ذاع صيت عدنان القيسي في العراق خلال سبعينيات القرن الماضي بعد عودته من أميركا
ذاع صيت عدنان القيسي في العراق خلال سبعينيات القرن الماضي بعد عودته من أميركا

ذاع صيت عدنان القيسي في العراق خلال سبعينيات القرن الماضي، بعد نقله للمصارعة الحرة الترفيهية -غير المعروفة في بغداد وقتها- من حلبات الاحتراف في الولايات المتحدة الأميركية إلى العراق، متحولاً إلى مصدر إلهام وحاصد لقب "أسطورة المصارعة العراقية".

ولد القيسي عام 1939 في الأعظمية على ضفاف نهر دجلة، وانخرط في أزقتها ونواديها طفلاً هاوياً للعبة المصارعة.

وحين أنهى دراسته الثانوية حصل على منحة دراسية إلى الولايات المتحدة في جامعة هيوستن، وهناك تعرف على لعبة كرة القدم الأميركية وحصل بفضلها على منحة دراسية جديدة.

انتقل القيسي إلى جامعة في ولاية أوكلاهوما حيث ظهر كمصارع، وكاد أن يتأهل للمنتخب الأولمبي الأميركي، إلا أن عدم حصوله على الجنسية الأميركية حال دون ذلك.

وفي أوكلاهوما بدأ بالعمل في المصارعة الحرة غير المقيدة عام 1959 تحت اسم "بيلي وايت وولف"، وهو اسم شخصية من السكان الأصليين لأميركا، ساعده على ذلك لون بشرته وضخامته.

واحترف القيسي لعبة المصارعة الحرة طوال عقد الستينيات. وفي 1964 تعرف على شابة أميركية تدعى كاثي ديفيس وتزوجها، وحصل على الجنسية الأميركية آنذاك.

 

الاستقرار في العراق

في أواخر الستينيات، كما يروي القيسي بنفسه في أحد لقاءاته التلفزيونية، عاد إلى العراق في زيارة عائلية، وعرضت عليه الحكومة العراقية التي كان يرأسها أحمد حسن البكر آنذاك إجراء نزالات مصارعة حرة في العراق.

حاول القيسي الاعتذار كونه مصارعاً محترفاً ولديه مواعيد مباريات عديدة في الولايات المتحدة، إلا أن إصرار الحكومة العراقية في حينه جعله يرتب مع اتحاد المصارعة مجموعة من المباريات في العراق.

عُقدت العديد من النزالات جرى معظمها في بغداد وتم عقد بعضها في الموصل وكربلاء. أولها وأكثرها ضخامة كان النزال الذي نصبت فيه حلبة المصارعة وسط ملعب الشعب في قلب العاصمة بغداد، مع البطل الكندي جورج كورينكو، وحضره مئات آلاف العراقيين، ونقلت وقائعه على الهواء مباشرة في التلفزيون العراقي.

في ذلك اليوم غصّت المقاهي والبيوت وخلت الشوارع من المارّة، وشاهد ملايين العراقيين الحدث الأضخم من نوعه آنذاك، حين انهال القيسي على خصمه بالضربات الموجعة قبل أن يوجه له ضربته القاضية التي اشتهرت باسم "العكسية" ويفوز بحزام البطولة.

بعد أسبوع، التقى القيسي مع البطل الإنجليزي جون ليز، ثم مع جون فيريري الذي كان طوله يتجاوز مترين ويلقب بالعملاق، ثم الآيرلندي جاك كاميرون وبعدها الإسكتلندي أيان كامبل الملقب بـ"الثور الإسكتلندي"، وأطلق عليه العراقيون لقب "أبو التنورة".

تمكن القيسي من الفوز في جميع نزالاته ضد المصارعين الذين حضروا إلى العراق لملاقاته وبلغ عددهم ثمانية، واحتفظ بحزام البطولة ليتحول إلى رمز وطني عراقي تحتل صوره أغلفة المجلات الرياضية.

وأصبح اسمه ماركة تجارية، فصوره أصبحت تطبع على الملابس والمناديل والأكواب، وتحول حزام البطولة الذي جرى تكريم القيسي به على يد نائب رئيس الجمهورية مهدي صالح عماش، فيما بعد، إلى ماركة لنوع من الأقمشة انتشر بين النساء العراقيات حمل اسم "حزام القيسي".

