An Iraqi medical worker prepares a shot of the Sinopharm coronavirus vaccine to administer to health personnel, at a clinic in…
التهديدات التي تُلاحق أطباء العراق أضافت المزيد من الأعباء على القطاع الصحي في البلاد- تعبيرية

في نهاية أغسطس الماضي أثار طبيب عراقي جدلاً واسعاً بعدما أعلن إغلاق عيادته في مدينة العمارة بمحافظة ميسان بسبب التهديدات العشائرية التي لاحقته وعجز قوات الأمن عن حمايته.

التهديدات التي تُلاحق أطباء العراق أضافت المزيد من الأعباء على القطاع الصحي في بلاد الرافدين، وهو القطاع الذي يُعاني من مشاكل مزمنة خلال السنوات الفائتة عجزت الحكومات المتعاقبة عن حلّها ووضعت صحة العراقيين جميعاً في مأزق.

الأطباء على "خط النار"

في بيانها الذي أصدرته نقابة الأطباء العراقيين دفاعاً عن "طبيب ميسان" أكّد أن وقوع أخطاء طبية هو جزء من الممارسة، وأن الجهة الوحيدة المنوط بها محاسبة الطبيب هي لجنة متخصصة وليس أهالي المتضررين.

بحسب نقابة الأطباء فإن مثل هذه الحوادث باتت تتكرر بشكل دوري وتستهدف الأطباء في المستشفيات العامة وأقسام الطوارئ الذين يقعون "على تماس مباشر" مع المواطنين، وهو ما يهدد، بحسب النقابة، "الأمن الصحي" للبلاد.

في بحثه "الاعتداءات المرتكبة ضد الأطباء في مستشفى بغداد التعليمي"، يؤكد الباحث سعدون الربيعاوي أن محدودية ثقافة المجتمع والضغوط النفسية التي يتعرّض لها مرافقو المريض تجعلهم يصبّون غضبهم على الأطباء في ظِل غياب أي حماية لهم، خاصةً أن أغلب المترددين على المشفى يحملون أسلحة خاصة بهم، بل إن بعضهم ينتمون إلى الأجهزة الأمنية والعسكرية العراقية، ويستعين بعضهم بأسلحتهم الحكومية في إرهاب الأطباء.

في 2005 وقعت حادثة دامية، لم يتوقف فيها تعنيف الأطباء عند حدِّ الضرب وإنما امتدّ إلى القتل، بعدما تم اغتيال 10 أطباء في محافظة كربلاء، وهو الأمر ذاته الذي جرى في 2019 حين اختُطِفَ طبيب التخدير محمد خفاجي ثم قُتِل على أيدي مجموعة من المسلحين، وهو الحادث الذي أثار غضب قطاع كبير من الأطباء العراقيين فنظّم بعضهم وقفات احتجاجية مطالبين بالكشف عن الجناة وتشريع قوانين لحماية الأطباء.

بحسب تقرير لـصحيفة "الجارديان" البريطانية فإن أعمال العنف تلك دفعت آلاف الأطباء لمغادرة العراق، ونقلت عن وزارة الصحة العراقية بأن 20 ألف طبيب غادروا بالفعل بسبب العنف الذي يجتاح البلاد.

ووفقاً لدارسة "ظاهرة الاعتداء على الأطباء وأثرها على الرضا الوظيفي في المستشفيات الحكومية" لحيدر طارش، فإنه ما بين عامي 2016 و2017 وقعت 335 حالة اعتداء على المباني الصحية بالعراق، منها 16 حالة اختطاف للأطباء.

وفي فبراير 2019 أصدرت منظمة الصحة العالمية إدانة قوية للاعتداءات المتكررة على الأطباء في العراق واصفاً إياها بأنها "انتهاك خطير" يجب التوقف عنه، وبحسب المنظمة فإن 40% من العاملين في القطاع الصحي تعرضوا لمثل هذه الانتهاكات.

بمرور الوقت ومع تدهور الأوضاع الأمنية، ازدادت حالات الاعتداء على الأطباء، وفي 2021 أجريت دراسة أكد 87% من الأطباء العراقيين المشاركين فيها أنهم تعرضوا للعنف خلال أداء مهامهم.

