صورة أرشيفية لجندي فرنسي في العراق
صورة أرشيفية لجندي فرنسي في العراق

خلال أيامٍ معدودة سقط ثلاثة عسكريين فرنسيين في مناطق مختلفة داخل العراق هم: الرقيب بابتيست غاوشو (18 أغسطس)، والضابط نيكولا لاتورت (20 أغسطس)، والرقيب نيكولا مازييه (29 أغسطس).

وتُوفي الأول في حادث سير، والثاني خلال تدريبه عددٍاً من رجال الأمن العراقيين على كيفية مكافحة العبوات الناسفة، بينما قُتل الأخير  خلال تنفيذه مهمة استطلاعية لصالح القوات العراقية في منطقة تحصّنت بها مجموعة من الإرهابيين، شمال بغداد.

 

هذه الوفيات أعادت التذكير بالعسكرين الفرنسيين الذين قضوا خلال عملهم كجزءٍ من القوة الأمنية الفرنسية المنخرطة منذ سنوات في عمليات عسكرية ضد الإرهابيين داخل العراق وسوريا، وهي العمليات التي تعتبرها باريس من أولويات أمنها القومي.

Profondément attristé par l’annonce du décès du sergent Baptiste GAUCHOT suite à un accident de la route au cours de...

Posted by Armée de Terre on Friday, August 18, 2023

 

فرنسا في العراق

شكّلت سيطرة تنظيم داعش على أجزاء من الأراضي العراقية معضلة للدبلوماسية الفرنسية، التي تعتبر أن استقرار البلد وإعادة إعماره وعدم تحوله إلى بؤرة لاستقطاب الإرهابيين ركيزة أساسية لسياساتها الخارجية.

في 19 سبتمبر 2014 انطلقت العملية العسكرية "شمال" (Opération CHAMMAL)، وهو الاسم الكودي للمساهمة الفرنسية في العملية العسكرية الدولية "العزم الصلب"، التي ضمّت تحالفاً من 50 دولة لمناهضة التنظيم الإرهابي. 

Op #Chammal is the #French involvement in #CJTFOIR. This video shows how they're helping remove #ISIS from #Iraq & #Syria. Armée française - Opérations militaires | Armée de Terre | Armée de l'air

Posted by ‎Combined Joint Task Force - Operation Inherent Resolve - عملية العزم الصلب‎ on Friday, June 16, 2017

 

وبحسب جلسة مناقشة لمجلس الشيوخ الفرنسي فإن باريس اختارت هذا الاسم للعملية مشتقاً من اسم "رياح الشمال" التي تهبُّ على العراق عاتية خلال فصل الصيف. وخلالها أكّد ديدييه كاستريس، نائب رئيس عمليات الأركان الفرنسي، أن بلاده  تمتلك "خارطة كبيرة" للتعامل مع الإرهابيين، لذا نفذت عمليات متتالية لمحاربتهم في ليبيا ومنطقة الساحل الأفريقي وأخيراً في العراق وسوريا.

ووفق البيانات المعلنة، فإن القوة الفرنسية المساهمة في تلك العمليات تكوّنت من قرابة 600 جندي و10 طائرات "رافال" و6 طائرات "ميراج 2000 دي"، وناقلة "سي-135 إف آر"، وطائرة دورية بحرية "أتلانتيك 2"، والمضادة للطائرات "جان بارت".

ظهر تأثير هذه القوة فور وصولها العراق بعدما أغارت طائرات "الرافال" على مواقع تابعة لداعش في الموصل ونجحت في تدميرها.

وفي 22 سبتمبر 2014 جرى توزيع 10 أطنان من المساعدات الإنسانية على سكان قرى إقليم كردستان في المناطق المتضررة من الحرب، بعدها تتالت العمليات الفرنسية ضد تنظيم داعش، وحتى منتصف 2015 نفّذت الطائرات الفرنسية 135 غارة، أي بمعدل ضربة واحدة كل يومين، وهو ما مثّل 5% من إجمالي 2583 غارة نفذها التحالف الدولي منذ دخوله الحرب.

ولاحقاً، وسّعت فرنسا من نطاق عملياتها العسكرية لتشمل سوريا، من أجل ملاحقة بقايا التنظيم الإرهابي التي فرّت من العراق.

