منذ بضعة أيام أجرى وزير الخارجية التركي هاكان فيدان زيارة إلى العراق لبحث عددٍ من القضايا المشتركة، على رأسها النفط ومياه نهري دجلة والفرات والمشكلة الكردية فضلاً عن العمل على تعزيز التعاون المشترك بين البلدين في المجالات الأمنية.
تشكل هذه العناوين القضايا الرئيسة التي حكمت العلاقة الطويلة بين البلدين، التي تأرجحت بين التحالف والتعاون العسكري وبين العداء واحتمالات وقوع الحرب بينهما.
بالعودة لجذور هذه العلاقة، نبدأ بسيطرة الإمبراطورية العثمانية على العراق منذ عام 1534، ليبقى تحت سيادتها حتى نهاية الحرب العالمية الأولى بهزيمة الأتراك.
في 1920 تقرّر وضْع العراق تحت الانتداب البريطاني تمهيداً للاعتراف به دولة مستقلة ذات سيادة، أما تركيا فاستولى عليها الضباط الاتحاديون وأعلن مصطفى أتاتورك إقامة الجمهورية التركية في 1923.
عقب قيام دولتين حديثيتن في كلٍّ من العراق وتركيا تحتّم تعيين الحدود بينهما، وهو ما فجّر مشكلة الموصل حينما احتدم النزاع بين تركيا من جهة وبين البريطانيين الذين بسطوا سيطرتهم على العراق من جهة أخرى بسبب تصارع كل فريق على ضمِّ الموصل -ذات الموارد النفطية الضخمة- إلى أراضيه.
في أكتوبر 1925 صرّح أتاتورك قائلاً "إننا نريد كل ولاية الموصل على جانبي دجلة والفرات، إننا لن نتخلى عن وجهة النظر هذه".
فشل الجانبان في التوصل إلى حلٍّ سلمي، فتم اللجوء إلى عصبة الأمم التي شكّلت لجنة دولية لبحث الأمر وأوصت بأحقية العراق في الموصل.
انتهت المشكلة بمعاهدة 1926 التي اعترفت فيها تركيا بالموصل جزءاً من العراق على أن تحصل على 10% من عائدات النفط المستخرج من المنطقة لـ25 سنة قادمة.
بعدها تحسّنت العلاقة بين البلدين وتعاونا على وأد تطلعات الآشوريين في إقامة دولة منفصلة لهم. وفي 1926 وقعتا اتفاقاً أمنياً لتبادل الخبرات والسلاح، واستمرت العلاقة وطيدة بين تركيا والعراق طيلة العهد الملكي، وانضمتا معاً إلى "حلف بغداد" بجانب إيران وباكستان، لتدخل في صدام مع التيار العروبي في مصر وسوريا.
وعقب اندلاع انقلاب 1958 اتخذت أنقرة موقفاً معادياً حتى أنها دعت أمريكا للتدخل العسكري في العراق لسحق هذا "التمرد الذي أُعدّ من قبل الناصريين" كما كانت تقول. ونتيجة لذلك الموقف ساءت العلاقة بين البلدين ولم تتحسن إلا في بداية السبعينيات عقب وفاة الرئيس المصري جمال عبدالناصر وانحسار التيار العروبي في الشرق الأوسط.
حياد متقطع إزاء حروب البعث
عندما اندلعت الحرب مع إيران التزمت أنقرة موقفاً محايداً صارماً، فامتنعت عن توريد السلاح لأي من طرفي الحرب وأعلنت رفضها استخدام القواعد العسكرية لحلف شمال الأطلسي للقيام بأي أعمال عسكرية.
هذا الحياد لم يمنع من محاولة التوسط لإنهاء النزاع خوفاً من أن يثير توتراً عارماً في المنطقة ستكون تركيا أولى ضحاياه.
خلال القتال المشتعل بين البلدين تزايدت هجمات الأكراد في شمال العراق، الأمر الذي أثار موجة من الخوف في تركيا من احتمالية تأسيس دولة كردية في العراق بدعمٍ من إيران، فظفرت أنقرة من بغداد في 1983 باتفاق أمني يسمح لتركيا التوغل في عمق الأراضي العراقي ومطاردة العناصر الكردية وإقامة عمليات عسكرية لمدة لا تزيد عن ثلاثة أيام.
