شكلت الخلافات على الموارد والزعامة في إقليم كردستان نقطة صراع محورية ومستمرة بين الحزبين الحاكمين منذ عقود، حتى باتت تشكل خطراً محتملاً يمكن أن يدفع بالأطراف المتنازعة إلى فض شراكتهما الهشة في ظل عدم الاتفاق المزمن بين الطرفين.
تصاعد حدة الخلافات دعا الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة في العراق، جينين بلاسخارت، في كلمتها أمام مجلس الأمن منتصف العام الحالي إلى القول، إن الخلافات بين الحزبين الحاكمين في الأشهر الأخيرة دفعت الإقليم إلى "حافة الهاوية".
لكن الخلافات التي تحدثت عنها بلاسخارت ليست آنية كما يقول المحلل السياسي غني الغضبان لـ "ارفع صوتك"، فقد "كانت أولاً نزاعات عشائرية بدأت عشرينيات القرن الماضي، واستمرت حتى بعد تأسيس الدولة العراقية عندما انخرط الأكراد في المقاومة ضد الحكومات العراقية المتعاقبة".
"كما أن المصالح كانت هي المحدد لعلاقة الحزبين مع بعضهما، فأي اتفاق يحصل يكون من أجل المكاسب، وعندما يكون هناك خلاف فهو من أجل المغانم"، يضيف الغضبان.
خلافات قديمة
أسس الملا مصطفى البارزاني الحزب الديمقراطي الكردستاني في أغسطس 1946، بالتزامن مع تسلمه وزارة الدفاع في جمهورية "مهاباد" بإيران التي أعلنها السياسي الكردي قاضي محمد، ومنحه منصب وزير الدفاع فيها، قبل أن يقضي عليها الشاه بعد مضي أقل من عام على إعلانها.
وهو الحزب ذاته الذي كان جلال الطالباني أحد أعضائه قبل أن ينشق بالإضافة إلى مجموعة أخرى عنه عام 1964، ليؤسس بعدها بعشر سنوات مع مجموعة من المفكرين والنشطاء الأكراد الاتحاد الوطني الكردستاني.
وعقب وفاة مصطفى البارزاني عام 1979 تسلم ابنه مسعود البارزاني قيادة الحزب، قبل أن يدخل في خلافات ممتدة مع بغداد من جهة ومع الاتحاد الوطني من جهة أخرى.
توزع نفوذ الحزبين الكرديين كما يوضح الغضبان "بحسب التوزيع الجغرافي العشائري لكل منهما. فكان مقر الحزب الديمقراطي الكردستاني في محافظتي أربيل ودهوك (على الحدود مع تركيا)، فيما كانت مناطق نفوذ الحزب الوطني الكردستاني في محافظة السليمانية (على الحدود الإيرانية)".
الحكم الذاتي
في بحث حمل عنوان "الأكراد أطراف في الصراعات الدائرة في العراق وضحايا لها" تحدثت الكاتبة أينعا روغ عن كيفية وصول أكراد العراق إلى الحكم الذاتي. تقول إنه تم نفي مصطفى البارزاني عقب سقوط "مهاباد" إلى الاتحاد السوفيتي، ومع إسقاط الحكم الملكي بقيادة عبد الكريم قاسم في يوليو 1958 عاد من منفاه إلى بغداد، وتحالفت الحركة مع قاسم.
ولكن، سرعان ما انفصلت عنه، ثم عقدت اتفاقاً لوقف إطلاق النار مع أول نظام بعثي عام 1968، وفق روغ.
لاحقاً، دخل الطرفان في قتال عنيف، أعقبته مفاوضات انتهت عام 1970 بالتوصل إلى مذكرة تنص على إقامة الحكم الذاتي في جميع المناطق ذات الأغلبية الكردية، والتعويض عن أضرار الحرب وسياسة الإبعاد.