وفي نهاية 2022 بلغ إجمالي مساهمات العملية الفرنسية 1570 غارة دمرّت 2400 هدف في سوريا والعراق منذ 2014.

 

العراق بالنسبة لفرنسا

زار الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بغداد لأول مرة في سبتمبر 2020، ثم كرّرها بعد بضعة أشهر. وفي المرتين أعلن عن التزام بلاده بدعم العراق في مواجهة داعش، بغض النظر عن الانسحاب الأميركي.

وخلال إحدى جلسات مجلس الأمن، اعتبرت باريس أن تنظيم داعش يُشكل تهديداً مباشراً لأمنها القومي.

الجانب الاقتصادي لم يغب عن ماكرون، وخلال زيارته الأخيرة وقعت شركة "توتال" الفرنسية عقداً بعشرات المليارات من الدولارات مع الحكومة العراقية لاستخراج النفط والغاز من حقول البصرة، كما نُوقش عقد صفقات أخرى لبناء مترو أنفاق في بغداد وإعادة إعمار المناطق التي دمّرتها الحرب مع داعش، فضلاً على بيع أسلحة للجيش العراقي.

وفي مايو 2017 كشفت صحيفة "وول ستريت جورنال" الأميركية، عن هدفٍ سري للعمليات الفرنسية في العراق، وهو تحييد المقاتلين الفرنسيين ضمن صفوف داعش.

وبحسب الصحيفة فإن باريس "تشعر بالقلق العميق من عودة جهاديي داعش إلى أراضيها عقب هزيمة التنظيم خوفاً من قيامهم بتنفيذ هجمات إرهابية جديدة على غرار هجمات باريس في نوفمبر 2015".

ونقلت عن ضابط عراقي كبير قوله، إنهم "يتعاملون مع الإرهابيين هنا لأنهم لا يريدون التعامل معهم داخل فرنسا، هذا هو المنطق السليم، فأكثر دولة تعرضت لهجمات المتطرفين كانت فرنسا".

وتشير تقديرات إلى أن فرنسا أنفقت على العملية العسكرية 330 مليون يورو خلال أول عامين، وهو رقم قليل نسبياً إذا ما قُورن بعملية "برخان" التي أطلقتها في منطقة الساحل الأفريقي وكلّفتها قرابة 550 مليون يورو.

انتشر جانب من القوة الفرنسية في قاعدة "القيارة" جنوب الموصل، وهو اختيار برّره وزير الدفاع الفرنسي جان إيف لودريان بقوله، إنها "المنطقة التي خرج منها عدونا وخطط لضربنا، علينا أن نضرب قلبه". كذلك انتشرت القوات الفرنسية في أربيل.

خلال تصريحاته، شدّد لودريان على أن الدور الأساسي لقواته دعم"= الجيش العراقي والبيشمركة في جهودهما ضد الإرهابيين.

كما نشطت الطائرات الحربية الفرنسية لقصف مخابئ مقاتلي داعش ومراكز تجمعاتهم لتسهيل مهام القوات البرية في السيطرة على المدن التي استولى عليها التنظيم المتطرف، وأيضاً اهتمت بتدمير الأنفاق التي استعان مقاتلو التنظيم بها لشنِّ هجماتٍ إرهابية على القوات العراقية.

 

انسحاب ثم عودة

رغم الإعلان عن فقدان داعش لكل الأراضي التي بسط سيطرته عليها في العراق منذ ديسمبر 2017 وفي سوريا منذ مارس 2019، إلا أن فرنسا أكدت أن "هذا النصر العسكري لن يجعلنا ننسى أن التهديد لا يزال قائماً"، لذالم تسحب قواتها من العراق واستمرّت في مهامها.

في نهاية 2019 واجهت هذه العملية تحدياً كبيراً بعد إعلان أميركا نيتها الانسحاب من العراق وكذا إطلاق تركيا حملة أمنية لتعقب المقاتلين الأكراد شمال البلاد، ما أجبر باريس على اتخاذ إجراءات لـ"ضمان أمن قواتها" شملت سحبهم أو إعادة انتشارهم بعيداً عن المناطق الحساسة.