كانت تلك المباريات كما قال القيسي والعديد من الرياضيين والمسؤولين العراقيين تم ترتيبها مسبقاً ليحقق القيسي انتصاراته، ويكون مصدر إلهام للعراقيين خلال تلك الفترة التي شهدت أكثر من انقلاب عسكري وحزبي.

 

العودة إلى أميركا

اختفى عدنان القيسي بشكل مفاجئ من العراق منتصف السبعينيات، بعد هروبه من بغداد إثر تلقيه تحذيرات من عائلته عن نوايا مبيتة ضده بسبب شعبيته العارمة، كما صرح هو في لقاء تلفزيوني، ليهرب أولا إلى الكويت ويعود منها إلى أميركا.

في الولايات المتحدة انضم القيسي إلى الاتحاد العالمي للمصارعة وأصبح أول عراقي وأول عربي يتنافس في حلبة "WWE" (World Wrestling Entertainment) ودخل في شراكة مع رئيس قاعة المشاهير جاي سترونجبو وفازا بألقاب فريق الزوجي في ديسمبر 1976.

وخلال أحد النزالات تعرض القيسي إلى إصابة بليغة في الرقبة ليترك الحلبة مؤقتاً من أجل إجراء عملية جراحية.

وفي عام 1981 ظهر في حلبات المصارعة تحت اسم "الشيخ عدنان القيسي" حيث كان هدفه المعلن هو الفوز بلقب "AWA" من البطل نيك بوكوينكل، إلا أن إصابته السابقة حالت دون تحقيقه نتائج جيدة، ليتحول إلى العمل الإداري. فكان مدير مصارعين أساطير أمثال سوبرستاس بيلي جرام وجيري كبشر بلاكلو وبوب أورتون.

اعتزل القيسي المصارعة عام 1998 وأسس نادية الخاص للتدريب على المصارعة الحرة غير المقيدة تحت اسم "World All- Star Wrestling Alliance" بالشراكة مع كين باتيرا.

توفي القيسي في 7 سبتمبر 2023 بعد صراع طويل مع المرض، وتصدر خبر وفاته نشرات الأخبار العراقية والعالمية ومواقع التواصل، كونه أول مصارع عراقي وعربي في تاريخ الاتحاد يفوز بحزام الاتحاد بعد ما تغلب هو وشريكه على فريق اسمه "الجبابرة" وفاز ببطولة زوجي العالم.

نعاه موقع "WWE" الرياضي العالمي المتخصص بالمصارعة، وقال "شعرنا بالحزن عندما علمنا بخبر وفاة عدنان القيسي الذي كان معروفاً لدى عشاق الترفيه الرياضي باسم بيلي وايت وولف والشيخ عدنان القيسي والجنرال عدنان".

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

صورة تعبيرية لجامع النوري في الموصل شمال العراق
صورة تعبيرية لجامع النوري في الموصل شمال العراق

تحلُّ في منتصف الشهر الحالي ذكرى "المولد النبوي" الذي اعتبرته الحكومة العراقية إجازة رسمية لموافقته يوم 12 ربيع أول، وهو التاريخ الذي رجّحت المرويات التاريخية أنه شهد ميلاد الرسول محمد، استنادًا لمقولة ابن عباس "وُلد رسول الله عام الفيل، يوم الاثنين، الثاني عشر من شهر ربيع الأول".

بحسب الترتيب الزمني الذي أورده دكتور صلاح الدين بن محمد في دراسته "الإلزامات الواردة على بدعة الاحتفال بالمولد النبوي"، فإن أول من احتفل بالمولد النبوي هم الفاطميون سنة 362 هجرية بالقاهرة، وهي الاحتفالات التي استمرت في مصر حتى ألغاها أمير الجيوش الأفضل شاهنشاه بن بدر الجمالي وزير المستعلي بالله سنة 490 هـ.

بعد سنوات من هذا الإلغاء سيكون للعراق الفضل في إعادة إحيائها مُجدداً لتنتشر بعدها في أصقاع العالم الإسلامي حتى اليوم، فما قصتها؟

 

البداية من الموصل

عاد الاحتفال بالمولد النبوي للظهور مُجدداً على يدي الفقيه عُمر بن محمد الموصلي، الذي تمتّع بمكانة اجتماعية كبيرة في الموصل شمال العراق بسبب فقهه وزُهده، فحاز شهرة كبيرة في العالم الإسلامي حتى تُوفي سنة 570 هـ.

بحسب كتاب "الروضتين في أخبار الدولتين النورية والصلاحية" لأبي شامة المقدسي، فإن "زاوية الشيخ عمر" كانت محلاً لزيارة العلماء والفقهاء والملوك والأمراء. 

