Turkey's Foreign Minister Hakan Fidan meets Iraq's Foreign Minister Fuad Hussein, in Baghdad
منذ بضعة أيام أجرى وزير الخارجية التركي هاكان فيدان زيارة إلى العراق لبحث عددٍ من القضايا المشتركة- ا ف ب

منذ بضعة أيام أجرى وزير الخارجية التركي هاكان فيدان زيارة إلى العراق لبحث عددٍ من القضايا المشتركة، على رأسها النفط ومياه نهري دجلة والفرات والمشكلة الكردية فضلاً عن العمل على تعزيز التعاون المشترك بين البلدين في المجالات الأمنية.

تشكل هذه العناوين القضايا الرئيسة التي حكمت العلاقة الطويلة بين البلدين، التي تأرجحت بين التحالف والتعاون العسكري وبين العداء واحتمالات وقوع الحرب بينهما.

بالعودة لجذور هذه العلاقة، نبدأ بسيطرة الإمبراطورية العثمانية على العراق منذ عام 1534، ليبقى تحت سيادتها حتى نهاية الحرب العالمية الأولى بهزيمة الأتراك.

في 1920 تقرّر وضْع العراق تحت الانتداب البريطاني تمهيداً للاعتراف به دولة مستقلة ذات سيادة، أما تركيا فاستولى عليها الضباط الاتحاديون وأعلن مصطفى أتاتورك إقامة الجمهورية التركية في 1923.

عقب قيام دولتين حديثيتن في كلٍّ من العراق وتركيا تحتّم تعيين الحدود بينهما، وهو ما فجّر مشكلة الموصل حينما احتدم النزاع بين تركيا من جهة وبين البريطانيين الذين بسطوا سيطرتهم على العراق من جهة أخرى بسبب تصارع كل فريق على ضمِّ الموصل -ذات الموارد النفطية الضخمة- إلى أراضيه.

في أكتوبر 1925 صرّح أتاتورك قائلاً "إننا نريد كل ولاية الموصل على جانبي دجلة والفرات، إننا لن نتخلى عن وجهة النظر هذه".

فشل الجانبان في التوصل إلى حلٍّ سلمي، فتم اللجوء إلى عصبة الأمم التي شكّلت لجنة دولية لبحث الأمر وأوصت بأحقية العراق في الموصل.

انتهت المشكلة بمعاهدة 1926 التي اعترفت فيها تركيا بالموصل جزءاً من العراق على أن تحصل على 10% من عائدات النفط المستخرج من المنطقة لـ25 سنة قادمة.

بعدها تحسّنت العلاقة بين البلدين وتعاونا على وأد تطلعات الآشوريين في إقامة دولة منفصلة لهم. وفي 1926 وقعتا اتفاقاً أمنياً لتبادل الخبرات والسلاح، واستمرت العلاقة وطيدة بين تركيا والعراق طيلة العهد الملكي، وانضمتا معاً إلى "حلف بغداد" بجانب إيران وباكستان، لتدخل في صدام مع التيار العروبي في مصر وسوريا.

وعقب اندلاع انقلاب 1958 اتخذت أنقرة موقفاً معادياً حتى أنها دعت أمريكا للتدخل العسكري في العراق لسحق هذا "التمرد الذي أُعدّ من قبل الناصريين" كما كانت تقول. ونتيجة لذلك الموقف ساءت العلاقة بين البلدين ولم تتحسن إلا في بداية السبعينيات عقب وفاة الرئيس المصري جمال عبدالناصر وانحسار التيار العروبي في الشرق الأوسط.

 

حياد متقطع إزاء حروب البعث

عندما اندلعت الحرب مع إيران التزمت أنقرة موقفاً محايداً صارماً، فامتنعت عن توريد السلاح لأي من طرفي الحرب وأعلنت رفضها استخدام القواعد العسكرية لحلف شمال الأطلسي للقيام بأي أعمال عسكرية.

هذا الحياد لم يمنع من محاولة التوسط لإنهاء النزاع خوفاً من أن يثير توتراً عارماً في المنطقة ستكون تركيا أولى ضحاياه.

