العلم الكردي بمحاذاة علم الحزب الديمقراطي الكردستاني- تعبيرية
العلم الكردي بمحاذاة علم الحزب الديمقراطي الكردستاني- تعبيرية

شكلت الخلافات على الموارد والزعامة في إقليم كردستان نقطة صراع محورية ومستمرة بين الحزبين الحاكمين منذ عقود، حتى باتت تشكل خطراً محتملاً يمكن أن يدفع بالأطراف المتنازعة إلى فض شراكتهما الهشة في ظل عدم الاتفاق المزمن بين الطرفين.

تصاعد حدة الخلافات دعا الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة في العراق، جينين بلاسخارت، في كلمتها أمام مجلس الأمن منتصف العام الحالي إلى القول، إن الخلافات بين الحزبين الحاكمين في الأشهر الأخيرة دفعت الإقليم إلى "حافة الهاوية".

لكن الخلافات التي تحدثت عنها بلاسخارت ليست آنية كما يقول المحلل السياسي غني الغضبان لـ "ارفع صوتك"، فقد "كانت أولاً نزاعات عشائرية بدأت عشرينيات القرن الماضي، واستمرت حتى بعد تأسيس الدولة العراقية عندما انخرط الأكراد في المقاومة ضد الحكومات العراقية المتعاقبة".

"كما أن المصالح كانت هي المحدد لعلاقة الحزبين مع بعضهما، فأي اتفاق يحصل يكون من أجل المكاسب، وعندما يكون هناك خلاف فهو من أجل المغانم"، يضيف الغضبان.

 

خلافات قديمة

أسس الملا مصطفى البارزاني الحزب الديمقراطي الكردستاني في أغسطس 1946، بالتزامن مع تسلمه وزارة الدفاع في جمهورية "مهاباد" بإيران التي أعلنها السياسي الكردي قاضي محمد، ومنحه منصب وزير الدفاع فيها، قبل أن يقضي عليها الشاه بعد مضي أقل من عام على إعلانها.

وهو الحزب ذاته الذي كان جلال الطالباني أحد أعضائه قبل أن ينشق بالإضافة إلى مجموعة أخرى عنه عام 1964، ليؤسس بعدها بعشر سنوات مع مجموعة من المفكرين والنشطاء الأكراد الاتحاد الوطني الكردستاني.

وعقب وفاة مصطفى البارزاني عام 1979 تسلم ابنه مسعود البارزاني قيادة الحزب، قبل أن يدخل في خلافات ممتدة مع بغداد من جهة ومع الاتحاد الوطني من جهة أخرى.

توزع نفوذ الحزبين الكرديين كما يوضح الغضبان "بحسب التوزيع الجغرافي العشائري لكل منهما. فكان مقر الحزب الديمقراطي الكردستاني في محافظتي أربيل ودهوك (على الحدود مع تركيا)، فيما كانت مناطق نفوذ الحزب الوطني الكردستاني في محافظة السليمانية (على الحدود الإيرانية)".

 

الحكم الذاتي

في بحث حمل عنوان "الأكراد أطراف في الصراعات الدائرة في العراق وضحايا لها" تحدثت الكاتبة أينعا روغ عن كيفية وصول أكراد العراق إلى الحكم الذاتي. تقول إنه تم نفي مصطفى البارزاني عقب سقوط "مهاباد" إلى الاتحاد السوفيتي، ومع إسقاط الحكم الملكي بقيادة عبد الكريم قاسم في يوليو 1958 عاد من منفاه إلى بغداد، وتحالفت الحركة مع قاسم.

ولكن، سرعان ما انفصلت عنه، ثم عقدت اتفاقاً لوقف إطلاق النار مع أول نظام بعثي عام 1968، وفق روغ.

لاحقاً، دخل الطرفان في قتال عنيف، أعقبته مفاوضات انتهت عام 1970 بالتوصل إلى مذكرة تنص على إقامة الحكم الذاتي في جميع المناطق ذات الأغلبية الكردية، والتعويض عن أضرار الحرب وسياسة الإبعاد.

وما إن باء تنفيذ المذكرة بالفشل، حتى وضعت الحكومة العراقية قانوناً للحكم الذاتي عام 1974 من جانب واحد، الأمر الذي أثار حفيظة الأكراد وجرى استئناف القتال لعام كامل، حتى وضعت اتفاقية الجزائر نهاية له بعد الاتفاق بين بغداد وطهران على إيقاف دعم إيران لأكراد العراق.

