"يتكون في النهاية لدينا نحو مليون طن سنوياً في العراق من النفايات البلاستيكية"، يقول ناصر الشعلان عضو نقابة الكيميائيين العراقيين.
يمكن لـ"طن القمامة الخام أن يساوي قيمة برميل من النفط الخام"- أرشيفية

يدفع العراق ثمناً باهظاً على المستويات الاقتصادية والصحية والبيئية، كنتيجة مباشرة لعدم قدرته على التعامل مع أكثر من 30 ألف طن من النفايات الصلبة يومياً، مكتفياً بحرقها أو طمرها بطرق بدائية غير مدروسة ودون إعادة تدويرها أو بيعها.

وتشير تقارير أممية إلى أن الفعاليات البشرية اليومية المختلفة في العراق تنتج ما يزيد عن 30 ألف طن من النفايات يومياً. إلا أن البلد يفتقر إلى بنية تحتية مؤهلة للتعامل مع هذا الكم الهائل من النفايات والتخلص منها بطريقة مناسبة تضمن عدم وجود أثار سلبية على البيئة وصحة السكان.

التعامل مع النفايات بالطرق التقليدية غالباً ما يؤدي إلى آثار سلبية كبيرة على الاقتصاد والصحة والبيئة كما يشير حيدر رشاد رئيس مؤسسة "حِقب" للإغاثة والتنمية المستدامة في حديثه مع "ارفع صوتك": "بغداد لوحدها تنتج ما بين 10-12 مليون طن يومياً، وهو رقم مهول يوازي جبلاً من المخلفات الناتجة من الفعاليات اليومية للبيوت والمعامل والزراعة والصناعة والطب وغيرها". يقول رشاد.

نصف هذه الكمية، بحسب رشاد، "عبارة عن مخلفات عضوية، والنصف الآخر غير عضوية مثل الورق والزجاج والبلاستيك ومخلفات إلكترونية وأنقاض أبنية، بالإضافة إلى المخلفات السائلة".

يشرح رشاد أن "لكل نوع من هذه المخلفات طرقاً خاصة للتعامل معها والاستفادة منها باتجاهين الأول لإعادة التصنيع، والثاني لتقليل كمية المواد التي يتم استيرادها منها".

لكن ذلك لا يحصل بل إن النفايات "لا تجري معالجتها والتعامل معها وإعادة تدويرها، وأغلبها لا يتم الاستفادة منها وتذهب إلى المطامر، وهي أراض تدفن فيها النفايات من دون مراعاة الشروط الصحية العالمية".

خسائر فادحة

بحسب دراسة لـ"مركز البيان للدراسات" حملت عنوان "ما يمكن للعراق أن يحققه من تدوير النفايات المنزلية الصلبة"، فإن "القمامة تعد إحدى المشكلات المزمنة بالنسبة للعراقيين، بينما هي في الأساس ثروة قومية من الممكن أن تمثل أحد مصادر الدخل القومي للعراق".

وبحسب الدراسة فإن القمامة "يمكن أن تتحول من مصدر للتلوث البيئي وبؤرة من بؤر الأمراض والأوبئة المختلفة، إلى صناعة تزداد نجاحاً يوماً بعد يوم". وتلفت الدراسة إلى أن "الثمن الباهظ الذي تتكبده الدولة إنفاقاً على التخلص من النفايات، كان في وسعها أن توفره، بعد اتخاذ إجراءات لاسترجاع هذه الثروة الطبيعية الضائعة".

للنفايات إذاً قيمة مالية عالية، كما تشير الدلاسة، ويمكن لـ"طن القمامة الخام أن يساوي قيمة برميل من النفط الخام". هذا يعني بحسب الدراسة أن هناك "إمكانية للحصول على 270 مليون دولار سنوياً من بيع المخلفات البلاستيكية كمادة خام إلى البلدان المجاورة ذات المكانة المتطورة في عملية إعادة التدوير". ولا يقتصر جني الثمار من عملية تدوير القمامة الصناعي فقط "فقد أصبح بالإمكان استبدال الأسمدة الكيميائية التي تلوث الأراضي الزراعية بالسماد العضوي الذي يطلق عليه الكوموش المنتج من القمامة، وهذه الأسمدة يمكن عبرها استصلاح آلاف الدونمات الزراعية".

