة بغداد، فصارت بيئة آمنة لحزب العمال للاستمرار في جذب وتدريب الأتباع وإقامة عشرات المخازن للأسلحة والمؤن.

في هذه المنطقة نجح الحزب الكردستاني في استغلال الجغرافيا الحدودية المعقدة بين العراق وإيران وتركيا لبناء قواعده العسكرية، وبات له حضور واضح في جبال قنديل، وهو الوجود الذي تعتبره أنقرة تهديدًا خطيرًا لها، حتى أن وزير الداخلية التركي سلَيمان حسن صويلو،  صرّح بأن "منطقة قنديل يجب أن تصبح مكانا آمنا بالنسبة لتركيا".

في المقابل، تتمنّى تركيا فصل "قنديل" عن بقية القرى المحيطة بها التي ينتشر بها مقاتلو حزب العمال وسيطروا عليها لعقودٍ طويلة، لذا لم تتوقف عن شنِّ هجماتٍ عسكرية ضد مقاتلي الحزب في هذه البقاع، حتى أنها في بعض المرات توغلت بقواتها مسافة 35 كيلومترًا في عُمق الأراضي العراقية لكنها حتى الآن لم تتمكن من إحراز نصرٍ حاسم في هذا الشأن.

في السابق، كانت هذه العمليات تتم بموافقة حكومة صدام حسين، فخلال انشغاله التام بحربه مع إيران اتفق مع تركيا على السماح لها بدخول الأراضي العراقية لتتبع الخلايا الكردية "بعمق 30 كيلومترا، وبقوة لا تزيد عن فرقة ولمدة لا تزيد عن 72 ساعة، بموجب اتفاق أمني يُجدد سنويا".

من جانبه، حاول أوجلان التوصل إلى حلٍّ مع الحكومة التركية فطالب بوقف النار ثم تراجع عن إقامة دولة مستقلة وطالبَ بإقامة منطقة حكم ذاتي تخضع فيدراليا إلى تركيا، وهي المطالب التي رفضتها أنقرة وواصلت عملياتها العسكرية ضد حزبه، حتى اعتقلته عام 1999 وحكم عليه بالإعدام ثم استبدلته بالسجن مدى الحياة.

وبرغم العمليات العسكرية المتواصلة ضد الحزب الكردي، إلا أنه تمكّن من الصمود. وفي 2014 ازداد رسوخا في العراق عقب سيطرة تنظيم داعش الإرهابي على مدينة الموصل.

لاحقا، اتهمت تركيا الحزب بالسعي لاستغلال الفراغ الناشئ عن قتال داعش للاستيلاء على المزيد من المُدن الإستراتيجية على رأسها تلعفر ذات الأغلبية التركمانية السُنية، وسنجار ذات الأغلبية الأيزيدية، التي شهدت اشتباكات بين مقاتلي البيشمركة وحزب العمال الكردستاني، مضيفة المزيد من التعقيد على الصراع الكردي-الكردي في العراق.

بشكلٍ عام فإن العلاقة بين الحزب الديمقراطي (الذي يقوده آل برزاني) وحزب العمال متوترة بشدة بسبب الاتهامات المتبادلة بين الطرفين بممارسة أنشطة ضارة بالآخر، واعتبر أن "أنشطة حزب العمال جرّت الإقليم إلى حربٍ لا يريد خوضها ضد تركيا، وأن قتاله المتواصل ضد أنقرة عطل خطط التنمية الموضوعة وأدّت لمقتل عشرات السكان المحليين".

فيما يتهم حزب العمال قادة أربيل بأنهم "عملاء لتركيا العدو الرئيس للقضية الكردية، وأنهم يقدمون العون لأنقرة في عملياتها العسكرية في قنديل وسنجار".

في المقابل، فإن حزب العمال يمتلك علاقة متوترة أيضا مع القطب السياسي الكردي الآخر وهو الاتحاد الوطني (الذي يقوده آل طالباني)، بلغت حدَّ إغلاق كل طرف مقرات الحزب الآخر في سنجار ثم السليمانية، وهو القرار الذي لاقى ترحيبا تركيا متوقعا.

