وضع رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، السبت الماضي، حجر الأساس لإنشاء أول خط للسكك الحديدية لربط العراق بإيران.
من المُخطط أن يربط هذا الخط بين مدينة البصرة الواقعة في أقصى جنوب العراق بمنفذ الشلامجة على مسافة تزيد عن 32 كيلومتراً على الحدود الإيرانية. أعاد الإعلان عن هذا المشروع الحديث -مرة أخرى- عن تاريخ سكك الحديد العراقية.
وتعود أقدم المشروعات الخاصة بتنفيذ السكك الحديدية في العراق لمنتصف القرن التاسع عشر. في تلك الفترة قدم رئيس شركة دلهي– البنجاب والسند للخطوط الحديدية، مقترح مشروع سكة حديد "وادي الفرات".
في دراسته "قطاع النقل والمواصلات في العراق حتى نهاية الحرب العالمية الأولى"، يقول الباحث عدنان القطان، إن خطة المشروع اعتمدت على تنفيذ مرحلتين متعاقبتين، الأولى تتضمن إنشاء خط سكة حديد يمتد من ميناء الإسكندرونة على البحر المتوسط إلى الخليج العربي، والثانية، مد الخط إلى منطقة جنوب العراق، بحيث يصل إلى البصرة أو الكويت، وقد حصلت إحدى الشركات الإنجليزية على امتياز إنشاء ذلك الخط من السلطنة العثمانية، لكن المشروع لم يُنفذ لعدم توافر الأموال اللازمة.
أُعيد إحياء المشروع مرة أخرى في أواخر القرن التاسع عشر، حين تمكن الألمان من إقناع العثمانيين بالحصول على امتياز إنشاء خط سكك حديد برلين– بغداد عام 1899. وفي الأول من يونيو 1914، وبعد سنوات متتابعة من العمل الشاق، تحرك أول قطار من بغداد إلى سميكة الدجيل الواقعة جنوبي سامراء.
رغم ذلك، لم يتم إكمال العمل على المشروع، إذ عارضته بريطانيا عندما علمت أن الخط الجديد سيصل إلى الخليج العربي. مثل ذلك الخط خطراً بالغاً على المصالح الإنجليزية في الخليج والهند، ولذلك عملت الحكومة البريطانية على إفشاله وإبطاء سير العمل فيه، كما يذكر الباحث يوسف حسين في دراسته "موقف بريطانيا من سكة حديد بغداد 1898- 1914م".
السياسة تلقي بظلالها
تدريجياً، أُنشئت العديد من خطوط السكك الحديدية في العراق، لتربط بين أهم وأكبر المدن. وبلغ إجمالي طول الشبكة أكثر من 2000 كيلومتر.
تشكلت أول إدارة للسكك الحديدية في العراق عام 1916، وكان الجيش البريطاني في ذلك الوقت هو الذي يتحكم في الإدارة. بعد عدة سنوات، أشرفت إدارة مدنية بريطانية على الإدارة.
وفي 16 أبريل 1936 تولى العراقيون السلطة، وأداروا شبكة السكك الحديدية في شتى أنحاء البلاد للمرة الأولى، وأضحى هذا اليوم عيداً سنوياً للسكك الحديدية العراقية.
في أواخر أربعينيات القرن العشرين بدأ العمل على بناء "محطة بغداد العالمية" في العاصمة العراقية. وصارت هي النقطة المركزية التي تتجمع عندها كافة خطوط سكك الحديد في العراق.
تقع المحطة في ناحية الكرخ في بغداد، وتم وضع تصميمها على النمط الإنجليزي القديم، واستغرق العمل في المحطة ما يقرب من الأربع سنوات، واُفتتحت -بشكل رسمي- عام 1952.
عُرفت باسم "المحطة العالمية"، لأنه كان من المخطط لها أن تصبح نقطة انطلاق للقطارات المتجهة إلى عواصم الشرق والغرب، ولكن حالت الظروف السياسية دون ذلك، واكتفت المحطة بطابعها الإقليمي والمحلي.
حتى أواسط تسعينيات القرن الماضي، شكل القطار الوسيلة الأكثر إقبالاً بين معظم العراقيين، بسبب رخص تكاليفه وقلة الحوادث مقارنةً بالسيارات والحافلات العامة.
تغير الوضع بشكل كامل بعد أن تعرضت الشبكة للدمار أثناء الحرب مع إيران في الثمانينيات، كما تأثرت الشبكة بالسلب أثناء فترة العقوبات التي فرضتها الأمم المتحدة على العراق في التسعينيات، قبل أن تنهار -بشكل شبه كامل- بالتزامن مع أحداث الغزو الأميركي للعراق عام 2003.
حالياً، تقوم الشركة العامة لسكك الحديد في العراق -وهي الشركة الوطنية التي تقوم بتسيير رحلات القطارات داخل العراق- بحملات صيانة واسعة للعديد من خطوط السكك الحديدية في شتى أنحاء البلاد.
في هذا السياق تم عمل الصيانة اللازمة لكل من خط بغداد- الفلوجة، وخط سامراء- بيجي في سنة 2018، فيما تحتاج صيانة باقي الخطوط لميزانية كبيرة. وذكر مدير الشركة العامة للسكك الحديد في وقت سابق أن "إعمار وتأهيل خطوط السكك بحاجة إلى مخصصات مالية خاصة وأن ما يتم رصده لوزارة النقل من أموال تُعدّ غير كافية".
وأشار إلى أن التكلفة المالية لصيانة كيلو متر واحد في خط السكة نحو مليون دولار.
طموحات مستقبلية
في فبراير 2014، أعلنت شركة D.E.C الصينية لصناعة القطارات السريعة، عن "تسليم العراق رسميا لأول قطار" كدفعة أولى "ضمن صفقة لشراء عشرة قطارات حديثة بقيمة "115 مليون دولار".
وقامت الشركة العامة لسكك حديد العراق في أكتوبر 2021 بإجراء حملة واسعة لصيانة وتأهيل مجموعة من خطوط السكك الحديدية التي تعمل في نقل المنتجات النفطية من منصات التحميل إلى موانئ التصدير، وتم عمل صيانة كاملة لخط سكة حديد محطات سامراء وتكريت والعباسية، لتسهيل عملية النقل من منصات التحميل في بيجي باتجاه ميناء البصرة.
من اللافت للنظر، أن الحكومة العراقية خططت في السنوات السابقة. لتنفيذ عدد من مشروعات التوسعة والربط السككي مع مجموعة من الدول المجاورة. على سبيل المثال في يناير 2022، وقعت بغداد عقداً مع شركة إيطالية لإعداد تصميم لخطوط السكك الحديدية التي تبدأ من الفاو مروراً بالبصرة ثم بغداد وصولاً إلى الحدود التركية بطول 1220 كيلومتر.
كذلك كشف وزير التجارة السعودي في مايو الماضي عن وجود اقتراح لتأسيس خط سكك حديدية من البحر الأحمر إلى العراق، وفي الشهر نفسه، أعلن العراق عن مشروع إنشاء خطّ بري وخط للسكك الحديد يصل الخليج بالحدود التركية، أُطلق على هذا المشروع اسم "طريق التنمية".
ومن المُفترض أن يشهد تعاوناً إقليمياً بين دول عدة، منها قطر والإمارات والكويت وعمان والأردن وتركيا وإيران والسعودية وسوريا. حدّدت الحكومة العراقية التكلفة الأولية للمشروع بما يقترب من 17 مليار دولار، ومن المقرر أن يمتد الخط بطول 1200 كيلومتر داخل العراق.
