أغلب المبتزين الذين يستهدفون الذكور يكونون ذكوراً متنكرين بهوية نساء ويرسلون فيديوهات مسجلة- تعبيرية
أغلب المبتزين الذين يستهدفون الذكور يكونون ذكوراً متنكرين بهوية نساء ويرسلون فيديوهات مسجلة- تعبيرية

حذر مختصون في محاربة الابتزاز الإلكتروني من انتشار تطبيقات تستخدم الذكاء الاصطناعي لإنشاء محتوى مزيف يهدف إلى ابتزاز النساء بشكل خاص، عبر فبركة صور رقمية عارية أو إباحية يمكن في حال انتشارها أن تؤدي إلى جرائم قتل بحق النساء.

يقول إبراهيم خليل، الذي يعمل في محاربة الابتزاز، إن حالات الابتزاز الإلكتروني "في تصاعد مستمر كما أن طرقها وأساليبها تطورت وأصبحت أكثر تعقيداً مع تطور التقنيات ودخول الذكاء الاصطناعي كسلاح بيد المبتزين".

يوضح لـ"ارفع صوتك": "في السابق كان على المبتزين اختراق صفحة أو إنشاء علاقة مع فتاة أو شاب على مواقع التواصل والحصول على صورهم، أما الآن فلا حاجة سوى إلى صور منشورة على مواقع التواصل يتم إرسالها إلى بوتات خاصة على التلغرام ويتم تحويلها إلى صور عارية أو فاضحة خلال دقائق".

ويبين خليل أن تلك الصور "تبدو وكأنها حقيقية ولم يتم التلاعب بها، وهو ما يدق ناقوس الخطر خصوصاً في مجتمعات محافظة مثل المجتمع العراقي، إذ يمكن أن تؤدي تلك الصور إلى جرائم قتل بدافع الشرف".

استهداف المراهقات

أكثر فئة يتم استهدافها من قبل المبتزين وتعتبر "فريسة سهلة" على حد تعبير خليل، هي"فئة الفتيات صغيرات السن أو المراهقات من عمر 14 سنة حتى 18 عاما".

ويشرح أن مطالب المبتزين "تختلف من شخص إلى آخر، فهناك من يحاول إجبار الفتاة على لقائه خارج العالم الافتراضي لأغراض دنيئة، وهناك من يطلبون المال مقابل عدم نشر محادثات بينهم وبين الفتاة".

يتابع خليل: "تضطر أغلب الفتيات إلى عدم الإفصاح لعائلتها أو التبليغ عن تعرضها إلى الابتزاز بسبب طبيعة المجتمع العراقي المحافظة، كما يخشين اللجوء إلى القانون خوفاً من عواقب عائلية وعشائرية قد تصل إلى العنف الأسري والقتل أحياناً".

في السياق، يتحدث المحامي أحمد نجاح عن إحدى الحالات التي كادت تتعرض فيها فتاة للقتل، يقول: "بعد تعرضها إلى ابتزاز من شاب تعرفت عليه على مواقع التواصل، أخبرت الفتاة والدتها، فقوبلت بالضرب المبرح من رجال العائلة، واضطررنا إلى إبلاغ الشرطة المجتمعية وإنقاذها في آخر لحظة، وأخذ تعهد من عائلتها للحفاظ على حياتها".

كل هذا الذي حصل مع الفتاة "نتيجة ابتزاز الشاب لها بهدف إقامة علاقة غير لائقة معها، أو يبلغ عائلتها المتشددة بأنها حادثت شاباً عبر الإنترنت وأرسلت صوراً عادية جدا له"، بحسب ما يقول المحامي لـ"ارفع صوتك".

ابتزاز إلكتروني
"الابتزاز الإلكتروني" في العراق.. السلطات تكافح وسط صمت الضحايا
"أنا مجهولة تماما وأستخدم اسما مزيفا على فيسبوك وإنستغرام" تقول رغد (اسم مستعار) وهي من سكنة منطقة زيونة ببغداد، وتعمل موظفة استقبال في شركة خاصة للطيران منذ عدة سنوات.

بدأت رغد، وهي في العقد العشريني من عمرها، في استخدام

ابتزاز إلكتروني للشبان

رغم أن الفتيات صغيرات السن هن الأكثر تعرضاً للابتزاز في العراق، إلا أن نجاح يحدد ثلاث شرائح من الذكور يتم استهدافهم وابتزازهم بطرق مختلفة من داخل العراق أو خارجه.