الاتحاد الوطني مثله مثل الحزب الديمقراطي يتمنّى توثيق علاقته بأنقرة حتى تكون شريكا اقتصاديًا أكثر فاعلية لتصدير ثرواته الطبيعية للخارج وعلى رأسها النفط.

من ناحية أخرى، وبحسب دياري مجيد، فإن سياسيين عراقيين في بغداد لا يجدون بأسا من السماح لحزب العمال الكردستاني بالنمو في التربة العراقية ليكون ورقة ضغط مهمة في العلاقات العراقية التركية، كما أنه سيشكل توازنا هاما ضد نفوذ الحزب الديمقراطي الكردستاني الذي يمتلك علاقات متردية مع بغداد في الفترة الأخيرة.

هذه السياسة أثارت حفيظة أربيل التي طلبت من بغداد رسميًا عدم السماح لحزب العمال بالمشاركة في عملية تحرير الموصل، وسط تخوفات من قادة أربيل بأن يسعى الحزب للمزيد من التوغل في العراق، وهذه المرة في كركوك.

الهاجس الرئيس في نفوس قادة أربيل تجاه نوايا حزب العمال في كركوك، تلك المدينة النفطية بالغة الأهمية للأكراد، جاءت على خلفية نشاط حركة المجتمع الحر الكردستاني، إحدى أذرع حزب العمال في العراق، والتي تسعى بنشاط لتأسيس حضور فعال لها في كركوك.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

في 2015، منحت عشيرة عراقية في البصرة 51 امرأة من نسائها لعشيرة أخرى مقابل تسوية الخلافات بين الطرفين.
صورة تعبيرية لأفراد مسلحين من عشيرة عراقية- أرشيف

أدت العشائر العراقية دوراً بارزاً في تأسيس وتشكيل الدولة العراقية الحديثة منذ اختيار أول حكومة عام 1920، وحتى آخر انتخابات للمجالس المحلية أواخر العام الماضي 2023.

طوال تلك الفترة، وصفت العلاقة بين العشائر والحكومات العراقية بأنها "تخادمية" من جهة و"تصادمية" من جهة أخرى. فمدّ المصالح المشتركة المتعلق بشكل خاص بمواجهة التحديات الأمنية وفرض الاستقرار، يواجهه جَزراً من التصادمات تصل نتائجها إلى إسقاط حكومات، أو سحب يد الرعاية العشائرية خلال الانتخابات.

أحدث التوترات بين العشائر والحكومة برزت في أغسطس الماضي، حين ثارت عشيرة محافظ ديالى السابق مثنى التميمي ضد اختيار محافظ من قبيله أخرى بعد انتخابات مجالس المحافظات 2023. 

عمد أبناء العشيرة إلى إغلاق دوائر حكومية من ضمنها مراكز للشرطة، وأظهرت مقاطع فيديو تجمعاً كبيراً يردد أهزوجة "ديالى إلنا، وما ننطيها" وهي تعني التمسك بالمنصب.

أما أقوى مواقف العشائر فجاءت في يوليو 2022 عندما أُعلن عن ترشيح محمد شياع السوداني لرئاسة الوزراء، فغرد ضده محمد صالح العراقي المعروف بـ "وزير الصدر"، الأمر الذي اعتبرته قبيلة السودان "إهانة وإساءة" لها.

وقالت في بيان "نحتفظ بكافة وسائل الرد العشائري التي خبرها العدو قبل الصديق لمن يريد المساس باسم قبيلتنا"،  ورفضت استخدامه "في الطحن الجاري بين المتنافسين على رقاب العراقيين".

عنصران من مقاتلي العشائر في محافظة الأنبار- أرشيف وكالة الصحافة الفرنسية
من البونمر إلى الترابين.. عشائر قاومت إرهاب "داعش"
تأسيس مجالس الصحوة كان بمثابة مفترق طرق بين داعش وبين أغلب العشائر العربية في العراق. وكان يمكن أن تكون تجربة ناجحة يُشَيد عليها ما سيأتي من جهود للقضاء على الإرهاب لولا الحسابات الطائفية لبعض رموز العملية السياسية في العراق، والتي أدت في النهاية إلى تهميش رجال الصحوة، والتنصل من وعود دمجهم في أسلاك الجيش والشرطة.

