صورة أرشيفية من حقل نفطي بمحافظة كركوك- ا ف ب
يرى خبراء أن مشكلة الاقتصاد الأساسية في اعتماد العراق على النفط بشكل شبه كلي- تعبيرية

يتجاوز حجم النفقات التشغيلية في العراق 74% من إجمالي الموازنة، معظم تلك الأموال عبارة عن رواتب موظفين ومتعاقدين ورعاية اجتماعية ودعم، ما يشكل تحديات حقيقية في بلد لا يملك مصادر دخل بديلة عن موارد النفط في حال انهيار أسعاره عالمياً أو حتى مجرد تراجعه.

مشاكل التضخم في النفقات التشغيلية بدت واضحة من خلال فقرات الموازنة الثلاثية التي أقرها العراق للسنوات (2023-2025) التي قال عنها البنك الدولي إنها شهدت زيادة كبيرة في حجم النفقات العامة بنسبة 59% عن السنة السابقة، وتمثل 74.3% من إجمالي الإنفاق، وهو ما سيقود إلى عجز مالي يتجاوز 51 تريليون دينار (نحو 40 مليار دولار).

وتبلغ قيمة الموازنة العراقية الأضخم في تاريخ البلاد قرابة 153 مليار دولار لكل عام، مع عجز مالي يقدر بنحو 48 مليار سنوياً، وهو الأكبر مقارنة بالأعوام السابقة.

وتقول دراسة لـ"مركز أبحاث الشرق الأوسط" حملت عنوان "زيادة الرواتب في القطاع العام بالعراق: الأسباب والنتائج"، إن أعداد الموظفين في العراق "ازدادت بأكثر من ثلاثة أضعاف منذ عام 2003 مع زيادة تسعة أضعاف في الإنفاق على تعويضات الموظفين".

هذا الأمر أدى إلى "نمو ميزانيات الدولة التي تعتمد بشكل شبه كامل على عائدات النفط المتقلبة".

وبحسب الدراسة فإن استمرار الحكومة العراقية بسياسة التوظيف مع قلة المصادر البديلة عن النفط لتمويلها "يطرح أسئلة مقلقة حول ما إذا كان لهذا النهج المستمر أن يدوم دون المخاطرة بخراب اقتصادي".

 

سياسة "التوظيف"

هذا "الخراب الاقتصادي" الذي تتحدث عنه الدراسة ناجم عن اعتماد ملايين العراقيين على الدولة ضمن أشكال عديدة من الرواتب والأجور ونفقات الرعاية الاجتماعية ودعم أسعار الكهرباء والنفط والزراعة.

وجاء هذا الاتجاه في التوظيف من خلال "نظام المحاصصة الذي غذته المنافسة الشرسة بين الفاعلين السياسيين البارزين للاستيلاء على موارد الدولة، بالإضافة إلى ضغوطات سياسية لخلق وظائف لشريحة الشباب المتنامية، ما تسبب بتوسيع هائل في القطاع العام المدعوم بشكل شبه كامل من الثروة النفطية للبلاد، ساعدت عليه شبكات المحسوبية والزبائنية المرتبطة بالولاءات الشخصية أو الحزبية التي تعد محركات رئيسية للنمو في القطاع العام"، وفق الدراسة.

ويتوافق ما جاء فيها مع رأي النائب في البرلمان العراقي عن "إشراقة كانون"، مصطفى الكرعاوي. يقول لـ"ارفع صوتك"، إن أسباب ارتفاع نسب التوظيف "تعود إلى سياسات تم اتباعها منذ سنوات وما زالت مستمرة حتى اليوم، والمحرك الرئيسي لها الدوافع الانتخابية".

ويضيف أن "التوظيف هو أسهل طريقة لإسكات الشارع وجذب الامتثال عبر توفير فرص عمل داخل الحكومة، وهذه أكبر كارثة يواجهها الاقتصاد العراقي".

ويشير الكرعاوي إلى أن "الميزانية العراقية مثقلة برواتب للموظفين الثابتين فقط بمبلغ يتجاوز 59 تريليون دينار عراقي لأكثر من أربعة ملايين موظف، وهو رقم يتجاوز 26% من إجمالي الموازنة، عدا عن رواتب المتقاعدين والرعاية والإعانات الأخرى".