عقب انتهاء الحرب مع إيران وغزو الكويت سنة 1990، لم يتكرر الحياد التركي، فبادر علي بوزر وزير خارجيتها بالتصريح بأن "الاحتلال غير مقبول وأنه من الضروري الانسحاب من الكويت". وحاولت تركيا أن يقتصر موقفها على الرفض الدبلوماسي خوفا من خسارة مليارات الدولارات حصيلة مرور النفط العراقي عبر أراضيها.
خلال حرب الخليج الثانية، لم تمتلك أي دولة عضوة في "الناتو" حدوداً مع العراق إلا تركيا، ما جعلها تحتلُّ أهمية كبرى في خطة الولايات المتحدة لقصف العراق، لذا أغرت أميركا أنقرة بحوافز اقتصادية ضخمة مقابل تعاونها معها ضد العراق.
من خلال القواعد التركية انطلقت طائرات التحالف التي هاجمت العراق وفرضت حظراً جوياً على المناطق الكردية شمالا، وأيضًا أعلنت تركيا إغلاق خط أنابيب النفط العراقي وإيقاف التبادل التجاري وتجميد الأرصدة العراقية في بنوكها، كما منعت سُفن الأغذية والأدوية من الوصول إلى بغداد.
هذا الموقف برّره الرئيس التركي أوزال قائلاً "العراق كان يشكل تهديداً كبيراً لجيرانه، وكان سيضر بسوريا أو تركيا بعد إيران والكويت".
وحينما فكّر أوزال في إرسال وحدة عسكرية للمساهمة في إخراج العراق من الكويت عنوة، انهالت الانتقادات عليه، فقام عددٌ من قادة أحزاب المعارضة بزيارة العراق تعبيراً عن رفضهم لأي عملية عسكرية ضده.
صرّح نجم الدين أربكان زعيم حزب الرفاه المعارض، آنذاك، أن أوزال "لا يستند إلى شيءٍ سوء إرضاء أميركا"، كما تقدّم وزير الخارجية علي بوزر باستقالته، تبعه وزير الدفاع صفاء غيري، ثم رئيس الأركان نجيب تورمطاي، ونظمت الأحزاب اليسارية والإسلامية مظاهرات حاشدة في العاصمة أنقرة، فاضطر أوزال للتراجع عن التدخل العسكري واكتفى بتقديم تسهيلات عسكرية للولايات المتحدة وحلفائها.
رغم التسهيلات الاقتصادية التي حصدتها أنقرة من أميركا، إلا أنها لم تعوّضها عن خسارتها شريكا تجاريا مهما مثل العراق، فقدرت وزارة الخزانة والتجارة التركية خسائرها من هذه الأزمة بما يزيد عن 6 مليارات دولار.
الأكراد والتركمان
يمثل أكراد العراق الذين يعيشون في مناطق حدودية مع تركيا، مشكلة مزمنة بسبب صراعاتهم المستمرة ضد أنظمة دول المنطقة، رغبةً منهم في إقامة دولة مستقلة.
في 1974 صدر قانون الحُكم الذاتي من العراق، وهي خطوة أثارت غضباً في أنقرة بعدما اعتبرتها تحريضاً لأكراد تركيا على المطالبة بمثل هذه الأوضاع.
في معرض غضب تركيا من القانون العراقي لوّح بعض مسؤوليها بالتدخل عسكرياً والاستيلاء على الموصل بدعوى أنها أرض تركية بالأساس، هذا الخلاف جرى حلّه لاحقاً انطلاقاً من الموقف الراسخ لكلا الدولتين من تأسيس كيانٍ مستقل للأكراد.
وفي 1984 توصلا إلى اتفاقية "المطاردة الحثيثة" التي منحت لتركيا الحق في مطاردة المسلحين الأكراد داخل أراضي العراق.
لم تُحل هذه المشكلة حتى الآن، وسط استمرار العمليات العسكرية التي ينفذها الجيش التركي في شمال العراق لمطاردة عناصر حزب العمال الكردستاني.
في السياق، مثل التركمان أهمية كبيرة، باعتبارهم "أتراك العراق". وفي 1988 استحدثت وزارة الخارجية التركية إدارة "الجاليات التركية في الخارج"، التي هدفت إلى العناية بالأقليات التركية في الدول المجاورة وعلى رأسها العراق.
في أعقاب حرب الخليج الثانية، صرّح أوزال بأن "إعادة تكوين العراق يجب أن تضمن حقوقاً ديموقراطية للشعب العراقي بما في ذلك الأقلية التركية".