العشائر وبناء الدولة

كان هناك دور كبير للعشائر في تشكيل الحكومات العراقية المتعاقبة منذ عام 1920، كما يقول الدكتور كتاب الجبوري في بحثه المعنون "العشائر العراقية ودورها في التكامل السياسي والحضاري في العراق حتى نهاية العهد الملكي 1958".

خلال تشكيل الحكومة العراقية وبعد أحداث "ثورة العشرين" التي قادتها عشائر الفرات الأوسط "أدركت بريطانيا أن دور العشائر لا يمكن أن يكون هامشياً في مجتمع يشكل فيه العرف العشائري نظاماً عتيداً". 

ولذلك، بحسب الجبوري "دعت السلطات البريطانية الشيوخ الموالين لها، ومنحتهم الأراضي وسجلتها بأسمائهم، وخولتهم فض النزاعات الناشئة، وعينت لهم مأمورين وحمايات لتنفيذ أوامرهم".

هذا السلوك البريطاني كان يهدف إلى "تقوية دورهم أزاء آخرين لم ينخرطوا تحت لوائها، وعارضوا تشكيل حكومة وطنية في ظل الاحتلال"، ولهذه الأسباب لجأت إلى عقد مؤتمر لاختيار حاكم عربي للعراق "نزولاً عند رغبة العراقيين في تحديد نوع الحكم الذي ارتضوه أن يكون ملكياً".

رشح عدد من الشيوخ والوجهاء أنفسهم لحكم العراق، منهم طالب النقيب (نقيب أشراف البصرة وعضو مجلس المبعوثان العثماني سابقاً) الذي صرح بأن العراقيين أولى بحكم بلادهم. ورشح الشيخ خزعل (أمير المحرمة وشيخ قبيلة كعب العربية التي تسكن الحويزة والعمارة).

ذكر الجبوري أنه رغم ترشيح هذه الأسماء، إلا أن غالبية شيوخ العشائر استقر رأيها لصالح الأمير فيصل ابن الشريف حسين أمير مكة ليكون ملكاً على العراق.

أعضاء في عشائر عراقية يحملون الأسلحة - صورة تعبيرية
يرفضها شيوخ العشائر ورجال الدين.. العراضات المسلحة في العراق
أثارت مقاطع فيديو وصفها متابعون على مواقع التواصل الاجتماعي بـ"الصادمة" لمسلحين يطلقون آلاف الأعيرة النارية خلال تشييع الشيخ رفات جياد الشعلاني في محافظة المثنّى، جدلاً كبيراً في العراق، وأعادت فتح النقاش حول "العراضات العشائرية" وما ينتج عنها من ضحايا.

العهد الملكي

ما أن وصلت بريطانيا إلى البصرة حتى عرفت أهمية النظام العشائري في المجتمع فأصدرت قانون "بيان العشائر" وألزمت السكان بتطبيقه عام 1915، ثم وسعت مساحة القانون حين دخلت بغداد بعدها بعامين واستمر حتى  صدور نظام دعاوى العشائر 1924.

وفي أول انتخابات برلمانية شكل رجال العشائر أكثر من 19% من مجموع أعضاء أول برلمان عراقي منتخب 1925. يشير الجبوري إلى أن "انتماء الشيخ إلى مجلس النواب أو حصوله على منصب إداري لدى الحكومة كان يجعل أفراد عشيرته مؤيدين ومساندين للدولة".

بعد دخول العراق "عصبة الأمم" (الأمم المتحدة سابقاً) في 1932 واكتسابه نوعاً من السيادة، وتراجع الدور البريطاني، ازداد نفوذ العشائر والشيوخ، واستغلت بعض الأحزاب ضعف الدولة وأخذت تستقوي بالعشائر وتعتمد عليها بوجه الحكومة والتنظيمات السياسية المعارضة لها.

