خلال أيامٍ معدودة سقط ثلاثة عسكريين فرنسيين في مناطق مختلفة داخل العراق هم: الرقيب بابتيست غاوشو (18 أغسطس)، والضابط نيكولا لاتورت (20 أغسطس)، والرقيب نيكولا مازييه (29 أغسطس).
وتُوفي الأول في حادث سير، والثاني خلال تدريبه عددٍاً من رجال الأمن العراقيين على كيفية مكافحة العبوات الناسفة، بينما قُتل الأخير خلال تنفيذه مهمة استطلاعية لصالح القوات العراقية في منطقة تحصّنت بها مجموعة من الإرهابيين، شمال بغداد.
هذه الوفيات أعادت التذكير بالعسكرين الفرنسيين الذين قضوا خلال عملهم كجزءٍ من القوة الأمنية الفرنسية المنخرطة منذ سنوات في عمليات عسكرية ضد الإرهابيين داخل العراق وسوريا، وهي العمليات التي تعتبرها باريس من أولويات أمنها القومي.
فرنسا في العراق
شكّلت سيطرة تنظيم داعش على أجزاء من الأراضي العراقية معضلة للدبلوماسية الفرنسية، التي تعتبر أن استقرار البلد وإعادة إعماره وعدم تحوله إلى بؤرة لاستقطاب الإرهابيين ركيزة أساسية لسياساتها الخارجية.
في 19 سبتمبر 2014 انطلقت العملية العسكرية "شمال" (Opération CHAMMAL)، وهو الاسم الكودي للمساهمة الفرنسية في العملية العسكرية الدولية "العزم الصلب"، التي ضمّت تحالفاً من 50 دولة لمناهضة التنظيم الإرهابي.
وبحسب جلسة مناقشة لمجلس الشيوخ الفرنسي فإن باريس اختارت هذا الاسم للعملية مشتقاً من اسم "رياح الشمال" التي تهبُّ على العراق عاتية خلال فصل الصيف. وخلالها أكّد ديدييه كاستريس، نائب رئيس عمليات الأركان الفرنسي، أن بلاده تمتلك "خارطة كبيرة" للتعامل مع الإرهابيين، لذا نفذت عمليات متتالية لمحاربتهم في ليبيا ومنطقة الساحل الأفريقي وأخيراً في العراق وسوريا.
ووفق البيانات المعلنة، فإن القوة الفرنسية المساهمة في تلك العمليات تكوّنت من قرابة 600 جندي و10 طائرات "رافال" و6 طائرات "ميراج 2000 دي"، وناقلة "سي-135 إف آر"، وطائرة دورية بحرية "أتلانتيك 2"، والمضادة للطائرات "جان بارت".
ظهر تأثير هذه القوة فور وصولها العراق بعدما أغارت طائرات "الرافال" على مواقع تابعة لداعش في الموصل ونجحت في تدميرها.
وفي 22 سبتمبر 2014 جرى توزيع 10 أطنان من المساعدات الإنسانية على سكان قرى إقليم كردستان في المناطق المتضررة من الحرب، بعدها تتالت العمليات الفرنسية ضد تنظيم داعش، وحتى منتصف 2015 نفّذت الطائرات الفرنسية 135 غارة، أي بمعدل ضربة واحدة كل يومين، وهو ما مثّل 5% من إجمالي 2583 غارة نفذها التحالف الدولي منذ دخوله الحرب.
ولاحقاً، وسّعت فرنسا من نطاق عملياتها العسكرية لتشمل سوريا، من أجل ملاحقة بقايا التنظيم الإرهابي التي فرّت من العراق.
وفي نهاية 2022 بلغ إجمالي مساهمات العملية الفرنسية 1570 غارة دمرّت 2400 هدف في سوريا والعراق منذ 2014.
العراق بالنسبة لفرنسا
زار الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بغداد لأول مرة في سبتمبر 2020، ثم كرّرها بعد بضعة أشهر. وفي المرتين أعلن عن التزام بلاده بدعم العراق في مواجهة داعش، بغض النظر عن الانسحاب الأميركي.
وخلال إحدى جلسات مجلس الأمن، اعتبرت باريس أن تنظيم داعش يُشكل تهديداً مباشراً لأمنها القومي.
الجانب الاقتصادي لم يغب عن ماكرون، وخلال زيارته الأخيرة وقعت شركة "توتال" الفرنسية عقداً بعشرات المليارات من الدولارات مع الحكومة العراقية لاستخراج النفط والغاز من حقول البصرة، كما نُوقش عقد صفقات أخرى لبناء مترو أنفاق في بغداد وإعادة إعمار المناطق التي دمّرتها الحرب مع داعش، فضلاً على بيع أسلحة للجيش العراقي.