وامتلك الشيخ عُمر علاقة وطيدة بنور الدين زنكي صاحب حلب، إذ اعتاد الأخير مراسلة الشيخ عُمر لـ"استشارته في الأمور العِظام"،كما كان يزوره كل سنة في شهر رمضان لتناول الإفطار معه.

تعززت هذه المكانة حين خضعت الموصل لسُلطان نور الدين زينكي عام 566 هـ فأوصى وُلاته عليها بأن يستشيروا الشيخ عُمر في كل كبيرة وصغيرة، حتى نال لقب "المولى".

بحسب أبي شامة المقدسي فإن الشيخ عُمر هو الذي أشار على نور الدين بشراء قطعة أرض خراب في وسط الموصل وحوّلها إلى مسجد أنفق على بنائه أموالاً كثيرة، هو "جامع النوري" الذي لا يزال قائماً حتى اليوم.

لم يكن "جامع النوري" هو أكبر إنجازات الفقيه الموصلي إنما إعادة إحياء الاحتفال بـ"المولد النبي"، أيضاً. وبحسب كتاب "خدمات الأوقاف في الحضارة الإسلامية إلى نهاية القرن العاشر الهجري"، كان الشيخ عُمر كان يقيم في كل سنة داخل زاويته احتفالاً بميلاد الرسول محمد، يوجّه فيه الدعوة لحاكم الموصل وكبار رجال الدولة للحضور إلى الزاوية حيث تُقدّم لهم الأطعمة والمشروبات ويستمعون للشعراء الذين حضروا هذه الاحتفالية للتنافس على إنشاد قصائد المدح النبوي.

تزامن هذا الاحتفال مع الاهتمام الجماعي الذي أبداه أهل الموصل طيلة العهد الأتابكي بمناسبة "المولد النبوي"، فكانوا يعتادون تزيين الدور والأسواق ويتجمهرون في المساجد.

في كتاب "رسائل في حُكم الاحتفال بالمولد النبوي"، لم يستبعد مؤلّفوه أن يكون الشيخ عُمر وغيره من أهل الموصل مالوا لإقامة هذه الاحتفالات كأحد أشكال تأثرهم بالفاطميين، الذين أقاموا صلات مباشرة بحكام الموصل على مدار سنوات طويلة، في إطار مساعيهم لإسقاط دولة الخلافة العباسية في العراق.

وذكر كتاب "تاريخ الموصل" لسعيد الديوه جي، أن أبرز حكام الموصل الذين رحبوا بهذا التقارب، هم  أمراء الدولة العقيلية الشيعية مثل حسام الدولة المقلد العقيلي (386 هـ- 391 هـ) وولده معتمد الدولة قرواش، اللذين حافظا على علاقات جيدة مع خلفاء مصر حتى أن قرواش أعلن تبعيته للخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله في 401 هـ، وهي خطوة لم تدم كثيراً بعدما تراجع عنها سريعاً بسبب تهديدات الخليفة القادر العباسي له بالحرب.

ووفق كتاب "الإعلام بفتاوى أئمة الإسلام حول مولده عليه الصلاة والسلام" لمحمد بن علوي الحسني، فإن الشيخ عُمر بعدما بات أول مَن احتفى بالمولد النبوي في العراق اقتدى به صاحب أربيل الملك المظفر كوكبري بن زين الدين بن بكتكين الحليف المخلص لصلاح الدين الأيوبي سُلطان مصر.

أربيل: مهرجان ديني حاشد

عمل زين الدين والد الملك المظفر الدين كوكبري والياً على الموصل، فحقّق نجاحاً كبيراً حتى أنه عندما مات سنة 563 هـ كان عدد من المدن الكبرى في العراق خاضعاً لحُكمه مثل: أربيل، شهرزور، تكريت، سنجار، حرّان وغيرها.

بعدما توفي زين الدين ورث ابنه مظفر الدين كوكبري حُكم أربيل، ولكن لصِغر سنه تولّى شؤون الإمارة أحد مماليك والده الذي خلع كوكبري عن الحُكم ونصّب بدلاً منه أخوه، هنا استعان كوكبري بصلاح الدين الأيوبي الذي أعاده أميراً على أربيل في 586 هـ.