وفي أواخر السبعينيات استأنف حزب الاتحاد الوطني الكردستاني والديمقراطي المنافس له أنشطة محاربة الحكومة المركزية بدعم إيراني، لتشن حملة قمع عنيفة ضدهم بلغت ذروتها العام 1988 أطلق عليها اسم "الأنفال" انتهت بقصف مدينة حلبجة في محافظة السليمانية معقل الاتحاد الوطني الكردستاني بالأسلحة الكيمياوية.

 

حرب الإخوة

يعتبر عام 1991 مهماً في العلاقة بين بغداد والمدن الكردية بعد حصولها على نوع من الاستقلال عن المركز، كما تقول دراسة حملت عنوان "الصراع المسلح بين الحزبين الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني".

ورغم أهمية تلك الفترة إلا أن الدراسة خلصت إلى أن الأكراد تم إدخالهم "مرحلة من العمل السياسي الميداني لم تكن مهيأة له، ولدت ارتطام بالمصالح بين قيادات الحزبين الرئيسيين نتج عنه صراع على المكاسب والسلطة".

لكن هذا الصراع لم يبق ضمن دائرة السياسية "فسرعان ما تحول إلى صراع مسلح راح ضحيته آلاف المواطنين بين قتيل وجريح ونازح"، بحسب الدراسة.

بدأت تلك المرحلة بعد غزو العراق للكويت وإقامة ملاذ آمن للأكراد بقرار مجلس الأمن (688) في أبريل 1991، تضمن إنشاء منطقة حظر طيران فوق خط عرض 36 درجة، شملت أربيل والموصل وزاخو ودهوك .

أجريت أول انتخابات في الإقليم مايو 1992 وتم تشكيل إدارة جديدة اقتسم خلالها الحزبان الحاكمان الجديدان جميع المناصب مناصفة. تقول الدراسة: "كان كل وزير من حزب له نائب من الحزب الآخر، ما تسبب بآثار خطيرة إذ برز العداء بين قادة الحزبين، والأسوأ أنه امتد إلى أتباعهم (...) وكان لكل زعيم جماهيره، وكل طرف يريد غنائم النصر وقيادة الحركة الكردية".

وتضيف أن البارزاني أكد هذه الحقيقة "عندما اعترف بأن المنافسة مع الاتحاد الوطني لها علاقة بمسألة الهيمنة. في حين برر الاتحاد الوطني الاختلافات إلى أنها أيديولوجية، فهو على النقيض من العقلية العشائرية التقليدية".

الخلافات بين الطرفين على من يحق لهم زعامة كردستان سرعان ما اشتعلت نيرانها عندما اصطدمت بصخرة الخلاف على الموارد، وأيدتها دول داعمة لكل منها. وقفت تركيا إلى جانب الحزب الديمقراطي، وإيران إلى جانب الاتحاد الوطني.

عللت الدراسة بأنه "كان لكل من تركيا وإيران أقليات كردية كبيرة وكلاهما يسعى للسيطرة على المناطق المحاذية له"، لتبدأ حرب الإخوة بين الحزبين الكرديين.

 

منطقة صفراء وأخرى خضراء

استمرت الحرب بين الحزبين الكرديين في الفترة (1993-1998)، استعان خلالها جلال الطالباني بإيران التي زودته بالسلاح والقوات التي توغلت في مناطق الأكراد العراقية، وعندما مالت الكفة ناحية الاتحاد الوطني استعان مسعود بارزاني ببغداد التي ساندته وقدمت له الأسلحة.

تدخلت القوى الدولية لوقف القتال وإبعاد كل من بغداد وطهران عن القضية الكردية، وتم وقف إطلاق النار بشكل نهائي في أيلول 1998 بعد عقد اتفاقية واشنطن، التي تضمنت إطلاق الأسرى وعودة المرحلين ووقف الحرب الإعلامية وتقاسم السلطة والإيرادات والتعاون الأمني بين الطرفين.

وفق الدراسة أعلاه، لا يوجد بيانات إحصائية مصدقة لعدد ضحايا تلك الحرب، إلا أن التقديرات تشير إلى مقتل آلاف الأكراد وتسجيل آلاف المفقودين وترحيل عشرات الآلاف من ديارهم.