يبين المحامي والمستشار القانوني، الذي أنشأ محتوى رقمياً للتوعية بحالات الابتزاز الإلكتروني والمساعدة القانونية للضحايا: "يتم ابتزاز المراهقين الذكور عبر مجاميع الألعاب التي يتم التواصل فيها من خلال الصوت، إذ يتم استدراجهم وتوريطهم بأفعال جنسية وتصويرها عبر طرف ثالث مشترك بالمحادثات دون علم الضحية".

"كما يتم استهداف الشباب من المتزوجين عبر مراسلتهم وتوريطهم في علاقات نسائية، ثم ابتزازهم مالياً لتجنب إبلاغ زوجاتهم، خصوصاً إذا خرجت العلاقة عن إطار العالم الافتراضي إلى الواقع"، يضيف نجاح.

ويتابع: "المشكلة في هذه الحالة أن الرجال المتزوجين لا يمكنهم إبلاغ الجهات المختصة لأنه سيدخل في اتهامات بالخيانة الزوجية فيضطر إلى الخضوع للابتزاز، وقد لا يكون الابتزاز مالياً إذ يمكن إجبار الشخص على الاستمرار بالعلاقة أو تحويلها إلى علاقة رسمية بالزواج".

أما الشريحة الثالثة، بحسب نجاح فتتضمن "العاملين في أماكن حساسة بالدولة العراقية، يمكن أن تؤثر حالات الابتزاز التي يتعرضون لها إلى أضرار عامة وخاصة، إذا ما تم النشر".

المضحك المبكي في هذه الحالات، على حد تعبيره، أن "كثيراً منها خصوصاً العابرة للحدود يقوم بها رجال، ويتم إيهام الضحايا أن من تحدثهم امرأة وتستخدم خلالها فيديوهات مسجلة سابقاً لفتيات جميلات".

أمام القضاء

مع انتشار الوعي والحملات التي يقوم بها مكافحو الابتزاز الإلكتروني، أصبح اللجوء إلى القضاء أكبر، يقول المحامي أحمد نجاح.

ويؤكد أنه على الرغم من عدم وجود قانون لمحاربة الابتزاز الإلكتروني، إلا أنه "يتم تكييف القوانين العراقية في الحكم على حالات الابتزاز الإلكتروني، والقضاء حالياً يأخذ بعقوبة التشديد أولا ثم ينظر في حالات التخفيف. كما يقوم بنشر الأحكام عبر موقعه الإلكتروني كطريقة للتحذير من اللجوء إلى هذه الطريقة للضغط على الآخرين أو كسب المال غير المشروع".

ويوضح نجاح، أن مادة التكييف القانوني التي يتم اللجوء لها قضائياً تقع ضمن المادة (430) من قانون العقوبات العراقي (رقم 111 لسنة 1969)، إذ تصل الأحكام إلى سبع سنوات سجن ويتم تشديدها في حال تكرار فعل الابتزاز الإلكتروني.

نص المادة (430) من قانون العقوبات العراقي: يعاقب بالسجن مدة لا تزيد على سبع سنوات أو بالحبس، كل من هدد آخر بارتكاب جناية ضد نفسه أو ماله أو ضد نفس أو مال غيره، أو بإسناد أمور مخدشة بالشرف أو إفشائها، وكان ذلك مصحوبا بطلب أو بتكليف بأمر أو الامتناع عن فعل أو مقصود به ذلك.

المشكلة الأكبر التي تواجه المحامين من محاربي الابتزاز، "حين يتواصل معنا مراهقون بهدف مساعدتهم قانونيا ورفع قضية، فإن القانون ينص على وجود عوائلهم. وأغلب القاصرين ممن يتواصلون معنا لا يرغبون بأن تعرف عوائلهم أي شيء وهنا يصابون بالانهيار"، يقول نجاح.

لذلك، يدعو المحامي الأهالي إلى منح الأمان العائلي لأبنائهم، "من أجل تجنب حصول ضرر أكبر نتيجة خوفهم من عائلاتهم، أو من الوقوع في مشاكل عشائرية".

ويحذر نجاح من أن بعض ضحايا الابتزاز يقومون بالانتحار، نتيجة "الضغط" الذي يتعرضون له.