خلال القتال المشتعل بين البلدين تزايدت هجمات الأكراد في شمال العراق، الأمر الذي أثار موجة من الخوف في تركيا من احتمالية تأسيس دولة كردية في العراق بدعمٍ من إيران، فظفرت أنقرة من بغداد في 1983 باتفاق أمني يسمح لتركيا التوغل في عمق الأراضي العراقي ومطاردة العناصر الكردية وإقامة عمليات عسكرية لمدة لا تزيد عن ثلاثة أيام.

عقب انتهاء الحرب مع إيران وغزو الكويت سنة 1990، لم يتكرر الحياد التركي، فبادر علي بوزر وزير خارجيتها بالتصريح بأن "الاحتلال غير مقبول وأنه من الضروري الانسحاب من الكويت". وحاولت تركيا أن يقتصر موقفها على الرفض الدبلوماسي خوفا من خسارة مليارات الدولارات حصيلة مرور النفط العراقي عبر أراضيها. 

خلال حرب الخليج الثانية، لم تمتلك أي دولة عضوة في "الناتو" حدوداً مع العراق إلا تركيا، ما جعلها تحتلُّ أهمية كبرى في خطة الولايات المتحدة لقصف العراق، لذا أغرت أميركا أنقرة بحوافز اقتصادية ضخمة مقابل تعاونها معها ضد العراق.

من خلال القواعد التركية انطلقت طائرات التحالف التي هاجمت العراق وفرضت حظراً جوياً على المناطق الكردية شمالا، وأيضًا أعلنت تركيا إغلاق خط أنابيب النفط العراقي وإيقاف التبادل التجاري وتجميد الأرصدة العراقية في بنوكها، كما منعت سُفن الأغذية والأدوية من الوصول إلى بغداد.

هذا الموقف برّره الرئيس التركي أوزال قائلاً "العراق كان يشكل تهديداً كبيراً لجيرانه، وكان سيضر بسوريا أو تركيا بعد إيران والكويت".

وحينما فكّر أوزال في إرسال وحدة عسكرية للمساهمة في إخراج العراق من الكويت عنوة، انهالت الانتقادات عليه، فقام عددٌ من قادة أحزاب المعارضة بزيارة العراق تعبيراً عن رفضهم لأي عملية عسكرية ضده.

صرّح نجم الدين أربكان زعيم حزب الرفاه المعارض، آنذاك، أن أوزال "لا يستند إلى شيءٍ سوء إرضاء أميركا"، كما تقدّم وزير الخارجية علي بوزر باستقالته، تبعه وزير الدفاع صفاء غيري،  ثم رئيس الأركان نجيب تورمطاي، ونظمت الأحزاب اليسارية والإسلامية مظاهرات حاشدة في العاصمة أنقرة، فاضطر أوزال للتراجع عن التدخل العسكري واكتفى بتقديم تسهيلات عسكرية للولايات المتحدة وحلفائها.

رغم التسهيلات الاقتصادية التي حصدتها أنقرة من أميركا، إلا أنها لم تعوّضها عن خسارتها شريكا تجاريا مهما مثل العراق، فقدرت وزارة الخزانة والتجارة التركية خسائرها من هذه الأزمة بما يزيد عن 6 مليارات دولار.

 

الأكراد والتركمان

يمثل أكراد العراق الذين يعيشون في مناطق حدودية مع تركيا، مشكلة مزمنة بسبب صراعاتهم المستمرة ضد أنظمة دول المنطقة، رغبةً منهم في إقامة دولة مستقلة.

في 1974 صدر قانون الحُكم الذاتي من العراق، وهي خطوة أثارت غضباً في أنقرة بعدما اعتبرتها تحريضاً لأكراد تركيا على المطالبة بمثل هذه الأوضاع.

في معرض غضب تركيا من القانون العراقي لوّح بعض مسؤوليها بالتدخل عسكرياً والاستيلاء على الموصل بدعوى أنها أرض تركية بالأساس، هذا الخلاف جرى حلّه لاحقاً انطلاقاً من الموقف الراسخ لكلا الدولتين من تأسيس كيانٍ مستقل للأكراد.

وفي 1984 توصلا إلى اتفاقية "المطاردة الحثيثة" التي منحت لتركيا الحق في مطاردة المسلحين الأكراد داخل أراضي العراق.