 

معاناة منذ حرب الخليج

وفقاً للباحثة سعاد خبية في دراستها "أطفال العراق والواقع الصحي" فإن منظمة الصحة العالمية أصدرت في 1989 تقريراً أشادت فيه بمستوى القطاع الصحي في العراق معتبرة إياه من الدول المتقدمة في هذا المجال. في هذا العام كانت الميزانية المخصصة للصحة تزيد عن 550 مليون دولار.

وبحسب خبية، انتشرت المراكز الطبية في بغداد حتى بلغ عددها 78 مستشفى في بغداد وحدها، وامتلك العراق خطة واضحة لتأهيل الكوادر الطبية واستقبال الأطباء والممرضات من جنسيات أخرى سواءً من الدول العربية أو الغربية.

وتضيف: "تسارعت الخطى لتأسيس معامل أدوية متطورة ومعامل إنتاج لقاحات مثل معمل إنتاج مصل الحمى القلاعية الذي كانت تستورده الدول الغربية".

هذا الوضع المتقدم تغيّر خلال أعوامٍ معدودة، فعقب غزو العراق للكويت فُرض حصار اقتصادي على العراق حرمه من التزود بالأدوية والمعدات الطبية الأمر الذي أدّى إلى تدهور النظام الصحي بالعراق.

أُغلقت معامل إنتاج الأدوية بأمرٍ من لجان التفتيش الدولية، واضطرت الظروف الاقتصادية الصعبة لإجراء تخفيضات مستمرة في ميزانية وزارة الصحة حتى بلغت 26 مليون دولار فقط سنوياً بعدما زادت عن نصف مليار سابقاً.

في 1993 زارت الصيدلانية أنجيلا بومان والممرضة مارجريت كفمان بغداد كممثلتين عن جمعية خيرية إنجليزية هي "هيئة المساعدة الطبية للعراق" التي اعتادت تسليم تجهيزات طبية إلى مستشفيات بغداد بشكل دوري.

مرّت المبعوثتان بجولة على أغلب مستشفيات البلاد ثم سلّمتا السُلطات المعنية مساعدات تجاوز قيمتها 6 آلاف جنيه إسترليني.

بحسب تقرير الزيارة فإن أنجيلا ومارجريت كوّنتا انطباعاً عاماً بسوء حال المستشفيات مقارنةً بزيارة سابقة قامتا بها العام الماضي. مواد أساسية مثل القطن والضمادات والصابون أوشكت على النفاد، كما أن أغلب المستشفيات باتت تعيد استعمال الإبر أكثر من مرة رغم خطورة هذا الأمر.

وأضاف التقرير أن مستشفيات العراق باتت تعاني من نقصٍ حاد في الحليب المجفف والمضادات الحيوية ومادة الأنسولين، كما أن المواد التخدير باتت شبه منعدمة لذا فإن العمليات الجراحية لم تعُد تُجرى إلا في حالات الطوارئ القصوى.

كما كشف التقرير عن معاناة القطاع الصحي بالعراق من مشكلة أخرى وهي هروب الكوادر الطبية الأجنبية –أطباء أو ممرضين- من العراق منذ اندلاع الحرب، وهو ما حرم المستشفيات العراقية من الخبرات الخارجية وأجبرها على الاعتماد فقط على ما تبقى من الأطباء العراقيين.

عقب انتهاء زيارتهما وجّهت أنجيلا ومارجريت استغاثة في الصحف الغربية للتبرع لمنظمتهما الخيرية للمساعدة على تحسين كفاءة مستشفيات العراق.

أيضاً قامت الصحفية السورية سعاد خبية بزيارة مماثلة لمشافي العراق ولاحظت افتقارها إلى أغلب المعدات والأدوية كما أن المباني عانت من تصدّعات إنشائية وتعطّلت المصاعد والتكييفات، يُضاف إلى كل ذلك انقطاع الكهرباء بشكلٍ متواصل وندرة المولدات وعدم القًدرة على صيانتها.

كذلك سلّطت خبية الضوء على الأوضاع الصعبة للأطباء العراقيين الذين باتوا محرومين من الاطلاع على الأبحاث الطبية الجديدة بسبب عدم توافر أجهزة الكمبيوتر أو الإنترنت في العراق، فضلاً عن تقاضي رواتب متواضعة لا تزيد عن 4 دولارات شهرياً! الأمر الذي دفع بعضهم للعمل كسائق تاكسي لتلبية احتياجات أسرته.