وبالنسبة للذكاء الاصطناعي، يدعو نجاح القضاء العراقي إلى  "أخذه بعين الاعتبار بعد دخوله خط الابتزاز الإلكتروني، وتشديد العقوبات لتكون رادعاً لكل من يلجأ لتزييف الصور وفبركة مقاطع فيديو بهدف ابتزاز أو تشويه صور الأفراد في مجتمع قد تصل الأمور فيه إلى حد القتل".

محاذير وتوصيات

محارب الابتزاز إبراهيم خليل، ينصح بدوره جميع مستخدمي مواقع التواصل والهواتف الذكية بـ"عدم الثقة بأي شخص حتى لو كانت المعرفة به طويلة"، مشيراً إلى أنه "مع انتشار الذكاء اللاصطناعي لا يحتاج أي شخص لتزييف المحتوى سوى إلى صورة واحدة تنشر بكل براءة على مواقع التواصل".

وربما لا تتعلق الصور بالأشخاص البالغين، "فهناك حالات لاستغلال الأطفال والقاصرين لابتزاز العوائل". أو يتم "ابتزاز النساء عبر الصديقات في المجاميع الخاصة التي تتواصل عبرها ولا يتخذن حذرهن عند النشر فيها"، بحسب خليل.

ويلفت إلى أنه قام بالتواصل مع المئات من ضحايا الابتزاز، يقوم بمساعدتهم عبر استخدام تطبيقات معينة تمكنه من حذف الصور والمحادثات، معللاً "بعض الأشخاص لا يمكنهم اللجوء إلى القضاء ورفع شكوى في المحاكم".

"ومع ذلك كانت هناك حالات احترافية نصحنا من تم ابتزازهم باللجوء إلى القضاء"، يستدرك خليل قوله.

من جهته، يقول نجاح إن صفحته على مواقع التواصل تصل لها في المتوسط حالتا ابتزاز يومياً لتقديم الاستشارات القانونية أو التوكل لرفع قضية أمام المحاكم.

"هذا العدد الكبير من القضايا، هو بمعزل عن الخط الساخن الذي وضعته وزارة الداخلية ويصله يومياً دون مبالغة عشرات طلبات المساعدة"، كما يؤكد نجاح.

ويشير إلى أن "هذه الأعداد لوحدها تعطينا لمحة عن الوضع الصعب الذي نحن فيه اليوم". فيما يرى أن الحل الوحيد للحد من حالات الابتزاز هو "نشر الوعي القانوني والتعامل الصحيح مع مواقع التواصل، وضرورةفهم أهمية الخصوصية وكيفية حمايتها، بعد وصولنا إلى مرحلة مخيفة تحول فيها الكثير من مستخدمي مواقع التواصل إما إلى مرتكبي جرائم إلكترونية أو ضحية له".

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

صورة تعبيرية لجامع النوري في الموصل شمال العراق
صورة تعبيرية لجامع النوري في الموصل شمال العراق

تحلُّ في منتصف الشهر الحالي ذكرى "المولد النبوي" الذي اعتبرته الحكومة العراقية إجازة رسمية لموافقته يوم 12 ربيع أول، وهو التاريخ الذي رجّحت المرويات التاريخية أنه شهد ميلاد الرسول محمد، استنادًا لمقولة ابن عباس "وُلد رسول الله عام الفيل، يوم الاثنين، الثاني عشر من شهر ربيع الأول".

بحسب الترتيب الزمني الذي أورده دكتور صلاح الدين بن محمد في دراسته "الإلزامات الواردة على بدعة الاحتفال بالمولد النبوي"، فإن أول من احتفل بالمولد النبوي هم الفاطميون سنة 362 هجرية بالقاهرة، وهي الاحتفالات التي استمرت في مصر حتى ألغاها أمير الجيوش الأفضل شاهنشاه بن بدر الجمالي وزير المستعلي بالله سنة 490 هـ.

بعد سنوات من هذا الإلغاء سيكون للعراق الفضل في إعادة إحيائها مُجدداً لتنتشر بعدها في أصقاع العالم الإسلامي حتى اليوم، فما قصتها؟

 

البداية من الموصل

عاد الاحتفال بالمولد النبوي للظهور مُجدداً على يدي الفقيه عُمر بن محمد الموصلي، الذي تمتّع بمكانة اجتماعية كبيرة في الموصل شمال العراق بسبب فقهه وزُهده، فحاز شهرة كبيرة في العالم الإسلامي حتى تُوفي سنة 570 هـ.

بحسب كتاب "الروضتين في أخبار الدولتين النورية والصلاحية" لأبي شامة المقدسي، فإن "زاوية الشيخ عمر" كانت محلاً لزيارة العلماء والفقهاء والملوك والأمراء. 