وكان الأكثر تدميرا للقضية الكردية "تقسيم كردستان إلى إدارتين منفصلتين هما المنطقة الخضراء التي يسيطر عليها حزب الاتحاد الوطني الكردستاني (محافظة السليمانية) والمنطقة الصفراء التي يسيطر عليها الحزب الديمقراطي الكردستاني (محافظتي أربيل ولدهوك )"، كما قالت الدراسة.

 

ما بعد 2003

بحسب تقرير معهد واشنطن للدراسات، بعنوان "صعود القوة الكردية وهبوطها في العراق"، فإن الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 دفع بإقليم كردستان إلى المستقبل، بعد أن أسفرت حرب الخليج عام 1991 عن قيام حكومة إقليم كردستان. فقد جلبت الأحداث معها وحدة الهدف بين الأحزاب الكردية بالاستفادة من علاقاتها مع الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا.

وعلى الرغم من استمرار الخلافات، أجرت الأحزاب الكردية محادثاتها بانسجام تام في بغداد. ففي دستور عام 2005، تم الاعتراف بكردستان كإقليم رسمي ومنح سلطة الحكم بشكل مستقل إلى حد كبير عن بغداد، كما اكتسبت الأحزاب الكردية نفوذاً كبيراً داخل الدولة العراقية، وأسهم نظام المحاصصة بشغل الأكراد مناصب مهمة مثل رئاسة الجمهورية ووزارة الخارجية.

مع حلول 2009 شهد حزب الاتحاد الوطني الكردستاني انشقاق عدد كبير من قادته وتشكيل قوة سياسية جديدة أطلق عليها اسم "حركة التغيير"، أثرت كثيراً على حضور الاتحاد في الإقليم، فسعى إلى التحالف مع الديمقراطي الكردستاني.

يقول المحلل السياسي غني الغضبان: "على طول تاريخهما السياسي كان الطرفان السياسيان في الإقليم في حالة من التناحر القبلي ثم السياسي داخليا وخارجيا، فجلال الطالباني كان يميل إلى الجانب الإيراني، فيما كان البارزاني يميل إلى روسيا أحيانا وإلى الولايات المتحدة الأميركية في أحيان أخرى".

ويرى أن هذه الحالة "ولّدت صراعاً على الأراضي والثروات الطبيعية، بدأت تظهر بشكل أكثر وضوحاً بعد إصابة الطالباني عام 2012 بجلطة دماغية وغيابه عن المشهد السياسي، وبروز خلافات وانشقاقات في حزبه، وبدأ نفوذ البارزاني بالتوسع وأصبح يحاول السيطرة على الإقليم بأكمله".

 

تجدد الخلافات

مع اجتياح تنظيم داعش لمناطق عديدة في العراق عام 2014 وانسحاب الجيش العراقي منها، سارعت قوات البيشمركة الكردية إلى السيطرة على مدينة كركوك الغنية بالنفط والمتنازع عليها بين بغداد والإقليم.

حينها قال مسعود بارزاني في مؤتمر صحافي: "لقد صبرنا عشر سنوات مع الحكومة الاتحادية لحل مشكلات هذه المناطق وفق المادة 140 ولكن دون جدوى (...) والآن أنجزت هذه المادة ولم يبق لها وجود".

هذا التصريح لم يلق ترحيباً من بغداد، ولا من الاتحاد الوطني صاحب النفوذ الأكبر في مدينة كركوك، ما أجج الصراع من جديد بين المركز والإقليم من جهة وبين الأحزاب الكردية نفسها من جهة أخرى.

استمر الوضع على ما هو عليه حتى عام 2017 حين أعلنت بغداد النصر على داعش، وأعلن الإقليم عن إجراء استفتاء شعبي للاستقلال حذرت من تداعياته الأمم المتحدة.

وسرعان ما استعاد المركز مدينة كركوك والمناطق الأخرى التي تقدمت نحوها البيشمركة بعد اشتباكات محدودة بين الطرفين واتهامات بالخيانة بين الحزبين الحاكمين الكرديين.

ومنذ ذلك التاريخ والخلافات بين الحزبين الكرديين آخذة بالتصاعد خصوصاً بعد التقارب الكبير بين بافل طالباني الذي تولى رئاسة الاتحاد بعد وفاة والده جلال الطالباني في أكتوبر 2017 وبين الحكومة المركزية في بغداد.