"وهو مؤشر خطير يمكن أن يسبب الكثير من المشاكل لأن الموازنة مثقلة بالأعباء وتعتمد على موارد النفط المتقلبة بنسبة 87%"، يتابع الكرعاوي.

 

"ضغوط متجددة"

قال البنك الدولي في تقريره الصادر بشأن الاقتصاد العراق خلال أغسطس الحالي، وحمل عنوان: "ضغوط متجددة: تعافي العراق في خطر"، إن اقتصاد العراق "يعاني من ركود الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي والصناعات والأنشطة الزراعية الذي صاحبه ارتفاع معدلات التضخم، لافتقار العراق في ظل حكومته الحالية إلى إصلاحات هيكلية واسعة النطاق تقوي اقتصاده بعيداً عن النفط".

وبحسب البنك الدولي، فإن "افتقار العراق إلى تنويع مصادر الدخل بسبب السياسات الفوضوية للحكومات المتعاقبة، أدى إلى انكماش الناتج المحلي بمقدار 1.1% في 2023 وارتفاع الدين العام ليبلغ 58.8% مرتفعاً من 53.3%، بواقع 152 مليار دولار، سجلت زيادة 10 مليارات دولار".

وأوضح أن "آفاق المستقبل الاقتصادي لا تزال معرضة لمخاطر كبيرة، بسبب الاعتماد المفرط على النفط، الذي يجعله عرضة للصدمات في أسواق النفط والطلب العالمي مثلما يتضح من تراجع أسعار النفط في الآونة الأخيرة، بالإضافة إلى العوامل المحركة للهشاشة التي تشكل تحديات أساسية للاقتصاد، كاستشراء الفساد، وسوء تقديم الخدمات وتطوير البنى التحتية، والمخاطر الأمنية".

وأكد البنك الدولي أن استمرار السلطات الحكومية في اتباع هذه السياسات، سيجعل من موازنة البلاد "تصب في صالح الأحزاب السياسية التي أخرّت عجلة التنمية، وجعلتها تعاني من اختلالات كبيرة على الرغم من مرور عقدين من مزاعم انتهاء الحرب".

 

أعباء اقتصادية

لا تتعلق الأعباء الاقتصادية في العراق بعدد موظفي القطاع الحكومي الذي يتجاوز عددهم أربعة ملايين موظف فحسب، فالأعداد الحقيقية لمن يتقاضون رواتب حكومية تتجاوز هذا الرقم بكثير، إذا ما أضفنا له 2.8 مليون متقاعد و1.7 مليون عائلة تحصل على رواتب الرعاية الاجتماعية، وشركات التمويل الذاتي، وعدد غير معروف من المتعاقدين.

يحصي الخبير الاقتصادي نبيل المرسومي المستحقات المالية الثابتة التي تثقل الموازنة العامة بالإضافة إلى رواتب الأربعة ملايين موظف "التي يضاف لها رواتب التمويل الذاتي بمبلغ يتجاوز 2 تريليون دينار، فيما تصل رواتب الرعاية الاجتماعية إلى 27.9 تريليون دينار".

"أضف لها جميعا أقساط خدمة الدين الداخلي والخارجي، ونفقات عقود التراخيص النفطية، ونفقات نقل نفط إقليم كوردستان واستيراد الغاز والكهرباء، ليكون لدينا مجموع الأعباء الثابتة في الموازنة 130 تريليون دينار"، يقول الموسوي لـ"ارفع صوتك".

ويشير إلى أن "كل هذه الارقام لا تشمل من يتقاضى راتبه الوظيفي أو التقاعدي أو غيره من القطاع العام في إقليم كردستان".

ويتابع الموسوي: "هذه النفقات هي أعباء عامة من الصعب جداً تخفيضها وستتحمل عبأها موازنة 2023 والموازنات السنوية القادمة، وهي بمجموعها أكبر من إيرادات النفط المتوقعة التي تصل إلى 117 تريليون دينار عام 2023".

ويؤكد أن كل هذا "من شأنه أن يعرّض العراق إلى مأزق مالي واقتصادي كبير ستبدأ ملامحه في العام القادم، خاصة إذا لم تحصل زيادة كبيرة في صادرات النفط العراقية وفي أسعار النفط العالمية".

ويلفت الموسوي إلى أن موازنة العراق "ستدخل في المسار الحرج إذا انخفض سعر خام برنت إلى نحو 60 دولاراً للبرميل، إذ ستكفي الإيرادات النفطية عندئذ لتغطية فقرتي رواتب الموظفين والرعاية الاجتماعية اللتين تصلان إلى أكثر من 87 ترليون دينار في موازنة 2023، فقط".