وامتلك الشيخ عُمر علاقة وطيدة بنور الدين زنكي صاحب حلب، إذ اعتاد الأخير مراسلة الشيخ عُمر لـ"استشارته في الأمور العِظام"،كما كان يزوره كل سنة في شهر رمضان لتناول الإفطار معه.

تعززت هذه المكانة حين خضعت الموصل لسُلطان نور الدين زينكي عام 566 هـ فأوصى وُلاته عليها بأن يستشيروا الشيخ عُمر في كل كبيرة وصغيرة، حتى نال لقب "المولى".

بحسب أبي شامة المقدسي فإن الشيخ عُمر هو الذي أشار على نور الدين بشراء قطعة أرض خراب في وسط الموصل وحوّلها إلى مسجد أنفق على بنائه أموالاً كثيرة، هو "جامع النوري" الذي لا يزال قائماً حتى اليوم.

لم يكن "جامع النوري" هو أكبر إنجازات الفقيه الموصلي إنما إعادة إحياء الاحتفال بـ"المولد النبي"، أيضاً. وبحسب كتاب "خدمات الأوقاف في الحضارة الإسلامية إلى نهاية القرن العاشر الهجري"، كان الشيخ عُمر كان يقيم في كل سنة داخل زاويته احتفالاً بميلاد الرسول محمد، يوجّه فيه الدعوة لحاكم الموصل وكبار رجال الدولة للحضور إلى الزاوية حيث تُقدّم لهم الأطعمة والمشروبات ويستمعون للشعراء الذين حضروا هذه الاحتفالية للتنافس على إنشاد قصائد المدح النبوي.

تزامن هذا الاحتفال مع الاهتمام الجماعي الذي أبداه أهل الموصل طيلة العهد الأتابكي بمناسبة "المولد النبوي"، فكانوا يعتادون تزيين الدور والأسواق ويتجمهرون في المساجد.

في كتاب "رسائل في حُكم الاحتفال بالمولد النبوي"، لم يستبعد مؤلّفوه أن يكون الشيخ عُمر وغيره من أهل الموصل مالوا لإقامة هذه الاحتفالات كأحد أشكال تأثرهم بالفاطميين، الذين أقاموا صلات مباشرة بحكام الموصل على مدار سنوات طويلة، في إطار مساعيهم لإسقاط دولة الخلافة العباسية في العراق.

وذكر كتاب "تاريخ الموصل" لسعيد الديوه جي، أن أبرز حكام الموصل الذين رحبوا بهذا التقارب، هم  أمراء الدولة العقيلية الشيعية مثل حسام الدولة المقلد العقيلي (386 هـ- 391 هـ) وولده معتمد الدولة قرواش، اللذين حافظا على علاقات جيدة مع خلفاء مصر حتى أن قرواش أعلن تبعيته للخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله في 401 هـ، وهي خطوة لم تدم كثيراً بعدما تراجع عنها سريعاً بسبب تهديدات الخليفة القادر العباسي له بالحرب.

ووفق كتاب "الإعلام بفتاوى أئمة الإسلام حول مولده عليه الصلاة والسلام" لمحمد بن علوي الحسني، فإن الشيخ عُمر بعدما بات أول مَن احتفى بالمولد النبوي في العراق اقتدى به صاحب أربيل الملك المظفر كوكبري بن زين الدين بن بكتكين الحليف المخلص لصلاح الدين الأيوبي سُلطان مصر.

أربيل: مهرجان ديني حاشد

عمل زين الدين والد الملك المظفر الدين كوكبري والياً على الموصل، فحقّق نجاحاً كبيراً حتى أنه عندما مات سنة 563 هـ كان عدد من المدن الكبرى في العراق خاضعاً لحُكمه مثل: أربيل، شهرزور، تكريت، سنجار، حرّان وغيرها.

بعدما توفي زين الدين ورث ابنه مظفر الدين كوكبري حُكم أربيل، ولكن لصِغر سنه تولّى شؤون الإمارة أحد مماليك والده الذي خلع كوكبري عن الحُكم ونصّب بدلاً منه أخوه، هنا استعان كوكبري بصلاح الدين الأيوبي الذي أعاده أميراً على أربيل في 586 هـ.

يحكي عبد الحق التركماني في كتابه "ابن دحية الكلبي وكتابه (التنوير في مولد السراج المنير والبشير النذير)": "أخذ كوكبري عن الشيخ عُمر هذه البدعة وطوّرها وتفنن في إقامتها وبذل أموالاً عظيمة في ذلك".