وفي مايو 2017 كشفت صحيفة "وول ستريت جورنال" الأميركية، عن هدفٍ سري للعمليات الفرنسية في العراق، وهو تحييد المقاتلين الفرنسيين ضمن صفوف داعش.
وبحسب الصحيفة فإن باريس "تشعر بالقلق العميق من عودة جهاديي داعش إلى أراضيها عقب هزيمة التنظيم خوفاً من قيامهم بتنفيذ هجمات إرهابية جديدة على غرار هجمات باريس في نوفمبر 2015".
ونقلت عن ضابط عراقي كبير قوله، إنهم "يتعاملون مع الإرهابيين هنا لأنهم لا يريدون التعامل معهم داخل فرنسا، هذا هو المنطق السليم، فأكثر دولة تعرضت لهجمات المتطرفين كانت فرنسا".
وتشير تقديرات إلى أن فرنسا أنفقت على العملية العسكرية 330 مليون يورو خلال أول عامين، وهو رقم قليل نسبياً إذا ما قُورن بعملية "برخان" التي أطلقتها في منطقة الساحل الأفريقي وكلّفتها قرابة 550 مليون يورو.
انتشر جانب من القوة الفرنسية في قاعدة "القيارة" جنوب الموصل، وهو اختيار برّره وزير الدفاع الفرنسي جان إيف لودريان بقوله، إنها "المنطقة التي خرج منها عدونا وخطط لضربنا، علينا أن نضرب قلبه". كذلك انتشرت القوات الفرنسية في أربيل.
خلال تصريحاته، شدّد لودريان على أن الدور الأساسي لقواته دعم"= الجيش العراقي والبيشمركة في جهودهما ضد الإرهابيين.
كما نشطت الطائرات الحربية الفرنسية لقصف مخابئ مقاتلي داعش ومراكز تجمعاتهم لتسهيل مهام القوات البرية في السيطرة على المدن التي استولى عليها التنظيم المتطرف، وأيضاً اهتمت بتدمير الأنفاق التي استعان مقاتلو التنظيم بها لشنِّ هجماتٍ إرهابية على القوات العراقية.
انسحاب ثم عودة
رغم الإعلان عن فقدان داعش لكل الأراضي التي بسط سيطرته عليها في العراق منذ ديسمبر 2017 وفي سوريا منذ مارس 2019، إلا أن فرنسا أكدت أن "هذا النصر العسكري لن يجعلنا ننسى أن التهديد لا يزال قائماً"، لذالم تسحب قواتها من العراق واستمرّت في مهامها.
في نهاية 2019 واجهت هذه العملية تحدياً كبيراً بعد إعلان أميركا نيتها الانسحاب من العراق وكذا إطلاق تركيا حملة أمنية لتعقب المقاتلين الأكراد شمال البلاد، ما أجبر باريس على اتخاذ إجراءات لـ"ضمان أمن قواتها" شملت سحبهم أو إعادة انتشارهم بعيداً عن المناطق الحساسة.
تعطّلت هذه الجهود نسبياً في مارس 2020 عقب انتشار فيروس كورونا، فأعلنت فرنسا أنها ستسحب أغلب قواتها المتمركزة في العراق حتى تتحسن الأوضاع الصحية، مع التشديد على أن الغارات الجوية ستظلُّ مستمرة ضد مقاتلي داعش.
تزامن هذا القرار مع أجواء ساخنة عاشها العراق عقب مقتل قاسم سليماني القائد الإيراني البارز في يناير 2020، وهي العملية التي دفعت البرلمان العراقي للتصديق على قرار يُلزم الحكومة بإخراج جميع القوات الأجنبية من البلاد.
منذ يناير 2022 لم تعد قوات التحالف الدولي تنفّذ أية عمليات عسكرية على الأرض مكتفية بدورها في تنفيذ ضربات جوية مركزة وتقديم الاستشارات العملياتية للجيش العراقي، وهي السياسة التي التزمت بها عملية "الشمال".
وبخلاف الضربات الجوية، اقتصرت مهام القوات الفرنسية على "عمليات الاستطلاع".
وقال الجنرال باتريس موراند رئيس عملية "الشمال"، في وقت سابق، إن فإن رجاله يساعدون القوات العراقية في المناطق التي يُحتمل أن يتخفّى فيها مقاتلو داعش.
وأضاف: "اكتشف جنودنا العديد من المخابئ والمتفجرات وساهموا في اعتقال الإرهابيين".
وأكّد موراند أن الهدف الرئيسي من بقاء قوات بلاده في العراق هو تجنُّب عودة سيطرة التنظيم الإرهابي على البلاد بعد هزيمته، قائلاً "علينا أن نضمن أن العراقيين قادرون على إدارة الأمور".