وما إن باء تنفيذ المذكرة بالفشل، حتى وضعت الحكومة العراقية قانوناً للحكم الذاتي عام 1974 من جانب واحد، الأمر الذي أثار حفيظة الأكراد وجرى استئناف القتال لعام كامل، حتى وضعت اتفاقية الجزائر نهاية له بعد الاتفاق بين بغداد وطهران على إيقاف دعم إيران لأكراد العراق.
وفي أواخر السبعينيات استأنف حزب الاتحاد الوطني الكردستاني والديمقراطي المنافس له أنشطة محاربة الحكومة المركزية بدعم إيراني، لتشن حملة قمع عنيفة ضدهم بلغت ذروتها العام 1988 أطلق عليها اسم "الأنفال" انتهت بقصف مدينة حلبجة في محافظة السليمانية معقل الاتحاد الوطني الكردستاني بالأسلحة الكيمياوية.
حرب الإخوة
يعتبر عام 1991 مهماً في العلاقة بين بغداد والمدن الكردية بعد حصولها على نوع من الاستقلال عن المركز، كما تقول دراسة حملت عنوان "الصراع المسلح بين الحزبين الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني".
ورغم أهمية تلك الفترة إلا أن الدراسة خلصت إلى أن الأكراد تم إدخالهم "مرحلة من العمل السياسي الميداني لم تكن مهيأة له، ولدت ارتطام بالمصالح بين قيادات الحزبين الرئيسيين نتج عنه صراع على المكاسب والسلطة".
لكن هذا الصراع لم يبق ضمن دائرة السياسية "فسرعان ما تحول إلى صراع مسلح راح ضحيته آلاف المواطنين بين قتيل وجريح ونازح"، بحسب الدراسة.
بدأت تلك المرحلة بعد غزو العراق للكويت وإقامة ملاذ آمن للأكراد بقرار مجلس الأمن (688) في أبريل 1991، تضمن إنشاء منطقة حظر طيران فوق خط عرض 36 درجة، شملت أربيل والموصل وزاخو ودهوك .
أجريت أول انتخابات في الإقليم مايو 1992 وتم تشكيل إدارة جديدة اقتسم خلالها الحزبان الحاكمان الجديدان جميع المناصب مناصفة. تقول الدراسة: "كان كل وزير من حزب له نائب من الحزب الآخر، ما تسبب بآثار خطيرة إذ برز العداء بين قادة الحزبين، والأسوأ أنه امتد إلى أتباعهم (...) وكان لكل زعيم جماهيره، وكل طرف يريد غنائم النصر وقيادة الحركة الكردية".
وتضيف أن البارزاني أكد هذه الحقيقة "عندما اعترف بأن المنافسة مع الاتحاد الوطني لها علاقة بمسألة الهيمنة. في حين برر الاتحاد الوطني الاختلافات إلى أنها أيديولوجية، فهو على النقيض من العقلية العشائرية التقليدية".
الخلافات بين الطرفين على من يحق لهم زعامة كردستان سرعان ما اشتعلت نيرانها عندما اصطدمت بصخرة الخلاف على الموارد، وأيدتها دول داعمة لكل منها. وقفت تركيا إلى جانب الحزب الديمقراطي، وإيران إلى جانب الاتحاد الوطني.
عللت الدراسة بأنه "كان لكل من تركيا وإيران أقليات كردية كبيرة وكلاهما يسعى للسيطرة على المناطق المحاذية له"، لتبدأ حرب الإخوة بين الحزبين الكرديين.
منطقة صفراء وأخرى خضراء
استمرت الحرب بين الحزبين الكرديين في الفترة (1993-1998)، استعان خلالها جلال الطالباني بإيران التي زودته بالسلاح والقوات التي توغلت في مناطق الأكراد العراقية، وعندما مالت الكفة ناحية الاتحاد الوطني استعان مسعود بارزاني ببغداد التي ساندته وقدمت له الأسلحة.
