يتجدد الحديث عن تاريخ مدينة كركوك أهميتها الإستراتيجية، على أثر الأجواء المشحونة بين مكوناتها الرئيسة اليوم: عرب، وأكراد، وتركمان، ومحاولة الحكومة العراقية التهدئة بفرض حظر للتجول في أرجائها.
وكانت احتجاجات اندلعت في المدينة شارك فيها عرب وتركمان، عقب قرار إعادة أحد مقار الحزب الديمقراطي الكردستاني إليه، الذي تشغله "قيادة عمليات كركوك" منذ عام 2017.
ويُعتقد أن هذا القرار "يمهد لعودة سيطرة قوات البيشمركة" على كركوك، كما يعتقد الكثير من المتظاهرين الذين احتجوا قرب المقر الأمني، خطوة لاقت رد فعل مضاد من قبل الأكراد، وهو ما دفع بقوات الشرطة وفصائل من هيئة الحشد الشعبي، للتدخّل، ما أسفر عن مقتل أحد المواطنين.
الأهمية الإستراتيجية
وفقًا لبحث "قضية كركوك في الأبعاد الإستراتيجية" لعبدالرزاق علي حمادي، فإن كركوك تمتلك موقعًا جغرافيًا مميزًا شمال شرق العراق، لأنها تُطلُّ على أقصر الطرق التي تربط المدن ببعضها، ما يجعلها مفتاحا رئيسيا للتنقل بين كبرى المُدن العراقية.
قديما وقعت كركوك على طريق الحرير الذاهب إلى الصين وعلى "الطريق السُلطاني"، وهو خط تجاري ربط بين الإمبراطوريتين العثمانية والصفوية.
لذلك، حاولت أنظمة مختلفة السيطرة عليها عبر إقامة القلاع العسكرية وتسكين رعاياها فيها، وهو ما أدّى إلى حالة التنوع الفسيفسائي الذي تشهده كركوك اليوم.
حديثا زادت مكانة المدينة عقب اكتشاف أهم آبار النفط في العالم، ما جعلها مطمعا أساسيا لساسة المنطقة؛ فبعد نهاية الحرب العالمية الأولى أصرّت بريطانيا على أن تكون ولاية الموصل خاضعة للانتداب البريطاني بسبب تأكدها من توافر احتياطات نفطية كبيرة في أنحاء الولاية، خاصة في كركوك.
يعيش فيها مزيج من القوميات المختلفة من الأكراد والعرب والتركمان والآشوريين والكلدان والأرمن والصابئة المندائيين. من الناحية الدينية هناك المسلمون (شيعة وسنة) والمسيحيون بطوائفهم المتعددة، والأيزيديون.
بالنسبة للتركمان، يعود وجودهم إلى العصر الأموي، إذ كان الحكام المسلمون يستقطبون المقاتلين التركمان ويسكّنونهم في المنطقة، للاستعانة بهم في حل مشاكلهم الداخلية، وهي السياسة التي استمرّت في العهد العثماني، حيث قام الوُلاة بتسكين التركمان في الأماكن التي تضمُّ العرب والكرد معاً.
أما العرب فوجودهم حديث نسبيا، وارتبط بالحصول على وظائف في قطاعات النفط والصناعة. وخلال الحكم الملكي في العراق اعتُمدت سياسة التعريب، التي تضمّنت تسكين بعض العشائر العربية (العبيد، الجبور، البيات) في سهل الحويجة جنوب غرب كركوك.
أيضاً، هاجر عدد ضخم من العمال من وسط العراق إلى كركوك للعمل في مؤسساتها، وفي بداية الخمسينيات، أُنشئت دور سكنية ل لهم وصاروا كتلة رئيسة من مكوّنات المدينة، ما أحدث تغييرا ديمغرافيا.
في عام 1957، بعد انتهاء الحكم الملكي وسيطرة حزب البعث، أظهرت الإحصاءات أن العرب يمثلون 37% من إجمالي عدد السكان، والتركمان 28%، والأكراد 37%.
جذور الخلاف
تقول افتخار عليوي في بحثها "التنوع الإثني والتعايش السلمي في العراق (كركوك أنموذجاً)"، إنه وعقب سقوط نظام البعث بقيادة صدام حسين سنة 2003، أصبح وضع كركوك "شائكًا" لأن كل المكونات سعت لإثبات حقوقها.