لم تُحل هذه المشكلة حتى الآن، وسط استمرار العمليات العسكرية التي ينفذها الجيش التركي في شمال العراق لمطاردة عناصر حزب العمال الكردستاني.

في السياق، مثل التركمان أهمية كبيرة، باعتبارهم "أتراك العراق". وفي 1988 استحدثت وزارة الخارجية التركية إدارة "الجاليات التركية في الخارج"، التي هدفت إلى العناية بالأقليات التركية في الدول المجاورة وعلى رأسها العراق.

في أعقاب حرب الخليج الثانية، صرّح أوزال بأن "إعادة تكوين العراق يجب أن تضمن حقوقاً ديموقراطية للشعب العراقي بما في ذلك الأقلية التركية".

ورعت تركيا تدشين "الحزب العراقي القومي التركماني" الذي تأسس في أنقرة، واهتمت بتقديم دعمٍ كبير له ولغيره من الأحزاب التركمانية المنتشرة شمالي العراق. كما سعت للقيام بـ"أنشطة تتريكية" في أربيل عبر إقامة عدة مدارس تتبع النهج التركي وترفع صور أتاتورك مؤسس الدولة التركية.

جانب من نهر دجلة في منطقة الكاظمية في بغداد
نائب عراقي: سنخسر ثلثي أراضينا الزراعية جراء تشغيل سد تركي
قال رئيس كتلة بدر النيابية العراقية محمد ناجي الأحد إن العراق سيخسر نحو ثلثي أراضيه الزراعية إذا تم تفعيل سد أليسو الذي تبنيه تركيا على نهر دجلة.

وأضاف ناجي في مؤتمر صحافي إن تركيا "لا تعترف بحقوق العراق التاريخية والطبيعية بنهر دجلة، كما أنها لا تعترف بقواعد القانون الدولي".

السدود وحق العراق في المياه

في ظِل خضوع العراق وسوريا للانتداب البريطاني والفرنسي وقّعت الدولتان مع تركيا اتفاقية 1920 لتنظيم استغلال المياه، وهي المعاهدة التي استمرّ العراق وسوريا في الالتزام بها بعد حصولهما على استقلالهما.

عام 1946 وقّعت بغداد وأنقرة بروتوكولاً لتنظيم الانتفاع بمياه نهري دجلة والفرات وروافدهما، في هذا البروتوكول تعهّدت أنقرة بإطلاع العراق على خططها بالمشاريع التي تنوي إقامتها على النهرين، وهو ما تجدّد في 1972 حينما وعدت أنقرة بغداد بإطلاعها على برنامج ملء خزان "كيبان" لتلافي وقوع أي ضرر في احتياجات العراق من الماء.

رغم هذا ظلت مشكلة التدفقات المائية تتجدد من كل فترة لأخرى بسبب توالي إنشاء تركيا اللسدود على النهرين، الأمر الذي كان يثير احتجاجاً عراقياً بسبب التخوف من انخفاض منسوب النهر وتلويث مياهه.

مثلاً في 1999 أعلنت وزارة الري العراقية أن "السدود التركية تشكل انتهاكاً خطيراً لحقوق العراق". ومن منطلق وقوع منابع دجلة والفرات في الأراضي التركية فإن نقاشاً دار دائماً بين البلدين ومعهما سوريا حول كيفية تعيين حصص مائية للدول الثلاثة، وهي نقطة أثارت خلافاً مستمراً بينها لم يُحل حتى اليوم، خاصة في ضوء اقتناع أنقرة بأن من حقوقها السيادية إقامة ما تريد من مشاريع وسدود على المجاري المائية التي تسير في أراضيها دون استشارة أيٍّ من جيرانها.

هذا الموقف عبّر عنه الرئيس التركي سليمان دميرل في 1990 قائلاً "لا يجب أن تخلق السدود التي تبنيها تركيا على نهري دجلة والفرات أي مشكلة دولية، إنهما ليسا من الأنهار الدولية وإنما هما من الأنهار التركية حتى النقطة التي يغادران فيها الإقليم التركي".

وفي 1992 خلال حفل افتتاح "سد أتاتورك"، صرّح دميرل أن "المياه التي تنبع من تركيا هي ملك لتركيا، والنفط هو ملك البلدان التي ينبع فيها، ونحن لا نقول لهم إننا نريد مشاركتهم في نفطهم، كما أننا لا نريد مشاركتهم مياهنا".