تدخلت القوى الدولية لوقف القتال وإبعاد كل من بغداد وطهران عن القضية الكردية، وتم وقف إطلاق النار بشكل نهائي في أيلول 1998 بعد عقد اتفاقية واشنطن، التي تضمنت إطلاق الأسرى وعودة المرحلين ووقف الحرب الإعلامية وتقاسم السلطة والإيرادات والتعاون الأمني بين الطرفين.
وفق الدراسة أعلاه، لا يوجد بيانات إحصائية مصدقة لعدد ضحايا تلك الحرب، إلا أن التقديرات تشير إلى مقتل آلاف الأكراد وتسجيل آلاف المفقودين وترحيل عشرات الآلاف من ديارهم.
وكان الأكثر تدميرا للقضية الكردية "تقسيم كردستان إلى إدارتين منفصلتين هما المنطقة الخضراء التي يسيطر عليها حزب الاتحاد الوطني الكردستاني (محافظة السليمانية) والمنطقة الصفراء التي يسيطر عليها الحزب الديمقراطي الكردستاني (محافظتي أربيل ولدهوك )"، كما قالت الدراسة.
ما بعد 2003
بحسب تقرير معهد واشنطن للدراسات، بعنوان "صعود القوة الكردية وهبوطها في العراق"، فإن الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 دفع بإقليم كردستان إلى المستقبل، بعد أن أسفرت حرب الخليج عام 1991 عن قيام حكومة إقليم كردستان. فقد جلبت الأحداث معها وحدة الهدف بين الأحزاب الكردية بالاستفادة من علاقاتها مع الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا.
وعلى الرغم من استمرار الخلافات، أجرت الأحزاب الكردية محادثاتها بانسجام تام في بغداد. ففي دستور عام 2005، تم الاعتراف بكردستان كإقليم رسمي ومنح سلطة الحكم بشكل مستقل إلى حد كبير عن بغداد، كما اكتسبت الأحزاب الكردية نفوذاً كبيراً داخل الدولة العراقية، وأسهم نظام المحاصصة بشغل الأكراد مناصب مهمة مثل رئاسة الجمهورية ووزارة الخارجية.
مع حلول 2009 شهد حزب الاتحاد الوطني الكردستاني انشقاق عدد كبير من قادته وتشكيل قوة سياسية جديدة أطلق عليها اسم "حركة التغيير"، أثرت كثيراً على حضور الاتحاد في الإقليم، فسعى إلى التحالف مع الديمقراطي الكردستاني.
يقول المحلل السياسي غني الغضبان: "على طول تاريخهما السياسي كان الطرفان السياسيان في الإقليم في حالة من التناحر القبلي ثم السياسي داخليا وخارجيا، فجلال الطالباني كان يميل إلى الجانب الإيراني، فيما كان البارزاني يميل إلى روسيا أحيانا وإلى الولايات المتحدة الأميركية في أحيان أخرى".
ويرى أن هذه الحالة "ولّدت صراعاً على الأراضي والثروات الطبيعية، بدأت تظهر بشكل أكثر وضوحاً بعد إصابة الطالباني عام 2012 بجلطة دماغية وغيابه عن المشهد السياسي، وبروز خلافات وانشقاقات في حزبه، وبدأ نفوذ البارزاني بالتوسع وأصبح يحاول السيطرة على الإقليم بأكمله".
تجدد الخلافات
مع اجتياح تنظيم داعش لمناطق عديدة في العراق عام 2014 وانسحاب الجيش العراقي منها، سارعت قوات البيشمركة الكردية إلى السيطرة على مدينة كركوك الغنية بالنفط والمتنازع عليها بين بغداد والإقليم.
حينها قال مسعود بارزاني في مؤتمر صحافي: "لقد صبرنا عشر سنوات مع الحكومة الاتحادية لحل مشكلات هذه المناطق وفق المادة 140 ولكن دون جدوى (...) والآن أنجزت هذه المادة ولم يبق لها وجود".
هذا التصريح لم يلق ترحيباً من بغداد، ولا من الاتحاد الوطني صاحب النفوذ الأكبر في مدينة كركوك، ما أجج الصراع من جديد بين المركز والإقليم من جهة وبين الأحزاب الكردية نفسها من جهة أخرى.