ليس ذلك فقط، بل يمكن للنفايات بحسب الدراسة أن توفّر "العديد من فرص العمل. ناهيك عن العائد الصحي الذي يفوق ذلك بعدة مرات، نتيجة لتجنب الآثار الجانبية عن تلوث البيئة بالقمامة".

بالإضافة إلى هذه الكلف يشير رشاد إلى وجود بورصة عالمية للنفايات، "والمتعارف عليه فيها أن سعر طن النفايات يبلغ 200 دولاراً للطن الواحد، وإذا ضربنا هذا الرقم بحجم النفايات اليومية في العراق فالنتيجة ستتجاوز الـ600 ألف دولار".

 يمكن استخدام النفايات، أيضاً، بحسب رشاد في "حل جزء من أزمة الطاقة الكهربائية التي يعاني منها العراق ،عبر حرقها عن طريق معامل خاصة تنتج 40 ميغاواط من الكهرباء لكل ألف طن من النفايات".

"البيروقراطية والفساد!"

يتحدث رشاد عن طرق بدائية لجمع القمامة في العراق، إذ "تجمع النفايات من قبل البلدية أو أمانة العاصمة من البيوت، ثم تنقل إلى محطات وسطية على أطراف المناطق السكنية تفتقر إلى الشروط الصحية والبيئية".

أغلب تلك المناطق هي "مجرد حفر عملتها الطبيعة أو البشر بعضها كان سابقاً مقالع للحصى، يفترض أن يتم نقل النفايات منها إلى مناطق أخرى خارج المدن للتعامل معها وفرزها". لكن، بدلاً عن ذلك "يتم حرقها لتتحول إلى غيوم من الغازات السامة".

ويعرب رشاد عن أسفه لأن العراق "بلد متأخر كثيراً عن اللحاق بركب العالم المتطور في هذا المجال، فالعالم وصل إلى خطوات متقدمة جداً للوصول إلى صفر من النفايات، والتي تعني الاستفادة الكاملة والتامة منها".

ويرى رشاد أن "البيروقراطية والفساد الإداري أهم مسببات تراجع العراق في هذا الموضوع". ويشرح: "فيما يتعلق بالبيروقراطية أو الروتين فإن المستثمر الذي يحاول إقامة مصنع لتدوير النفايات عليه المرور بسلسلة إجراءات طويلة، تبدأ من تخصيص الأرض التي يجب أن توافق عليها وزارات الدفاع والداخلية والنفط والكهرباء والآثار والسياحة والموارد المائية...". وحين ينتهي من هذا كله، "يدخل في دوامة الفساد الإداري والمالي، وهو أمر نمر به جميعاً حتى في حالات المراجعات للمواطن العادي فما بالك بالمستثمر" بحسب رشاد.

استثمارات ضخمة

يمكن أن يساعد فرز النفايات في إنشاء 223 مصنعاً للمعادن والورق والزجاج والبلاستيك والأسمدة العضوية والقماش بما يعادل 246 مليون دولار، كما تشير دراسة مركز البيان.

ووفقاً لذلك، "تؤدي هذه الاستثمارات الضخمة إلى خلق مصدر مستدام للدخل القومي العراقي. كما أن عمليات إعادة التدوير تساعد في توفير ما تنفقه وزارة الصحة من أجل الوقاية من الأمراض التي تصيب الإنسان، وتوفر آلاف فرص العمل وتنشط دورة الدخل وتحفز في تنظيم قطاع النفايات والاقتصاد فيه".

ولأجل تنفيذ تلك المعامل تشير الدراسة إلى متطلبات عدة يحتاج إليها العراق للعمل على خطة استراتيجية للتشجيع على تدوير النفايات أو محاولة استرجاع مصادر الثروة الأولية منها أو حتى إعادة استخدامها. أول تلك المتطلبات أن: "يصبح لدينا بنك معلومات دقيقة عن هذه النفايات لكل محافظات العراق، كتقرير سنوي، وذلك بالتعاون بين أمانة بغداد والجامعات والمراكز البحثية التخصصية".

بالإضافة إلى "إنشاء صندوق اجتماعي أو صندوق حماية البيئة لإقامة مشاريع لتجميع هذه النفايات وفرزها وغسلها، بحسب نوعها مثل مخلفات البلاستيك أو المخلفات المعدنية أو الورقية". وذلك قبل أن يتم "تسليم هذه النفايات المفروزة إلى القطاع الحكومي المختص لتصديرها إلى البلدان المتطورة في مجال تدوير المخلفات مثل تركيا والصين وشمال أوروبا".