 

ما الحل؟

يبين الموسوي أن "الأزمة في العراق ليست مالية فقط إنما هي اقتصادية عميقة أفرزت اقتصاداً عليلاً لا يقوى على مواجهة أي تقلبات عنيفة في أسعار النفط".

"فأزمة العراق الحقيقية ليست في زيادة عدد السكان أو عدد الموظفين أو اتساع حجم فاتورة الرواتب. فهذه كلها مظاهر للأزمة وليست سبباً لها، لأن الأزمة تكمن في الافتقاد إلى تنمية حقيقية من شأنها تنويع الاقتصاد، وإنتاج السلع والخدمات، وتوفير فرص العمل، ولو كانت هذه التنمية موجودة لكنا بحاجة إلى أيدٍ عاملة جديدة"، يشرح الموسوي.

ويعتقد أن "الحل الحقيقي في تبني نموذج تنموي تكون نقطة الانطلاق منه بناء صناعة نفطية متطورة ومتكاملة، تصبح الأساس في تطوير بقية القطاعات الاقتصادية".

من جهته، يقول النائب مصطفى الكرعاوي، إن الحل لأزمة النفقات التشغيلية العالية، يكون في "تقليل نسبة المعتمدين على الرواتب الحكومية من الموازنة، وزيادة نسبة النفقات الاستثمارية باعتبارها المسؤولة عن تطوير البلد عبر تقديم الخدمات والمساهمة في تنشيط الحركة التجارية". 

ويأمل أن "تبتعد الحكومة الحالية عن موضوع التوظيف الحكومي حتى لا تثقل الموازنة التشغيلية بالرواتب، وأن تتوجه إلى تنمية القطاع الخاص ليكون قادراً على استيعاب المزيد من الأيدي العاملة الشابة التي تدخل سنوياً إلى سوق العمل وتبحث عن وظائف".

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

وسائل إعلام محلية وبرلمانيون يتحدثون أن موظفين في مكتب السوداني قُبض عليهم بتهم التجسس على مسؤولين كبار- أرشيفية
وسائل إعلام محلية وبرلمانيون يتحدثون أن موظفين في مكتب السوداني قُبض عليهم بتهم التجسس على مسؤولين كبار- أرشيفية

رفض مستشار سياسي لرئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني اتهامات ترددت في الآونة الأخيرة بأن موظفين في مكتب رئيس الوزراء تجسسوا وتنصتوا على مسؤولين كبار وسياسيين.

ومنذ أواخر أغسطس، تتحدث وسائل إعلام محلية وبرلمانيون عراقيون عن أن موظفين في مكتب السوداني قُبض عليهم بتهم التجسس على مسؤولين كبار.

وقال المستشار فادي الشمري في مقابلة مع إحدى جهات البث العراقية أذيعت في وقت متأخر من مساء أمس الجمعة "هذه كذبة مضخمة"، وهو النفي الأكثر صراحة من عضو كبير في فريق رئيس الوزراء.

وأضاف أن الاتهامات تهدف إلى التأثير سلبا على السوداني قبل الانتخابات البرلمانية المتوقع إجراؤها العام المقبل.

وتابع "كل ما حدث خلال الأسبوعين الأخيرين هو مجرد تضخم إعلامي يخالف الواقع والحقيقة".

وأثارت التقارير قلقا في العراق الذي يشهد فترة من الاستقرار النسبي منذ تولي السوداني السلطة في أواخر عام 2022 في إطار اتفاق بين الفصائل الحاكمة أنهى جمودا سياسيا استمر عاما.

وقال الشمري إنه تم إلقاء القبض على شخص في مكتب رئيس الوزراء في أغسطس، إلا أن الأمر لا علاقة له علاقة بالتجسس أو التنصت.

وأضاف أن ذلك الموظف اعتقل بعد اتصاله بأعضاء في البرلمان وسياسيين آخرين منتحلا صفة شخص آخر.

وأردف "تحدث مع نواب مستخدما أرقاما مختلفة وأسماء وهمية وطلب منهم عددا من الملفات المختلفة". ولم يخض الشمري في تفاصيل.

وتابع "لم يكن هناك تجسس ولا تنصت".