تطوّر هذا الموقف في 1993 حين صرّح وزير تركي بأن "على العراق وسوريا أن تدفعا ثمن مياه نهر الفرات المتدفقة عبر أراضيهما"، مردفاً: "هذان النهرين تركيان مئة بالمئة، إنهما ينبعان من أراضينا".

نبع هذا الموقف التركي المتشدد من حالة الضعف التي أصابت العراق عقب حربي الخليج الأولى والثانية وهو ما كشف عنه الرئيس التركي أوزال بقوله "لولا الحرب العراقية-الإيرانية ما كان لمشروع سد أتاتورك أن يبصر النور".

,من أجل ملء خزان "سد أتاتورك"، أوقفت تركيا إمدادات الماء للعراق عبر نهر الفرات لمدة شهرٍ كامل.

وبشكلٍ عام، فإن العراق عانى من من أضرارٍ قاسية بسبب هذه المشاريع حتى أن بعض الدراسات قدّرت نسبة الانخفاض في إيراداته المائية بـ80% تقريباً، ما سيكون له تأثيرات سلبية على 40% من الأراضي الزراعية وسيمسُّ بحياة 10 ملايين فرد يعملون في تلك المناطق.

الأهوار جنوب العراق
"الأهوار جنوب العراق".. تغير المناخ وسدود تركيا وسوريا تهدد المنطقة المسالمة
ألقت صحيفة نيويورك تايمز الضوء على منطقة "الأهوار جنوب العراق" وهي مسطحات مائية تقع بالقرب من الحدود الجنوبية الشرقية لبلاد الرافدين، لتظهر وكأنها واحة في وسط الصحراء، لكنها تواجه خطر الجفاف من حين لآخر لعدة أسباب.

وتضم هذه المنطقة مدن أور وأوروك وإريدو السومرية القديمة، التي أُنشئت في بلاد ما بين النهرين بين الألفيتين الرابعة والثالثة قبل

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

في 2015، منحت عشيرة عراقية في البصرة 51 امرأة من نسائها لعشيرة أخرى مقابل تسوية الخلافات بين الطرفين.
صورة تعبيرية لأفراد مسلحين من عشيرة عراقية- أرشيف

أدت العشائر العراقية دوراً بارزاً في تأسيس وتشكيل الدولة العراقية الحديثة منذ اختيار أول حكومة عام 1920، وحتى آخر انتخابات للمجالس المحلية أواخر العام الماضي 2023.

طوال تلك الفترة، وصفت العلاقة بين العشائر والحكومات العراقية بأنها "تخادمية" من جهة و"تصادمية" من جهة أخرى. فمدّ المصالح المشتركة المتعلق بشكل خاص بمواجهة التحديات الأمنية وفرض الاستقرار، يواجهه جَزراً من التصادمات تصل نتائجها إلى إسقاط حكومات، أو سحب يد الرعاية العشائرية خلال الانتخابات.

أحدث التوترات بين العشائر والحكومة برزت في أغسطس الماضي، حين ثارت عشيرة محافظ ديالى السابق مثنى التميمي ضد اختيار محافظ من قبيله أخرى بعد انتخابات مجالس المحافظات 2023. 

عمد أبناء العشيرة إلى إغلاق دوائر حكومية من ضمنها مراكز للشرطة، وأظهرت مقاطع فيديو تجمعاً كبيراً يردد أهزوجة "ديالى إلنا، وما ننطيها" وهي تعني التمسك بالمنصب.

أما أقوى مواقف العشائر فجاءت في يوليو 2022 عندما أُعلن عن ترشيح محمد شياع السوداني لرئاسة الوزراء، فغرد ضده محمد صالح العراقي المعروف بـ "وزير الصدر"، الأمر الذي اعتبرته قبيلة السودان "إهانة وإساءة" لها.

وقالت في بيان "نحتفظ بكافة وسائل الرد العشائري التي خبرها العدو قبل الصديق لمن يريد المساس باسم قبيلتنا"،  ورفضت استخدامه "في الطحن الجاري بين المتنافسين على رقاب العراقيين".