ورعت تركيا تدشين "الحزب العراقي القومي التركماني" الذي تأسس في أنقرة، واهتمت بتقديم دعمٍ كبير له ولغيره من الأحزاب التركمانية المنتشرة شمالي العراق. كما سعت للقيام بـ"أنشطة تتريكية" في أربيل عبر إقامة عدة مدارس تتبع النهج التركي وترفع صور أتاتورك مؤسس الدولة التركية.
وأضاف ناجي في مؤتمر صحافي إن تركيا "لا تعترف بحقوق العراق التاريخية والطبيعية بنهر دجلة، كما أنها لا تعترف بقواعد القانون الدولي".
السدود وحق العراق في المياه
في ظِل خضوع العراق وسوريا للانتداب البريطاني والفرنسي وقّعت الدولتان مع تركيا اتفاقية 1920 لتنظيم استغلال المياه، وهي المعاهدة التي استمرّ العراق وسوريا في الالتزام بها بعد حصولهما على استقلالهما.
عام 1946 وقّعت بغداد وأنقرة بروتوكولاً لتنظيم الانتفاع بمياه نهري دجلة والفرات وروافدهما، في هذا البروتوكول تعهّدت أنقرة بإطلاع العراق على خططها بالمشاريع التي تنوي إقامتها على النهرين، وهو ما تجدّد في 1972 حينما وعدت أنقرة بغداد بإطلاعها على برنامج ملء خزان "كيبان" لتلافي وقوع أي ضرر في احتياجات العراق من الماء.
رغم هذا ظلت مشكلة التدفقات المائية تتجدد من كل فترة لأخرى بسبب توالي إنشاء تركيا اللسدود على النهرين، الأمر الذي كان يثير احتجاجاً عراقياً بسبب التخوف من انخفاض منسوب النهر وتلويث مياهه.
مثلاً في 1999 أعلنت وزارة الري العراقية أن "السدود التركية تشكل انتهاكاً خطيراً لحقوق العراق". ومن منطلق وقوع منابع دجلة والفرات في الأراضي التركية فإن نقاشاً دار دائماً بين البلدين ومعهما سوريا حول كيفية تعيين حصص مائية للدول الثلاثة، وهي نقطة أثارت خلافاً مستمراً بينها لم يُحل حتى اليوم، خاصة في ضوء اقتناع أنقرة بأن من حقوقها السيادية إقامة ما تريد من مشاريع وسدود على المجاري المائية التي تسير في أراضيها دون استشارة أيٍّ من جيرانها.
هذا الموقف عبّر عنه الرئيس التركي سليمان دميرل في 1990 قائلاً "لا يجب أن تخلق السدود التي تبنيها تركيا على نهري دجلة والفرات أي مشكلة دولية، إنهما ليسا من الأنهار الدولية وإنما هما من الأنهار التركية حتى النقطة التي يغادران فيها الإقليم التركي".
وفي 1992 خلال حفل افتتاح "سد أتاتورك"، صرّح دميرل أن "المياه التي تنبع من تركيا هي ملك لتركيا، والنفط هو ملك البلدان التي ينبع فيها، ونحن لا نقول لهم إننا نريد مشاركتهم في نفطهم، كما أننا لا نريد مشاركتهم مياهنا".
تطوّر هذا الموقف في 1993 حين صرّح وزير تركي بأن "على العراق وسوريا أن تدفعا ثمن مياه نهر الفرات المتدفقة عبر أراضيهما"، مردفاً: "هذان النهرين تركيان مئة بالمئة، إنهما ينبعان من أراضينا".
نبع هذا الموقف التركي المتشدد من حالة الضعف التي أصابت العراق عقب حربي الخليج الأولى والثانية وهو ما كشف عنه الرئيس التركي أوزال بقوله "لولا الحرب العراقية-الإيرانية ما كان لمشروع سد أتاتورك أن يبصر النور".
,من أجل ملء خزان "سد أتاتورك"، أوقفت تركيا إمدادات الماء للعراق عبر نهر الفرات لمدة شهرٍ كامل.
وبشكلٍ عام، فإن العراق عانى من من أضرارٍ قاسية بسبب هذه المشاريع حتى أن بعض الدراسات قدّرت نسبة الانخفاض في إيراداته المائية بـ80% تقريباً، ما سيكون له تأثيرات سلبية على 40% من الأراضي الزراعية وسيمسُّ بحياة 10 ملايين فرد يعملون في تلك المناطق.
وتضم هذه المنطقة مدن أور وأوروك وإريدو السومرية القديمة، التي أُنشئت في بلاد ما بين النهرين بين الألفيتين الرابعة والثالثة قبل