تعطّلت هذه الجهود نسبياً في مارس 2020 عقب انتشار فيروس كورونا، فأعلنت فرنسا أنها ستسحب أغلب قواتها المتمركزة في العراق حتى تتحسن الأوضاع الصحية، مع التشديد على أن الغارات الجوية ستظلُّ مستمرة ضد مقاتلي داعش. 

تزامن هذا القرار مع أجواء ساخنة عاشها العراق عقب مقتل قاسم سليماني القائد الإيراني البارز في يناير 2020، وهي العملية التي دفعت البرلمان العراقي للتصديق على قرار يُلزم الحكومة بإخراج جميع القوات الأجنبية من البلاد.

منذ يناير 2022 لم تعد قوات التحالف الدولي تنفّذ أية عمليات عسكرية على الأرض مكتفية بدورها في تنفيذ ضربات جوية مركزة وتقديم الاستشارات العملياتية للجيش العراقي، وهي السياسة التي التزمت بها عملية "الشمال".

وبخلاف الضربات الجوية، اقتصرت مهام القوات الفرنسية على "عمليات الاستطلاع".

وقال الجنرال باتريس موراند رئيس عملية "الشمال"، في وقت سابق، إن  فإن رجاله يساعدون القوات العراقية في المناطق التي يُحتمل أن يتخفّى فيها مقاتلو داعش.

وأضاف: "اكتشف جنودنا العديد من المخابئ والمتفجرات وساهموا في اعتقال الإرهابيين".

وأكّد موراند أن الهدف الرئيسي من بقاء قوات بلاده في العراق هو تجنُّب عودة سيطرة التنظيم الإرهابي على البلاد بعد هزيمته، قائلاً "علينا أن نضمن أن العراقيين قادرون على إدارة الأمور".

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

Iranian President Pezeshkian visits Erbil
من زيارة الرئيس الإيراني لكردستان العراق- رويترز

استخدم الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان خلال زيارته الحالية إلى العراق اللهجة الكردية ليقول إن بين طهران وكردستان "علاقات جيدة"، في مؤشر واضح على تحسّن روابط بلاده مع الإقليم العراقي الذي يتمتع بحكم ذاتي واستهدفته ضربات إيرانية مرّات عدّة في السنوات الأخيرة.

فكيف تمكّن الإيرانيون وأكراد العراق من تسوية خلافاتهم؟

 

تقارب حقيقي؟

شهدت العلاقات بين جمهورية إيران الإسلامية وإقليم كردستان العراق، وهو تقليدياً حليف لواشنطن والأوروبيين في الشرق الأوسط، تحسناً ملحوظاً في الأشهر الأخيرة.

وكثرت الزيارات التي أجراها مسؤولون من الجانبين والتصريحات الإيجابية.

وحضر كلّ من رئيس الإقليم نيجيرفان بارزاني وابن عمّه رئيس الوزراء مسرور بارزاني جنازة الرئيس الإيراني ابراهيم رئيسي الذي قضى مع مسؤولين بينهم وزير خارجيته حسين أمير عبداللهيان في تحطّم طائرتهم في 19 مايو الماضي.

كذلك زار القائم بأعمال الخارجية الإيرانية علي باقري أربيل عاصمة الإقليم في يونيو الفائت.

ولدى خروجه الأربعاء من القصر الرئاسي في بغداد حيث اجتمع بنظيره العراقي عبد اللطيف رشيد، قال بزشكيان بالكردية لقناة "رووداو" المحلية الكردية "لدينا علاقات جيدة مع كردستان وسنعمل على تحسينها أكثر".

وزار نيجيرفان طهران ثلاث مرات في غضون أربعة أشهر، والتقى بارزاني المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية آية الله علي خامنئي.

يقول مدير "المركز الفرنسي لأبحاث العراق" عادل بكوان لوكالة فرانس برس: "أصبحنا حالياً في مرحلة التطبيع" في العلاقات.

ويعود ذلك بالنفع على أربيل من ناحية "حماية أمنها واستقرارها ونموها الاقتصادي، ما يجعل تطبيع العلاقات مع جمهورية إيران الإسلامية ضروريا للغاية"، بحسب بكوان.

 

لماذا قصفت طهران إقليم كردستان؟

في السنوات الأخيرة، تعثّرت العلاقات بين أربيل وطهران بسبب الخلاف حول مجموعات مسلحة من المعارضة الكردية الإيرانية تتمركز في كردستان العراق منذ ثمانينيات القرن المنصرم بعد اندلاع حرب استمرت ثماني سنوات بين العراق وإيران.