عنصران من مقاتلي العشائر في محافظة الأنبار- أرشيف وكالة الصحافة الفرنسية
من البونمر إلى الترابين.. عشائر قاومت إرهاب "داعش"
تأسيس مجالس الصحوة كان بمثابة مفترق طرق بين داعش وبين أغلب العشائر العربية في العراق. وكان يمكن أن تكون تجربة ناجحة يُشَيد عليها ما سيأتي من جهود للقضاء على الإرهاب لولا الحسابات الطائفية لبعض رموز العملية السياسية في العراق، والتي أدت في النهاية إلى تهميش رجال الصحوة، والتنصل من وعود دمجهم في أسلاك الجيش والشرطة.

العشائر وبناء الدولة

كان هناك دور كبير للعشائر في تشكيل الحكومات العراقية المتعاقبة منذ عام 1920، كما يقول الدكتور كتاب الجبوري في بحثه المعنون "العشائر العراقية ودورها في التكامل السياسي والحضاري في العراق حتى نهاية العهد الملكي 1958".

خلال تشكيل الحكومة العراقية وبعد أحداث "ثورة العشرين" التي قادتها عشائر الفرات الأوسط "أدركت بريطانيا أن دور العشائر لا يمكن أن يكون هامشياً في مجتمع يشكل فيه العرف العشائري نظاماً عتيداً". 

ولذلك، بحسب الجبوري "دعت السلطات البريطانية الشيوخ الموالين لها، ومنحتهم الأراضي وسجلتها بأسمائهم، وخولتهم فض النزاعات الناشئة، وعينت لهم مأمورين وحمايات لتنفيذ أوامرهم".

هذا السلوك البريطاني كان يهدف إلى "تقوية دورهم أزاء آخرين لم ينخرطوا تحت لوائها، وعارضوا تشكيل حكومة وطنية في ظل الاحتلال"، ولهذه الأسباب لجأت إلى عقد مؤتمر لاختيار حاكم عربي للعراق "نزولاً عند رغبة العراقيين في تحديد نوع الحكم الذي ارتضوه أن يكون ملكياً".

رشح عدد من الشيوخ والوجهاء أنفسهم لحكم العراق، منهم طالب النقيب (نقيب أشراف البصرة وعضو مجلس المبعوثان العثماني سابقاً) الذي صرح بأن العراقيين أولى بحكم بلادهم. ورشح الشيخ خزعل (أمير المحرمة وشيخ قبيلة كعب العربية التي تسكن الحويزة والعمارة).

ذكر الجبوري أنه رغم ترشيح هذه الأسماء، إلا أن غالبية شيوخ العشائر استقر رأيها لصالح الأمير فيصل ابن الشريف حسين أمير مكة ليكون ملكاً على العراق.

أعضاء في عشائر عراقية يحملون الأسلحة - صورة تعبيرية
يرفضها شيوخ العشائر ورجال الدين.. العراضات المسلحة في العراق
أثارت مقاطع فيديو وصفها متابعون على مواقع التواصل الاجتماعي بـ"الصادمة" لمسلحين يطلقون آلاف الأعيرة النارية خلال تشييع الشيخ رفات جياد الشعلاني في محافظة المثنّى، جدلاً كبيراً في العراق، وأعادت فتح النقاش حول "العراضات العشائرية" وما ينتج عنها من ضحايا.

العهد الملكي

ما أن وصلت بريطانيا إلى البصرة حتى عرفت أهمية النظام العشائري في المجتمع فأصدرت قانون "بيان العشائر" وألزمت السكان بتطبيقه عام 1915، ثم وسعت مساحة القانون حين دخلت بغداد بعدها بعامين واستمر حتى  صدور نظام دعاوى العشائر 1924.

وفي أول انتخابات برلمانية شكل رجال العشائر أكثر من 19% من مجموع أعضاء أول برلمان عراقي منتخب 1925. يشير الجبوري إلى أن "انتماء الشيخ إلى مجلس النواب أو حصوله على منصب إداري لدى الحكومة كان يجعل أفراد عشيرته مؤيدين ومساندين للدولة".

بعد دخول العراق "عصبة الأمم" (الأمم المتحدة سابقاً) في 1932 واكتسابه نوعاً من السيادة، وتراجع الدور البريطاني، ازداد نفوذ العشائر والشيوخ، واستغلت بعض الأحزاب ضعف الدولة وأخذت تستقوي بالعشائر وتعتمد عليها بوجه الحكومة والتنظيمات السياسية المعارضة لها.