وتضيف أن "مفوم الهوية هيمن على النظام السياسي العراقي بعد 2003، فتنافست الأحزاب الشيعية مع نظيرتها السنية كما قويت شوكة الأكراد أكثر من ذي قبل، ما زاد من تعقيد مشكلة كركوك، بعدما أصبحت كل جماعة مهتمة بالاستئثار بالمدينة النفطية لصالحها".
ينظر الأكراد إلى كركوك باعتبارها حقا لهم لا يُمكن التوصل إلى "حلول وسط" بشأنه، على حد تعبير مسعود برزاني رئيس إقليم كردستان.
بحسب الباحث الكردي نظام مارديني في ورقته "كركوك صورة نموذجية لعراق فيدرال متفجر"، أشعلت كركوك "انقساما في الشارع الكردي نفسه منذ 2003، حيث أعلن جلال طالباني رؤيته بأن تبقى كركوك مدينة للإخاء العربي والكردي والتركماني دون التفريط في هيمنة الأكراد عليها باعتبارها (قدس كردستان) على حد تعبيره، فيما زايَد عليه البرزاني معتبراً أن كركوك هي (قلب كردستان)، أي أنها مدينة عراقية بهوية كردستانية معلنا رفضه التخلي عنها ولو بالحرب".
في الوقت نفسه، يعتبر التركمان أن هذه المدينة كانت لهم منذ قديم الأزل وأن الأغلبية الكردية لم تظهر فيها إلا بعد اكتشاف النفط، وهو ما تجلّى في تصريحٍ قديم لصون كول جابوك، ممثلة التركمان في مجلس الحكم الانتقالي السابق، بأن "التركمان هم السكان الأصليون في كركوك".
اتّهم التركمان الأكراد باستغلال سقوط "البعث" للقيام بعملية "تكريد" واسعة لكركوك عبر "استقبال مئات الآلاف من الأكراد بدعوى أنهم نازحون طمعًا في تخريب التركيبة الديمغرافية للمدينة".
واعتبر قادة التركمان أن الولايات المتحدة الأميركية "أعانت الأكراد على هذا المخطط انتقاماً من تركيا التي رفضت السماح للقوات الأميركية باستغلال أراضيها في عملياتها ضد العراق".
دوليًا تتخذ تركيا موقفا معارضا من ضم مدينة كركوك إلى إقليم كردستان، خوفا من أن يؤدي ذلك لتوفير التمويل اللازم لإعلان دولة كردية. وفي 2006 أصدر البرلمان التركي تقريرا أكد فيه أن لأنقرة الحق في حماية "تركمان كركوك" حال تعرضهم لأذى إذا أُلحقت كركوك بالإقليم الكردي.
المادة (140): حل أم مشكلة؟
حدّدت المادة (140) أساسًا لتسوية مشكلة جميع المناطق المتنازع عليها بين بغداد وأربيل عبر إجراء تعداد سكاني تعقبها عملية استفتاء لحديد مصير كركوك.
مرّت السنوات واحدة تلو الأخرى دون أن يُجرى التعداد أو الاستفتاء، ولم يخفِ العرب أو التركمان رفضهم تنفيذ هذه المادة مدّعين أن السقف الزمني لتنفيذها قد انتهى، بالتالي لم يعد هناك مجال لتطبيقها.
بدلاً من تفعيل هذه المادة يسعى المكوّنان إلى خيارين لا ثالث لهما وهما الاستمرار تحت حُكم بغداد أو منح كركوك وضعا خاصا.
في 2017 فقد الأكراد سيطرتهم على المدينة التي نالوها بحُكم الأمر الواقع منذ 2003. فبعدما تحدّت أربيل بغداد عبر تنظيم استفتاءٍ من طرف واحد للانفصال عن العراق، ما كان من حيدر العبادي رئيس الحكومة العراقية آنذاك، إلا إعلان عملية عسكرية لـ"فرض الأمن" في كركوك انتهت بطرد البيشمركة وبسط السيطرة على المحافظة وكافة المناطق المتنازع عليها مع إقليم كردستان.
من جهتها، اعتبرت الباحثة افتخار عليوي، أن هذا الخلاف المعقد "لن يُحل أبدا بمجرد وجود نص دستوري، إنما عبر تقديم تنازلات من جميع الأطراف بهدف الالتفاف حول الهوية الوطنية الجامعة للدولة باعتبارها مشروعا وطنيا عابرا للإثنية والمذهبية".
وأكدت أن "نشر ثقافة التعايش بين الناس وتعزيز المصالح المشتركة وتحسين أحوالهم الاقتصادية وحل النزاعات بقوة القانون، السبيل الوحيد لحل هذه الأزمة".