وبحسب تقرير معهد واشنطن، فإن التهديد الفعلي الذي تتعرض له حكومة إقليم كردستان "ليس خارجيا. فبعد ثلاثين عاماً من تأسيسها و 20 عاماً من الغزو الأميركي، تفتقر حكومة الإقليم إلى رؤية واضحة لمستقبلها كما لو أنها تمر بأزمة منتصف العمر".

وفي ظل خطر فقدان دورها المهم "تواجه احتمال حدوث انفجار داخلي بسبب عدم اليقين الاقتصادي والانقسامات الداخلية المزمنة والمؤسسات الضعيفة"، تقول الدراسة.

 

برلمان واحد وحكومتان

من جهته، يقول الباحث كارزان حميد لـ "ارفع صوتك"، إن ما نراه اليوم في إقليم كردستان هو "صراع سياسي واقتصادي انتقل من الجيل الأول الذي لم يتمكن من حل مشاكله إلى الجيل الثاني من قياديي الحزبين الكرديين، متمثلا ببافل طالباني عن الاتحاد الوطني، ومسرور بارزاني اللذين أصبحا القادة شبه الفعليين في الإقليم".

ويصف الصراع الحالي بـ"الشكلي الثانوي والإعلامي"، مضيفاً أن هدفه "تثبيت موطئ قدم لهم في بغداد ومع الدول المحيطة، ولن يتحول إلى صراع إستراتيجي ولا نزاع مسلح".

يتابع حميد: "ما يجمع بين الحزبين هو الاقتصاد، فكلاهما يحتكران الاستثمارات والعقود التجارية ويقسمون مصالحهم المالية والاستثمارية كلٌّ حسب جغرافيته، وتربطهم مع بعضهم مصالح مشتركة كثيرة".

ويشير إلى أن أهم مشاكل الإقليم "تتعلق بمركزية أربيل في الحكم، وقلة المال الذي يصل منها إلى باقي المناطق، ومسألة تحديد الانتخابات المقبلة في فبراير العام المقبل بعد تعطيل دور برلمان الإقليم، التي وافق عليها الحزبان على مضض بعد ضغط داخلي وخارجي".

أما فيما يتعلق بالحديث عن انفصال السليمانية عن أربيل ودهوك،  "فإن المقترح ليس جديداً فقد قدمه سابقاً السياسي الراحل كريم أحمد سكرتير اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الكردستاني، الذي اقترح وقتها نظاماً سياسياً شبه فدرالي في إقليم كردستان، يتكون حكومتين محليتين وبرلمان واحد"، يوضح حميد.

ويستدرك أن الحزبين في حينها "رفضا الاقتراح، لكنهما اليوم وصلا إلى هذه القناعة". 

ويعتقد حميد أن تقسيم الإقليم "فكرة غير واردة لأن من يقوم بها سيفقد قاعدته الشعبية والجماهيرية، وأي خطة للتقسيم سيكون لها رد فعل سلبي شعبي لأنه يعتبر خيانة عظمى للقضية الكردية، فالشعب بغض النظر عن الانتماءات هو مع توحيد الشعب الكردي".

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

فقد تنظيم داعش مصدر تمويله الرئيسي، النفط، بعد خسارته لأراضيه في سوريا والعراق.
فقد تنظيم داعش مصدر تمويله الرئيسي، النفط، بعد خسارته لأراضيه في سوريا والعراق.

يبدو تنظيم داعش، عندما يتعلق الأمر بالتمويل والبحث عن مصادر دخل تنعش موارده المتدهورة، أشبه بكيان متمرس في عالم المافيا والجريمة المنظمة. الكثيرون، بمن فيهم أمراء كبار، انشقوا عنه حينما صدمتهم هذه الحقيقة. 

قيادة التنظيم نفسها تدرك جيدا أن تسليط الضوء على هذا الجانب من نشاطات التنظيم يقوض الصورة التي رسمها لنفسه أمام أتباعه وأنصاره. لذلك لم يتبنَّ يوما أي عملية قتل أو تخريب قام بها باسم جباية ما يسميها "الكلفة السلطانية" رغم أن جزءا من جهوده، لا سيما في شرق سوريا، مكرس لهذا النشاط الشنيع.

 

الكلفة السلطانية

 

منذ خسارة التنظيم للمساحات الشاسعة التي كان يسيطر عليها في سوريا والعراق، وما نجم عن ذلك من فقدانه لما تدره عليه المعابر وحقول النفط من موارد مالية كبيرة، فَعّل التنظيم عددا من "الخطط الاقتصادية" البديلة كان من بينها جباية ما يسميها "الكلفة السلطانية".