يحكي عبد الحق التركماني في كتابه "ابن دحية الكلبي وكتابه (التنوير في مولد السراج المنير والبشير النذير)": "أخذ كوكبري عن الشيخ عُمر هذه البدعة وطوّرها وتفنن في إقامتها وبذل أموالاً عظيمة في ذلك".

وأورد كتاب "إمارة أربل في العصر العباسي" للدكتور سامي الصقار، أن كوكبري بدءاً من سنة 604 هـ "أولى اهتماماً بإقامة مهرجان ضخم للاحتفال بمولد النبي يتضمن العديد من الفعاليات التي لفتت انتباه الكثيرين من مختلف أنحاء العالم".

ووصف إحياء المناسبة: "في شهر محرم من كل عام هجري يبدأ توافد عوام المسلمين من بغداد والجزيرة ونصيبين وغيرها من البلاد على أربيل، بالإضافة إلى جماعات من الفقهاء والصوفية والشعراء، ومع بداية شهر ربيع الأول يأمر كوكبري بنصب قباب من الخشب المُزين تُخصص كل منها لاستضافة عروض رجال الأغاني والخيالة وأصحاب الملاهي، وكان الناس يزدحمون حول خيامهم لمشاهدة عروضهم".

قبل الاحتفال بيومين كان منظمو المهرجان يطلقون مسيرة ضخمة تتكوّن من مئات الإبل والبقر والغنم التي تزفّها الطبول إلى ميدان كبير تُنحر فيه وتُطبخ ثم يوُزع لحمها على الحضور، كما ذكر الكتاب.

في اليوم الأول للمهرجان كان كوكبري يحضر الاحتفال بصحبة الأعيان والفقهاء وعوام الناس لمشاهدة عروضٍ عسكرية يقوم بها بعض جنود الجيش، بعدها تُقام موائد طعام ضخمة للحضور، 

وقدر حسام الدين قِزغلي (حفيد ابن الجوزي) في كتابه "مرآة الزمان في تواريخ الأعيان"، أن أسبطة الطعام كانت تضم "100 فرس مشوية منزوعة العظام، و5 آلاف رأس غنم و10 آلاف دجاجة و30 ألف صحن حلوى".

بعد الانتهاء من الطعام، كان كوكبري يكرّم عدداً من الأعيان والفقهاء وكبار الضيوف ويوزّع عليهم الأموال. ووفق تقديرات المؤرخين فإن هذه الاحتفالات الضخمة كانت تكلف ما يزيد عن 300 ألف دينار (عملة تلك الفترة).

كيف يحتفل المسلمون بالمولد النبوي في البلدان العربية؟
يعبّر المسلمون -في كل مكان- عن حبهم للنبي من خلال مجموعة من الطقوس والشعائر الفلكلورية الشعبية المتوارثة، والتي تتنوع وتتباين باختلاف الثقافة والمكان. نرصد في هذا التقرير أهم المظاهر الاحتفالية بالمولد النبوي في مجموعة من الدول العربية.

يقول الصقار "رغم ما اشتهرت به احتفالات الخلفاء الفاطميين بالمولد النبوي من بذخٍ شديد فإنها على فخامتها تُعدُّ متواضعة إذا ما قُورنت باحتفالات أربيل، إذ كانت الحفلات الفاطمية تقتصر على ليلة واحدة تُقدم فيها الحلوى والأطعمة ثم يرتّل القرآن وتُنشد القصائد في حضرة الخليفة الفاطمي، بعكس احتفالات أربيل التي كانت تستغرق عدة أيام".

هذا الاحتفاء المهيب استدعى إشادة شهاب الدين أبو شامة في كتابه "الباعث على إنكار البدع والحوادث"، حيث قال "من أحسن ما ابتدع في زماننا ما يُفعل في مدينة أربيل في اليوم الموافق ليوم ميلاد النبي من الصدقات وإظهار الزينة والسرور".

أحد أشهر حضور هذا "المهرجان النبوي" كان المؤرّخ عمر بن الحسن حفيد الصحابي دِحية الكلبي الذي شاهد الاحتفالات 625 هـ وألّف عنها كتاباً بعنوان "التنوير في مولد السراج المنير" قرأه بنفسه على حضرة الملك فأجازه وكافأه بألف دينار.

وفيه تحدّث عن شهادته على ليلة المولد في "إربل المحروسة" وعن لقائه بـ"أفضل الملوك والسلاطين"، حسبما ذكر دكتور أنس وكاك في بحثه "قبسٌ من (التنوير في مولد السراج المنير) للحافظ أبي الخطاب بن دحية الأندلسي".