ولهذه الأسباب اتسمت العلاقة بين الدولة والعشيرة بالتوتر خلال العهد الملكي، إذ كانت بعض النخب التي تتناوب على السلطة عندما تصبح في المعارضة تلجأ لتحريض العشائر ضد الحكومة التي كانت تعاني من الضعف في البداية، كما يقول فلاح الزهيري في بحثه "العشيرة وإستراتيجية بناء الدولة المعاصرة في العراق ما بعد 2003".

ورأى الزهيري أن هناك "علاقة عكسية بين الدولة والعشيرة، أي كلما ضعفت الدولة استقوت العشيرة والعكس صحيح". امتد ذلك حتى سقوط الملكية 1958 وقيام النظام الجمهوري، الذي أصدر قراراً بإلغاء حكم العشائر، فجرد الشيوخ من سلطتهم القانونية، كما أصدر قانون الإصلاح الزراعي الذي ضرب مصالحهم الاقتصادية ليحقق انقلاباً جذرياً في المجتمع العراقي.

"شيوخ التسعينات"

لم تغب العشيرة عن دورها المؤثر إلا في حقبة السبعينيات، عندما حث العراق كدولة خطاه باتجاه استكمال مستلزمات التحول إلى المدنية والعصرنة، بالاعتماد على المنظومة العلمانية لحزب البعث الذي لم يفسح المجال لأي سلطة أخرى في منافسته أو الاقتراب من خطوط نفوذه، كما يقول واثق السعدون في بحث "الأدوار السياسية للعشائر العربية في العراق المعاصر".

تغير الأمر نوعاً ما بدخول العراق إلى الحرب مع إيران (1980-1988)، حيث وظفت السلطة السياسية العشيرة في رص الصفوف الداخلية والإسهام العسكري. وقادت الأوضاع التي نشأت بعد عام 1991 إلى حالة واضحة من الضعف في أركان مؤسسات النظام السابق، ما دفعه إلى الاستعانة بالنظام العشائري بعد إعادة تنظيمه، لفرض السيطرة على المجتمع المنهك، فنمت مظاهر عشائرية جديدة لتملأ فراغ المجتمع المدني المغيّب.

في بحث بعنوان "تاريخ الاستخدام السياسي للهوية المحلية العشائرية في العراق: تخادم الدولة والمشيخة"، يقول كريم حمزة إن العشائر عادت لتكسب قوتها ونفوذها ليس بسبب ضعف الدولة فحسب، بل لأن الدولة شجعتها وظهر ما يسمى "شيوخ التسعينات".

هي تسمية لم تكن معروفة على الساحة الاجتماعية، لكنها استمدت شرعيتها من السلطة الحاكمة آنذاك، التي عمدت إلى تفتيت العشائر الكبيرة وتقسيمها وتنصيب شيوخ وزعماء عشائر جدد موالين لها ومرتبطين بأجهزة السلطة.

وأعادت الظروف إلى المجلس العشائري "قيمته الاعتبارية في حل المشكلات خلال المنازعات. مع ملاحظة أن الدولة حاولت حفظ طابعها الحضري من خلال انتماء الشيوخ إلى حزب السلطة بحيث يكون الولاء الأول للحزب"، بحسب حمزة.

التغيير

ما إن سقط نظام البعث حتى تبدلت مكانة الشيوخ الذين كانوا مقربين منه ويتمتعون بالنفوذ والقوة حيث "تم اعتقالهم من القوات الأمريكية كما تم اغتيال قسم منهم"، كما ذكر السعدون.

وجرت الاستعانة بقيادات العشائر المعروفة مثل اختيار المهندس غازي عجيل الياور (عمه شيخ عشيرة الجربا أول رئيس للعراق بعد 2003)، وتسمية عدنان الجنابي (شيخ عموم عشيرة الجنابيين) وزير دولة في أول حكومة بعد عام 2003.

السبب في ذلك كما يشير السعدون في بحثه، أن "حاجة الزعامات الحزبية إلى قاعدة جماهيرية لم تكن متوفرة لها، وذلك من خلال التخادم مع الأحزاب والتيارات الدينية التي هيمنت على الساحة السياسية في العراق". 