تعد " الكلفة السلطانية" نشاطا مدرا للدخل إلى جانب نشاطات أخرى ضمن "اقتصاد الحرب" تضخ في خزينة التنظيم أموالا طائلة، مثل التهريب، والاختطاف، وتجارة الآثار، والسطو على البنوك ومحلات الصرافة، واستحواذه على احتياطات العملة الصعبة والذهب في المدن التي اجتاحها، ونهب ممتلكات الطوائف الأخرى وغيرها.

تزامنت ثورة مواقع التواصل الاجتماعي مع الصعود السريع لتنظيم داعش عام 2013.
"داعش".. خلافة رقمية يطوقها مارد الذكاء الاصطناعي
الشركات التكنولوجية الكبيرة شرعت منذ 2017 في الاعتماد كليا على خوارزميات الذكاء الاصطناعي لرصد وحذف المواد التي تروج للتطرف العنيف على منصاتها، بينما اقتصر دورها في السابق على تكميل جهود فرق بشرية يقع على عاتقها عبء هذه العملية برمتها.

لعدة سنوات ظل التنظيم يجمع " الكلفة السلطانية" لاسيما في مناطق الشرق السوري، حيث تنتشر حقول النفط، والمساحات الزراعية، وممرات التهريب، والمتاجر ومحلات الصرافة. لكنه لم يكن يتحدث عن ذلك لا في إعلامه الرسمي ولا الرديف، بل وتحاشى الاشارة إليها حتى في مراسلاته الداخلية، لأنه يدرك أن جدلا محموما سينتج عن ذلك، وسيحتاج إلى فتاوى دينية وجهود دعائية كبيرة لإقناع أتباعه بـ"وجاهة" أفعاله، وقد خرج أعضاء سابقون في التنظيم ونشروا على قنواتهم الرقمية "أن إرغام المسلمين غصبا وبحد السيف على إعطاء جزء من حلالِهم لثلة من المفسدين في الأرض هو عمل عدواني لا يقوم به إلا أهل البغي وقطاع الطرق".

 

ضريبة على رعايا الخليفة!

 

ينبغي التفريق هنا بين ما ينهبه التنظيم ممن يعتبرهم "كفارا ومرتدين" والذي يسميه ب"الفيء" و"الغنيمة" وبين ما يجبيه باسم "الكلفة السلطانية". فالكلفة السلطانية هي ضريبة يؤديها "المسلمون ورعايا الخليفة" بالقوة والإكراه، أي أن المستهدفين بها هم في عرف التنظيم من المسلمين الذين "لا تحل أموالهم ودماؤهم" ولا تدخل "الكلفة السلطانية" أيضا ضمن الزكاة الواجبة التي تتم جبايتها قسرا من المسلمين من طرف أمنيي التنظيم.

وبعد انكشاف أمر عمليات السطو والنهب هذه لم يجد التنظيم بدا من الحديث عنها في مراسلاته الداخلية، وانتداب أحد شرعييه لصياغة فتوى لتسويغها من الناحية الدينية.

صاغ أبو المعتصم القرشي، وهو أحد كوادر "المكتب الشرعي" لـ"ولاية الشام" فتوى مطولة في 12 صفحة، وحشد فيها مجموعة من النصوص الدينية والقواعد الأصولية التي اعتبرها "أدلة شرعية" على جواز نهب أموال المسلمين بالقوة والإكراه!.

عَرّف القرشي الكلفة السلطانية بأنها " الأموال التي يطلبها الإمام من الناس لأجل مصلحة شرعية". ولعجزه عن إيجاد نصوص قطعية من الكتاب والسنة لتبرير هذه "البدعة الداعشية"، فقد لجأ إلى القواعد الأصولية من قبيل" يُتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام" و" درء المفاسد مقدم على جلب المصالح"، و" تفويت أدنى المصلحتين لتحصيل أعلاهما"، و"ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب".

يعني هذا ببساطة أن مصلحة استمرار عمليات التنظيم والحفاظ على قوته ومقدراته مقدمة على مصالح الناس الأخرى، وأن تواصل عمليات التنظيم باعتبارها "جهادا مقدسا"  إذا لم يتم إلا بالسطو على أموال الناس فيجب السطو عليها.