ولهذه الأسباب اتسمت العلاقة بين الدولة والعشيرة بالتوتر خلال العهد الملكي، إذ كانت بعض النخب التي تتناوب على السلطة عندما تصبح في المعارضة تلجأ لتحريض العشائر ضد الحكومة التي كانت تعاني من الضعف في البداية، كما يقول فلاح الزهيري في بحثه "العشيرة وإستراتيجية بناء الدولة المعاصرة في العراق ما بعد 2003".

ورأى الزهيري أن هناك "علاقة عكسية بين الدولة والعشيرة، أي كلما ضعفت الدولة استقوت العشيرة والعكس صحيح". امتد ذلك حتى سقوط الملكية 1958 وقيام النظام الجمهوري، الذي أصدر قراراً بإلغاء حكم العشائر، فجرد الشيوخ من سلطتهم القانونية، كما أصدر قانون الإصلاح الزراعي الذي ضرب مصالحهم الاقتصادية ليحقق انقلاباً جذرياً في المجتمع العراقي.

"شيوخ التسعينات"

لم تغب العشيرة عن دورها المؤثر إلا في حقبة السبعينيات، عندما حث العراق كدولة خطاه باتجاه استكمال مستلزمات التحول إلى المدنية والعصرنة، بالاعتماد على المنظومة العلمانية لحزب البعث الذي لم يفسح المجال لأي سلطة أخرى في منافسته أو الاقتراب من خطوط نفوذه، كما يقول واثق السعدون في بحث "الأدوار السياسية للعشائر العربية في العراق المعاصر".

تغير الأمر نوعاً ما بدخول العراق إلى الحرب مع إيران (1980-1988)، حيث وظفت السلطة السياسية العشيرة في رص الصفوف الداخلية والإسهام العسكري. وقادت الأوضاع التي نشأت بعد عام 1991 إلى حالة واضحة من الضعف في أركان مؤسسات النظام السابق، ما دفعه إلى الاستعانة بالنظام العشائري بعد إعادة تنظيمه، لفرض السيطرة على المجتمع المنهك، فنمت مظاهر عشائرية جديدة لتملأ فراغ المجتمع المدني المغيّب.

في بحث بعنوان "تاريخ الاستخدام السياسي للهوية المحلية العشائرية في العراق: تخادم الدولة والمشيخة"، يقول كريم حمزة إن العشائر عادت لتكسب قوتها ونفوذها ليس بسبب ضعف الدولة فحسب، بل لأن الدولة شجعتها وظهر ما يسمى "شيوخ التسعينات".

هي تسمية لم تكن معروفة على الساحة الاجتماعية، لكنها استمدت شرعيتها من السلطة الحاكمة آنذاك، التي عمدت إلى تفتيت العشائر الكبيرة وتقسيمها وتنصيب شيوخ وزعماء عشائر جدد موالين لها ومرتبطين بأجهزة السلطة.

وأعادت الظروف إلى المجلس العشائري "قيمته الاعتبارية في حل المشكلات خلال المنازعات. مع ملاحظة أن الدولة حاولت حفظ طابعها الحضري من خلال انتماء الشيوخ إلى حزب السلطة بحيث يكون الولاء الأول للحزب"، بحسب حمزة.

التغيير

ما إن سقط نظام البعث حتى تبدلت مكانة الشيوخ الذين كانوا مقربين منه ويتمتعون بالنفوذ والقوة حيث "تم اعتقالهم من القوات الأمريكية كما تم اغتيال قسم منهم"، كما ذكر السعدون.

وجرت الاستعانة بقيادات العشائر المعروفة مثل اختيار المهندس غازي عجيل الياور (عمه شيخ عشيرة الجربا أول رئيس للعراق بعد 2003)، وتسمية عدنان الجنابي (شيخ عموم عشيرة الجنابيين) وزير دولة في أول حكومة بعد عام 2003.

السبب في ذلك كما يشير السعدون في بحثه، أن "حاجة الزعامات الحزبية إلى قاعدة جماهيرية لم تكن متوفرة لها، وذلك من خلال التخادم مع الأحزاب والتيارات الدينية التي هيمنت على الساحة السياسية في العراق". 