على جانبي الحدود، كان الأكراد العراقيون والإيرانيون يتكلّمون اللهجة نفسها ويتشاركون روابط عائلية.

واستمرت المجموعات الإيرانية المعارضة وغالبيتها يسارية الميول وتندّد بالتمييز الذي يعاني منه الأكراد في إيران، في جذب الفارّين من القمع السياسي في الجمهورية الإسلامية. من هذه المجموعات حزب "كومله" الكردي والحزب الديموقراطي الكردستاني الإيراني اللذان تعتبرهما طهران منظمتين "إرهابيتين".

وكان لهذه المجموعات مقاتلون مسلحون، إلا أنهم كانوا ينفون تنفيذ أي عمليات ضد إيران عبر الحدود.

واتّهمت طهران هذه المجموعات بتهريب أسلحة بالتسلّل إلى أراضيها انطلاقاً من العراق وبتأجيج التظاهرات التي هزت إيران في أعقاب وفاة الشابة الكردية الإيرانية مهسا أميني في 16 سبتمبر 2022 بعدما أوقفتها شرطة الأخلاق لعدم امتثالها لقواعد اللباس الصارمة في الجمهورية الإسلامية.

في نهاية عام 2023، وبعد ضربات عدّة نفذتها إيران في العراق، تعهدت السلطات العراقية بنزع سلاح هذه الفصائل وإخلاء قواعدها ونقلها إلى معسكرات.

وقال مستشار الأمن القومي العراقي قاسم الأعرجي للتلفزيون الإيراني الرسمي، الثلاثاء الماضي، إن الحكومة العراقية أغلقت 77 من قواعد هذه المجموعات قرب الحدود مع إيران ونقلت المجموعات إلى ست معسكرات في أربيل والسليمانية.

وأكّد أن استعدادات تجري لمغادرتها العراق إلى بلد ثالث.

 

ما التحديات التي لا تزال قائمة؟

في ظلّ اضطرابات جيوسياسية في الشرق الأوسط، استهدفت طهران كردستان مرّات أخرى، متهمة الإقليم بإيواء مواقع للاستخبارات الخارجية الإسرائيلية (موساد).

في يناير 2024 ووسط توترات إقليمية على خلفية الحرب في قطاع غزة بين إسرائيل وحركة حماس الفلسطينية، شنّت القوات الإيرانية هجوما على مواقع في إقليم كردستان العراق، مشيرة إلى أنّها استهدفت "مقرا لجهاز الموساد". 

من جانبها، نفت الحكومة المركزية في بغداد وحكومة كردستان أن يكون "الموساد" متواجدا في الإقليم.

ويمكن كذلك قراءة التقارب الذي بدأته أربيل مع طهران في ضوء "الانسحاب" الأميركي المحتمل من العراق، بحسب عادل بكوان.

وتجري بغداد وواشنطن منذ أشهر مفاوضات بشأن التقليص التدريجي لعديد قوات التحالف الدولي بقيادة واشنطن في العراق.

وتطالب فصائل عراقية مسلحة موالية لإيران بانسحاب هذه القوات.

وقال وزير الدفاع العراقي ثابت العباسي في مقابلة تلفزيونية، الأحد الماضي، إن العاصمتين توصلتا إلى تفاهم حول جدول زمني لانسحاب قوات التحالف الدولي من العراق "على مرحلتين".

وأوضح أن التفاهم يتضمّن مرحلة أولى تمتدّ من سبتمبر الجاري حتى سبتمبر 2025 وتشمل "بغداد والقواعد العسكرية للمستشارين"، يليها انسحاب "في المرحلة الثانية من سبتمبر 2025 حتى سبتمبر 2026 من كردستان العراق".

ولم تعد أربيل في السنوات الأخيرة في موقع قوة أمام الحكومة المركزية في بغداد التي تربطها بها علاقات متوترة.

يقول بكوان "كلما انسحبت الولايات المتحدة من الشرق الأوسط، بالتالي من العراق بالتالي من كردستان العراق، أصبحت أربيل أضعف في مواجهة بغداد (...) المدعومة بقوة من جمهورية إيران الإسلامية" المعادية لواشنطن.