أكد القرشي في نص فتواه جواز استخدام العنف والقوة لجباية الأموال، قائلا: "لا شك أن المال عصب الجهاد، والإعداد لا يكون إلا به، فتحصيله وتوفيره واجب على الإمام ولو بالقوة والإكراه"، ومن امتنع عن أداء "الكلف السلطانية جاز للإمام أو من ينوب عنه أن يعزره بشكل يكون رادعا له ولغيره حتى يؤدي ما عليه من الحقوق المالية في هذا الشأن".

أما الفئات الاجتماعية المستهدفة بهذه الضريبة، فقد قدم أبو المعتصم سردا طويلا بأصحاب المهن والمحلات التجارية والأطباء والصرافين والفلاحين والمدارس والكليات وتجار الدجاج والبيض وتجار المواشي والمستشفيات. ولم يترك أي نشاط مدر للدخل إلا وأشار إليه ضمن الذين فرض عليهم دفع "الكلف السلطانية"، ولم يستثن سوى أصحاب البسْطات على الأرصفة.

أخطر ما في الفتوى هو أن الممتنع عن أداء ما يطلبه التنظيم من أموال سيكون مصيره القتل والحكم عليه بالردة، و" طريقة استخدام القوة تتفاوت حسب المعاندة والممانعة بين التهديد، والإتلاف لبعض المال، أو التعزير، أو التغريم المالي وحتى الجسدي، ثم القتل إذا استعان الممتنع بشوكة الكفار والمرتدين على المجاهدين فعندها يُطبق عليه حكم الردة" حسب تعبير أبي المعتصم القرشي.

 

معاناة الناس في شرق سوريا

 

في شرق سوريا، يتم استخلاص هذه الضريبة بعد توجيه رسائل تهديد بأرقام دولية عبر تطبيق واتساب إلى المعنيين، وتخييرهم بين دفع "السلطانية" أو مواجهة خلايا الاغتيال، بعد تخريب ممتلكاتهم وتقويض مشاريعهم التجارية والاستثمارية.

وحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان، فقد ارتفعت هذا العام نسبة تلك الضرائب إلى حد كبير جداً مقارنة بالسنوات الفائتة، حتى بلغت نحو 616 ألف دولار من تجار النفط والمستثمرين.

وحصل المرصد على إفادة من أحد العاملين في شركة مستثمرة في قطاع النفط في المنطقة الشرقية (دير الزور) تقول بأن الشركة رفضت دفع كامل المبلغ المطلوب منها تحت مسمى "الكلفة السلطانية"، والتي قدرها التنظيم بنصف مليون دولار أميركي، ودفعت بدلها 300 ألف دولار، لكن التنظيم هدد سائقي صهاريج المحروقات التي تعمل لصالح الشركة بالاستهداف إذا لم يتم دفع المبلغ كاملا في غضون أسابيع، ولم يعد لدى الشركة خيار آخر سوى تدبير ما تبقى من المبلغ.

مستثمر آخر في قطاع النفط توصل برسالة عبر تطبيق الواتساب من رقم دولي مفادها بأن عليه دفع "الكلفة السلطانية" البالغ قدرها 75 ألف دولار، وعدم إخبار أي جهة تابعة لقسد أو التحالف الدولي بذلك ووجهت له تهديدات في حال التبليغ أو عدم دفع المبلغ خلال أسبوع، وأن خلايا التنظيم ستقوم بزرع عبوة في سيارته أو حرق بئر النفط الذي يعود له.

ولفت المرصد إلى أن خلايا داعش في بادية ريف دير الزور الشرقي تفرض ضرائب تتراوح بين 1000 و3500 دولار، في مناطق ذيبان وحوايج ذيبان وجديد بكارة، على المستثمرين الذين يعملون على توريد المحروقات إلى "سادكوبى" التابعة للإدارة الذاتية في دير الزور.

يعمد التنظيم أيضا إلى حرق المحاصيل الزراعية التي تعود للفلاحين الذين رفضوا الرضوخ لابتزازه ودفع الأموال التي يطلبها منهم، ورمي القنابل اليدوية على منازل الأثرياء، وعيادات الأطباء، وقد هرب عدد من الأطباء من المنطقة الشرقية بعدما أثقل التنظيم كاهلهم بالضرائب و"المكوس"، ولا سيما وقد وضعهم في رأس قائمة أهدافه لأنهم -حسب اعتقاده- يجنون الأموال أكثر من غيرهم.