ثقافة المجتمع هي الأخرى تحتاج بحسب الدراسة إلى المزيد من التوعية وخطة موضوعية تبدأ من المناهج المدرسية، "من أجل إعداد جيل جديد واع بأهمية موضوع التعامل مع القمامة". بالإضافة إلى "مشاركة أجهزة الإعلام من الإذاعة والتلفزيون ومواقع التواصل في حملة نوعية نشطة للاستفادة من القمامة وفصل مكوناتها من المنبع (الأسرة)، وذلك بتوفير الصناديق والأكياس الملائمة للمواطنين".

كما تتطلب الاستراتيجية: "تعاون أجهزة الدولة مع رجال الأعمال على استثمار أموالهم في إنشاء مصانع تدوير النفايات. مع أهمية توفير الأرض لهم مجاناً وتسهيل إجراءات التراخيص".

ضوء في آخر النفق؟ 

رغم التاريخ الطويل للعراق مع عدم القدرة على التعامل مع النفايات بطريقة متطورة، إلا أن رشاد يرى ضوءاً في نهاية النفق: "فهناك توجه حكومي نتأمل أن يكون جاداً لمعالجة هذا الملف".

وكانت وزارة البيئة أعلنت في بيان لها عن إعداد مسودة قانون جديدة لإدارة النفايات في العراق. ركز القانون بحسب البيان على "وضع أسس جديدة علمية لملف النفايات في العراق، ودعم الاستثمار واستخدام النفايات لإنتاج الطاقة الكهربائية بما يتوافق مع التزامات العراق الدولية تجاه ملف التغيرات المناخية واتفاقية باريس وبما يضمن إعادة التدوير والإدارة الرشيدة لملف النفايات في العراق".

ويشير رشاد إلى أن هذا التوجه الحكومي يمكن له النجاح "إذا ما تم حل موضوع البيروقراطية عبر أتمتة العمل من جهة، ومحاربة الفساد الإداري والمالي من جهة أخرى، ليتمكن المستثمرون من العمل في بيئة صحيحة". ويختم رشاد حديثه بالتأكيد على أن البلد "يحتاج إلى حسم هذا الملف، فالوقت ليس في صالحنا والتلوث في العراق لم يعد يمكن احتماله".

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

صورة تعبيرية لجامع النوري في الموصل شمال العراق
صورة تعبيرية لجامع النوري في الموصل شمال العراق

تحلُّ في منتصف الشهر الحالي ذكرى "المولد النبوي" الذي اعتبرته الحكومة العراقية إجازة رسمية لموافقته يوم 12 ربيع أول، وهو التاريخ الذي رجّحت المرويات التاريخية أنه شهد ميلاد الرسول محمد، استنادًا لمقولة ابن عباس "وُلد رسول الله عام الفيل، يوم الاثنين، الثاني عشر من شهر ربيع الأول".

بحسب الترتيب الزمني الذي أورده دكتور صلاح الدين بن محمد في دراسته "الإلزامات الواردة على بدعة الاحتفال بالمولد النبوي"، فإن أول من احتفل بالمولد النبوي هم الفاطميون سنة 362 هجرية بالقاهرة، وهي الاحتفالات التي استمرت في مصر حتى ألغاها أمير الجيوش الأفضل شاهنشاه بن بدر الجمالي وزير المستعلي بالله سنة 490 هـ.

بعد سنوات من هذا الإلغاء سيكون للعراق الفضل في إعادة إحيائها مُجدداً لتنتشر بعدها في أصقاع العالم الإسلامي حتى اليوم، فما قصتها؟

 

البداية من الموصل

عاد الاحتفال بالمولد النبوي للظهور مُجدداً على يدي الفقيه عُمر بن محمد الموصلي، الذي تمتّع بمكانة اجتماعية كبيرة في الموصل شمال العراق بسبب فقهه وزُهده، فحاز شهرة كبيرة في العالم الإسلامي حتى تُوفي سنة 570 هـ.

بحسب كتاب "الروضتين في أخبار الدولتين النورية والصلاحية" لأبي شامة المقدسي، فإن "زاوية الشيخ عمر" كانت محلاً لزيارة العلماء والفقهاء والملوك والأمراء. 