يشرح السعدون حالة التخادم التي تحدث عنها بأنها تمثلت بـ "حاجة الزعامات العشائرية إلى دعم الأحزاب لاستعادة نفوذها التقليدي" ، ومن جهة أخرى كانت الأحزاب بحاجة "توسيع قاعدتها الشعبية".

وهكذا وجد زعماء ووجهاء وقبليون طريقهم إلى مجلس النواب، وحصل بعضهم على مناصب وزارية "إلا أن تسميتهم كثيراً ما جاءت من خلال الأحزاب الدينية التي احتوتهم، وإن كانوا اعتمدوا على أصوات قبائلهم في مناطق انتشارها إلى حد كبير للحصول على مقاعدهم النيابية".

حاجة الحكومة للعشائر لم تتوقف عند الترشيح للانتخابات وحصد الأصوات، فعدم الاستقرار الأمني بعد ظهور تنظيم القاعدة أدى إلى  الاستعانة بالعشائر  لمحاربته من خلال تنظيم "صحوة العراق" و "مجالس الإنقاذ"، ثم تشكيل "مجالس الإسناد العشائرية".

وحتى 2010 وصل عددها إلى 242 مجلساً ضم 6480 من شيوخ ووجهاء العشائر العراقية من الشمال إلى الجنوب، بدعم من رئيس الوزراء وقتها نوري المالكي سياسياً ومالياً، حتى تم إلغاؤها في 2015 من قبل حيدر العبادي بسبب الأزمة المالية التي أعقبت الحرب على داعش، وانخفاض أسعار النفط.

شريكة بصنع القرار

بعد عام 2003، كما يقول الزهيري في بحثه، ظهر على صعيد السلطة التنفيذية ما يسمى بـ"عائلية السلطة"، وذلك عبر سيطرة مجموعة من الموظفين ينتمون لعائلة واحدة على إدارة مؤسسة حكومية أو عدة دوائر مهمة فيها.

فضلاً عن ذلك يمكن ملاحظة دور العامل العشائري على المستوى الإداري إذ يتم التعيين على أساس العلاقات العشائرية وليس على أساس الكفاءة.

أما على المستوى السياسي، فقبل كل انتخابات برلمانية أو محلية تتسابق الأحزاب العراقية في حملة انتخابية مبكرة، يتم خلالها التركيز على شيوخ العشائر العراقية والزعامات القبلية الذين يملكون عدد كبير من الأصوات، بحكم سيطرتهم على توجهات أفراد عشائرهم.

ويضع الزهيري فترة الترشيح للانتخابات الدورة البرلمانية الثالثة (2014 – 2018) تحت المجهر إذ شهدت العديد من مظاهر الاستناد للعشيرة، منها توجه نائبة إلى عشيرتها بعد خلاف سياسي نشب مع الناطق الرسمي في "تيار الحكمة".

كما تعرض رئيس البرلمان لمحاولة إقالة من خلال رفضه بالأغلبية. لكن عشيرته خرجت في مؤتمر صحافي رافضة للإقالة. فضلاً عن احتجاج عشيرة وزير الدفاع السابق حين تعرض لاستجواب في البرلمان.

يرى الزهيري أن هذه المناصب "أصبحت كأنها ملك للعشيرة بالتالي يجب ألا يتم التنازل عنها"، مشيراً إلى وجود "خلل كبير في "نمطية التفكير السياسي لدى  النخب التي تتقوى بعشيرتها دون أجهزة الدولة".

في السياق ذاته، يرى السعدون أن العشائر العراقية قبل 2003 كانت "قريبة من جميع الحكومات المتعاقبة. إلا أنها لم تكن شريكة في صناعة القرار". لكن، بعدها وبسبب حاجة الأحزاب السياسية الجديدة للقواعد الشعبية "أصبحت قريبة من السلطة، ومشاركة بفاعلية في صنع القرار، ومؤثرة في العملية السياسية".

وتوصل من خلال بحثه إلى استنتاج مفاده أن العشائر "ستبقى أعواماً كثيرة مقبلة ركيزة مهمة من ركائز العملية السياسية في العراق، وستبقى عاملاً مهماً يؤثر في تفاعلات تلك العملية".