يشرح السعدون حالة التخادم التي تحدث عنها بأنها تمثلت بـ "حاجة الزعامات العشائرية إلى دعم الأحزاب لاستعادة نفوذها التقليدي" ، ومن جهة أخرى كانت الأحزاب بحاجة "توسيع قاعدتها الشعبية".

وهكذا وجد زعماء ووجهاء وقبليون طريقهم إلى مجلس النواب، وحصل بعضهم على مناصب وزارية "إلا أن تسميتهم كثيراً ما جاءت من خلال الأحزاب الدينية التي احتوتهم، وإن كانوا اعتمدوا على أصوات قبائلهم في مناطق انتشارها إلى حد كبير للحصول على مقاعدهم النيابية".

حاجة الحكومة للعشائر لم تتوقف عند الترشيح للانتخابات وحصد الأصوات، فعدم الاستقرار الأمني بعد ظهور تنظيم القاعدة أدى إلى  الاستعانة بالعشائر  لمحاربته من خلال تنظيم "صحوة العراق" و "مجالس الإنقاذ"، ثم تشكيل "مجالس الإسناد العشائرية".

وحتى 2010 وصل عددها إلى 242 مجلساً ضم 6480 من شيوخ ووجهاء العشائر العراقية من الشمال إلى الجنوب، بدعم من رئيس الوزراء وقتها نوري المالكي سياسياً ومالياً، حتى تم إلغاؤها في 2015 من قبل حيدر العبادي بسبب الأزمة المالية التي أعقبت الحرب على داعش، وانخفاض أسعار النفط.

شريكة بصنع القرار

بعد عام 2003، كما يقول الزهيري في بحثه، ظهر على صعيد السلطة التنفيذية ما يسمى بـ"عائلية السلطة"، وذلك عبر سيطرة مجموعة من الموظفين ينتمون لعائلة واحدة على إدارة مؤسسة حكومية أو عدة دوائر مهمة فيها.

فضلاً عن ذلك يمكن ملاحظة دور العامل العشائري على المستوى الإداري إذ يتم التعيين على أساس العلاقات العشائرية وليس على أساس الكفاءة.

أما على المستوى السياسي، فقبل كل انتخابات برلمانية أو محلية تتسابق الأحزاب العراقية في حملة انتخابية مبكرة، يتم خلالها التركيز على شيوخ العشائر العراقية والزعامات القبلية الذين يملكون عدد كبير من الأصوات، بحكم سيطرتهم على توجهات أفراد عشائرهم.

ويضع الزهيري فترة الترشيح للانتخابات الدورة البرلمانية الثالثة (2014 – 2018) تحت المجهر إذ شهدت العديد من مظاهر الاستناد للعشيرة، منها توجه نائبة إلى عشيرتها بعد خلاف سياسي نشب مع الناطق الرسمي في "تيار الحكمة".

كما تعرض رئيس البرلمان لمحاولة إقالة من خلال رفضه بالأغلبية. لكن عشيرته خرجت في مؤتمر صحافي رافضة للإقالة. فضلاً عن احتجاج عشيرة وزير الدفاع السابق حين تعرض لاستجواب في البرلمان.

يرى الزهيري أن هذه المناصب "أصبحت كأنها ملك للعشيرة بالتالي يجب ألا يتم التنازل عنها"، مشيراً إلى وجود "خلل كبير في "نمطية التفكير السياسي لدى  النخب التي تتقوى بعشيرتها دون أجهزة الدولة".

في السياق ذاته، يرى السعدون أن العشائر العراقية قبل 2003 كانت "قريبة من جميع الحكومات المتعاقبة. إلا أنها لم تكن شريكة في صناعة القرار". لكن، بعدها وبسبب حاجة الأحزاب السياسية الجديدة للقواعد الشعبية "أصبحت قريبة من السلطة، ومشاركة بفاعلية في صنع القرار، ومؤثرة في العملية السياسية".

وتوصل من خلال بحثه إلى استنتاج مفاده أن العشائر "ستبقى أعواماً كثيرة مقبلة ركيزة مهمة من ركائز العملية السياسية في العراق، وستبقى عاملاً مهماً يؤثر في تفاعلات تلك العملية".