وأورد كتاب "إمارة أربل في العصر العباسي" للدكتور سامي الصقار، أن كوكبري بدءاً من سنة 604 هـ "أولى اهتماماً بإقامة مهرجان ضخم للاحتفال بمولد النبي يتضمن العديد من الفعاليات التي لفتت انتباه الكثيرين من مختلف أنحاء العالم".

ووصف إحياء المناسبة: "في شهر محرم من كل عام هجري يبدأ توافد عوام المسلمين من بغداد والجزيرة ونصيبين وغيرها من البلاد على أربيل، بالإضافة إلى جماعات من الفقهاء والصوفية والشعراء، ومع بداية شهر ربيع الأول يأمر كوكبري بنصب قباب من الخشب المُزين تُخصص كل منها لاستضافة عروض رجال الأغاني والخيالة وأصحاب الملاهي، وكان الناس يزدحمون حول خيامهم لمشاهدة عروضهم".

قبل الاحتفال بيومين كان منظمو المهرجان يطلقون مسيرة ضخمة تتكوّن من مئات الإبل والبقر والغنم التي تزفّها الطبول إلى ميدان كبير تُنحر فيه وتُطبخ ثم يوُزع لحمها على الحضور، كما ذكر الكتاب.

في اليوم الأول للمهرجان كان كوكبري يحضر الاحتفال بصحبة الأعيان والفقهاء وعوام الناس لمشاهدة عروضٍ عسكرية يقوم بها بعض جنود الجيش، بعدها تُقام موائد طعام ضخمة للحضور، 

وقدر حسام الدين قِزغلي (حفيد ابن الجوزي) في كتابه "مرآة الزمان في تواريخ الأعيان"، أن أسبطة الطعام كانت تضم "100 فرس مشوية منزوعة العظام، و5 آلاف رأس غنم و10 آلاف دجاجة و30 ألف صحن حلوى".

بعد الانتهاء من الطعام، كان كوكبري يكرّم عدداً من الأعيان والفقهاء وكبار الضيوف ويوزّع عليهم الأموال. ووفق تقديرات المؤرخين فإن هذه الاحتفالات الضخمة كانت تكلف ما يزيد عن 300 ألف دينار (عملة تلك الفترة).

كيف يحتفل المسلمون بالمولد النبوي في البلدان العربية؟
يعبّر المسلمون -في كل مكان- عن حبهم للنبي من خلال مجموعة من الطقوس والشعائر الفلكلورية الشعبية المتوارثة، والتي تتنوع وتتباين باختلاف الثقافة والمكان. نرصد في هذا التقرير أهم المظاهر الاحتفالية بالمولد النبوي في مجموعة من الدول العربية.

يقول الصقار "رغم ما اشتهرت به احتفالات الخلفاء الفاطميين بالمولد النبوي من بذخٍ شديد فإنها على فخامتها تُعدُّ متواضعة إذا ما قُورنت باحتفالات أربيل، إذ كانت الحفلات الفاطمية تقتصر على ليلة واحدة تُقدم فيها الحلوى والأطعمة ثم يرتّل القرآن وتُنشد القصائد في حضرة الخليفة الفاطمي، بعكس احتفالات أربيل التي كانت تستغرق عدة أيام".

هذا الاحتفاء المهيب استدعى إشادة شهاب الدين أبو شامة في كتابه "الباعث على إنكار البدع والحوادث"، حيث قال "من أحسن ما ابتدع في زماننا ما يُفعل في مدينة أربيل في اليوم الموافق ليوم ميلاد النبي من الصدقات وإظهار الزينة والسرور".

أحد أشهر حضور هذا "المهرجان النبوي" كان المؤرّخ عمر بن الحسن حفيد الصحابي دِحية الكلبي الذي شاهد الاحتفالات 625 هـ وألّف عنها كتاباً بعنوان "التنوير في مولد السراج المنير" قرأه بنفسه على حضرة الملك فأجازه وكافأه بألف دينار.

وفيه تحدّث عن شهادته على ليلة المولد في "إربل المحروسة" وعن لقائه بـ"أفضل الملوك والسلاطين"، حسبما ذكر دكتور أنس وكاك في بحثه "قبسٌ من (التنوير في مولد السراج المنير) للحافظ أبي الخطاب بن دحية الأندلسي".