استمر الوضع على ما هو عليه حتى عام 2017 حين أعلنت بغداد النصر على داعش، وأعلن الإقليم عن إجراء استفتاء شعبي للاستقلال حذرت من تداعياته الأمم المتحدة.
وسرعان ما استعاد المركز مدينة كركوك والمناطق الأخرى التي تقدمت نحوها البيشمركة بعد اشتباكات محدودة بين الطرفين واتهامات بالخيانة بين الحزبين الحاكمين الكرديين.
ومنذ ذلك التاريخ والخلافات بين الحزبين الكرديين آخذة بالتصاعد خصوصاً بعد التقارب الكبير بين بافل طالباني الذي تولى رئاسة الاتحاد بعد وفاة والده جلال الطالباني في أكتوبر 2017 وبين الحكومة المركزية في بغداد.
وبحسب تقرير معهد واشنطن، فإن التهديد الفعلي الذي تتعرض له حكومة إقليم كردستان "ليس خارجيا. فبعد ثلاثين عاماً من تأسيسها و 20 عاماً من الغزو الأميركي، تفتقر حكومة الإقليم إلى رؤية واضحة لمستقبلها كما لو أنها تمر بأزمة منتصف العمر".
وفي ظل خطر فقدان دورها المهم "تواجه احتمال حدوث انفجار داخلي بسبب عدم اليقين الاقتصادي والانقسامات الداخلية المزمنة والمؤسسات الضعيفة"، تقول الدراسة.
برلمان واحد وحكومتان
من جهته، يقول الباحث كارزان حميد لـ "ارفع صوتك"، إن ما نراه اليوم في إقليم كردستان هو "صراع سياسي واقتصادي انتقل من الجيل الأول الذي لم يتمكن من حل مشاكله إلى الجيل الثاني من قياديي الحزبين الكرديين، متمثلا ببافل طالباني عن الاتحاد الوطني، ومسرور بارزاني اللذين أصبحا القادة شبه الفعليين في الإقليم".
ويصف الصراع الحالي بـ"الشكلي الثانوي والإعلامي"، مضيفاً أن هدفه "تثبيت موطئ قدم لهم في بغداد ومع الدول المحيطة، ولن يتحول إلى صراع إستراتيجي ولا نزاع مسلح".
يتابع حميد: "ما يجمع بين الحزبين هو الاقتصاد، فكلاهما يحتكران الاستثمارات والعقود التجارية ويقسمون مصالحهم المالية والاستثمارية كلٌّ حسب جغرافيته، وتربطهم مع بعضهم مصالح مشتركة كثيرة".
ويشير إلى أن أهم مشاكل الإقليم "تتعلق بمركزية أربيل في الحكم، وقلة المال الذي يصل منها إلى باقي المناطق، ومسألة تحديد الانتخابات المقبلة في فبراير العام المقبل بعد تعطيل دور برلمان الإقليم، التي وافق عليها الحزبان على مضض بعد ضغط داخلي وخارجي".
أما فيما يتعلق بالحديث عن انفصال السليمانية عن أربيل ودهوك، "فإن المقترح ليس جديداً فقد قدمه سابقاً السياسي الراحل كريم أحمد سكرتير اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الكردستاني، الذي اقترح وقتها نظاماً سياسياً شبه فدرالي في إقليم كردستان، يتكون حكومتين محليتين وبرلمان واحد"، يوضح حميد.
ويستدرك أن الحزبين في حينها "رفضا الاقتراح، لكنهما اليوم وصلا إلى هذه القناعة".
ويعتقد حميد أن تقسيم الإقليم "فكرة غير واردة لأن من يقوم بها سيفقد قاعدته الشعبية والجماهيرية، وأي خطة للتقسيم سيكون لها رد فعل سلبي شعبي لأنه يعتبر خيانة عظمى للقضية الكردية، فالشعب بغض النظر عن الانتماءات هو مع توحيد الشعب الكردي".