وامتلك الشيخ عُمر علاقة وطيدة بنور الدين زنكي صاحب حلب، إذ اعتاد الأخير مراسلة الشيخ عُمر لـ"استشارته في الأمور العِظام"،كما كان يزوره كل سنة في شهر رمضان لتناول الإفطار معه.

تعززت هذه المكانة حين خضعت الموصل لسُلطان نور الدين زينكي عام 566 هـ فأوصى وُلاته عليها بأن يستشيروا الشيخ عُمر في كل كبيرة وصغيرة، حتى نال لقب "المولى".

بحسب أبي شامة المقدسي فإن الشيخ عُمر هو الذي أشار على نور الدين بشراء قطعة أرض خراب في وسط الموصل وحوّلها إلى مسجد أنفق على بنائه أموالاً كثيرة، هو "جامع النوري" الذي لا يزال قائماً حتى اليوم.

لم يكن "جامع النوري" هو أكبر إنجازات الفقيه الموصلي إنما إعادة إحياء الاحتفال بـ"المولد النبي"، أيضاً. وبحسب كتاب "خدمات الأوقاف في الحضارة الإسلامية إلى نهاية القرن العاشر الهجري"، كان الشيخ عُمر كان يقيم في كل سنة داخل زاويته احتفالاً بميلاد الرسول محمد، يوجّه فيه الدعوة لحاكم الموصل وكبار رجال الدولة للحضور إلى الزاوية حيث تُقدّم لهم الأطعمة والمشروبات ويستمعون للشعراء الذين حضروا هذه الاحتفالية للتنافس على إنشاد قصائد المدح النبوي.

تزامن هذا الاحتفال مع الاهتمام الجماعي الذي أبداه أهل الموصل طيلة العهد الأتابكي بمناسبة "المولد النبوي"، فكانوا يعتادون تزيين الدور والأسواق ويتجمهرون في المساجد.

في كتاب "رسائل في حُكم الاحتفال بالمولد النبوي"، لم يستبعد مؤلّفوه أن يكون الشيخ عُمر وغيره من أهل الموصل مالوا لإقامة هذه الاحتفالات كأحد أشكال تأثرهم بالفاطميين، الذين أقاموا صلات مباشرة بحكام الموصل على مدار سنوات طويلة، في إطار مساعيهم لإسقاط دولة الخلافة العباسية في العراق.

وذكر كتاب "تاريخ الموصل" لسعيد الديوه جي، أن أبرز حكام الموصل الذين رحبوا بهذا التقارب، هم  أمراء الدولة العقيلية الشيعية مثل حسام الدولة المقلد العقيلي (386 هـ- 391 هـ) وولده معتمد الدولة قرواش، اللذين حافظا على علاقات جيدة مع خلفاء مصر حتى أن قرواش أعلن تبعيته للخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله في 401 هـ، وهي خطوة لم تدم كثيراً بعدما تراجع عنها سريعاً بسبب تهديدات الخليفة القادر العباسي له بالحرب.

ووفق كتاب "الإعلام بفتاوى أئمة الإسلام حول مولده عليه الصلاة والسلام" لمحمد بن علوي الحسني، فإن الشيخ عُمر بعدما بات أول مَن احتفى بالمولد النبوي في العراق اقتدى به صاحب أربيل الملك المظفر كوكبري بن زين الدين بن بكتكين الحليف المخلص لصلاح الدين الأيوبي سُلطان مصر.

أربيل: مهرجان ديني حاشد

عمل زين الدين والد الملك المظفر الدين كوكبري والياً على الموصل، فحقّق نجاحاً كبيراً حتى أنه عندما مات سنة 563 هـ كان عدد من المدن الكبرى في العراق خاضعاً لحُكمه مثل: أربيل، شهرزور، تكريت، سنجار، حرّان وغيرها.

بعدما توفي زين الدين ورث ابنه مظفر الدين كوكبري حُكم أربيل، ولكن لصِغر سنه تولّى شؤون الإمارة أحد مماليك والده الذي خلع كوكبري عن الحُكم ونصّب بدلاً منه أخوه، هنا استعان كوكبري بصلاح الدين الأيوبي الذي أعاده أميراً على أربيل في 586 هـ.

يحكي عبد الحق التركماني في كتابه "ابن دحية الكلبي وكتابه (التنوير في مولد السراج المنير والبشير النذير)": "أخذ كوكبري عن الشيخ عُمر هذه البدعة وطوّرها وتفنن في إقامتها وبذل أموالاً عظيمة في ذلك".

وأورد كتاب "إمارة أربل في العصر العباسي" للدكتور سامي الصقار، أن كوكبري بدءاً من سنة 604 هـ "أولى اهتماماً بإقامة مهرجان ضخم للاحتفال بمولد النبي يتضمن العديد من الفعاليات التي لفتت انتباه الكثيرين من مختلف أنحاء العالم".

ووصف إحياء المناسبة: "في شهر محرم من كل عام هجري يبدأ توافد عوام المسلمين من بغداد والجزيرة ونصيبين وغيرها من البلاد على أربيل، بالإضافة إلى جماعات من الفقهاء والصوفية والشعراء، ومع بداية شهر ربيع الأول يأمر كوكبري بنصب قباب من الخشب المُزين تُخصص كل منها لاستضافة عروض رجال الأغاني والخيالة وأصحاب الملاهي، وكان الناس يزدحمون حول خيامهم لمشاهدة عروضهم".

قبل الاحتفال بيومين كان منظمو المهرجان يطلقون مسيرة ضخمة تتكوّن من مئات الإبل والبقر والغنم التي تزفّها الطبول إلى ميدان كبير تُنحر فيه وتُطبخ ثم يوُزع لحمها على الحضور، كما ذكر الكتاب.

في اليوم الأول للمهرجان كان كوكبري يحضر الاحتفال بصحبة الأعيان والفقهاء وعوام الناس لمشاهدة عروضٍ عسكرية يقوم بها بعض جنود الجيش، بعدها تُقام موائد طعام ضخمة للحضور، 

وقدر حسام الدين قِزغلي (حفيد ابن الجوزي) في كتابه "مرآة الزمان في تواريخ الأعيان"، أن أسبطة الطعام كانت تضم "100 فرس مشوية منزوعة العظام، و5 آلاف رأس غنم و10 آلاف دجاجة و30 ألف صحن حلوى".

بعد الانتهاء من الطعام، كان كوكبري يكرّم عدداً من الأعيان والفقهاء وكبار الضيوف ويوزّع عليهم الأموال. ووفق تقديرات المؤرخين فإن هذه الاحتفالات الضخمة كانت تكلف ما يزيد عن 300 ألف دينار (عملة تلك الفترة).

كيف يحتفل المسلمون بالمولد النبوي في البلدان العربية؟
يعبّر المسلمون -في كل مكان- عن حبهم للنبي من خلال مجموعة من الطقوس والشعائر الفلكلورية الشعبية المتوارثة، والتي تتنوع وتتباين باختلاف الثقافة والمكان. نرصد في هذا التقرير أهم المظاهر الاحتفالية بالمولد النبوي في مجموعة من الدول العربية.

يقول الصقار "رغم ما اشتهرت به احتفالات الخلفاء الفاطميين بالمولد النبوي من بذخٍ شديد فإنها على فخامتها تُعدُّ متواضعة إذا ما قُورنت باحتفالات أربيل، إذ كانت الحفلات الفاطمية تقتصر على ليلة واحدة تُقدم فيها الحلوى والأطعمة ثم يرتّل القرآن وتُنشد القصائد في حضرة الخليفة الفاطمي، بعكس احتفالات أربيل التي كانت تستغرق عدة أيام".

هذا الاحتفاء المهيب استدعى إشادة شهاب الدين أبو شامة في كتابه "الباعث على إنكار البدع والحوادث"، حيث قال "من أحسن ما ابتدع في زماننا ما يُفعل في مدينة أربيل في اليوم الموافق ليوم ميلاد النبي من الصدقات وإظهار الزينة والسرور".

أحد أشهر حضور هذا "المهرجان النبوي" كان المؤرّخ عمر بن الحسن حفيد الصحابي دِحية الكلبي الذي شاهد الاحتفالات 625 هـ وألّف عنها كتاباً بعنوان "التنوير في مولد السراج المنير" قرأه بنفسه على حضرة الملك فأجازه وكافأه بألف دينار.

وفيه تحدّث عن شهادته على ليلة المولد في "إربل المحروسة" وعن لقائه بـ"أفضل الملوك والسلاطين"، حسبما ذكر دكتور أنس وكاك في بحثه "قبسٌ من (التنوير في مولد السراج المنير) للحافظ أبي الخطاب بن دحية الأندلسي".