نتيجة لكل هذه المشاكل ارتفعت نسبة الإصابة بالأمراض بين أطفال العراق إلى مستويات قياسية؛ فلقد تضاعفت نسبة الإصابة بالسعال الديكي 3 مرات على الأقل والحصبة 4 مرات والتيفويد 9 أضعاف، كما زادت معدلات الإصابة بشلل الأطفال من حالتين عام 1989 إلى 18 حالة عام 1998، والكوليرا من صفر إلى 2560 حالة، والجرب من صفر إلى أكثر من 43 ألف حالة.

وبحسب تصريح لوزارة الصحة العراقية فلقد مات أكثر من 1200 طفل ما بين عاميْ 1990 و1999.

 

بعد سقوط صدام: الأزمة مستمرة.. وتزداد

بعد سقوط نظام صدام حسين استمر النظام الصحي في التدهور، وبحسب تحقيق أجري في 2005 فإن الفساد وسرقة الأدوية والمعدات انتشرا في ربوع النظام الصحي بالعراق. صرّح أحد المسؤولين في التحقيق بأن انتشار الفساد كان يمثّل مشكلة كبيرة في زمن صدام حسين، وعقب سقوطه مثّل التدهور الأمني مشكلة أكبر وصنعت كلا الآفتين ثنائياً مدمراً ساهَم في زعزعة النظام الصحي العراقي.

بحسب تقريرٍ لمنظمة العفو الدولية فإن عدداً كبيراً من الكوادر الطبية تعرّض لاعتداءات جسيمة منها استهداف عيادة طبية بصاروخ، الأمر الذي أسفر عن مقتل 20 ممرضاً واغتيال مدير مستشفى البصرة.

أيضاً ساهم تدهور الأوضاع الأمنية في زيادة الضغوط على المستشفيات بعدما تعدّدت الانفجارات ومحاولات الاغتيال التي خلّفت مئات القتلى والجرحى كانوا يفترشون ممرات المشافي في ظِل عدم توافر الأسرّة.

بعد عامٍ واحد من سقوط النظام السابق صرّحت الدكتورة ميسان عبدالرحمن وهي طبيبة في مستشفى الطفل في بغداد أن النظام الصحي في بلاد الرافدين "يتفتت"، وأنه يعتمد بشكل كُلي على مساعدات اليونسيف ومنظمة الصحة العالمية، محذرة من خطورة الأوضاع وعدم القُدرة على علاج أمراض بسيطة مثل الإسهال بسبب عدم توافر الأدوية.

وفي 2006 نشرت "بي بي سي" تقريراً عن مشافي البصرة كشف افتقارها للعديد من أجهزة التنفس والأدوية الأساسية منها أدوية علاج السرطان التي لم تُورّد إلى المشفى منذ 3 سنوات فضلاً عن التقليص المستمر في رواتب العاملين في المشفى. في مارس 2007 نظّم العاملون في مشفى البصرة اعتصاماً احتجاجاً على أوضاعهم.

لعب الفساد دوراً كبيراً في تفاقم هذه المشكلات؛ قسم كبير من أدوية المستشفيات تسرّبت إلى العيادات الخاصة أو السوق السوداء، وبعض هذه الأدوية ذات الطبيعة المُخدّرة كانت تُباع على الأرصفة وعليها ختم وزارة الصحة العراقية.

في 2006 طالبت منظمة "الرابطة العراقية" الحقوقية بعدم منح المساعدات إلى الحكومة العراقية قائلة إن "تسليم المواد الطبية إلى وزارة الصحة العراقية يعني سرقتها".

صورة من كاميرات مراقبة تظهر أقارب مريض يعتدون على افراد في الكادر الطبي
إذا "مات المريض".. أطباء العراق قد يواجهون عنفا واعتداءات
يتعرض الأطباء العراقيون لمصاعب تفوق النقص في الأدوية والمعدات وأحيانا حتى الأسرة النظيفة في المستشفيات، وفقا لتحقيق لصحيفة الغارديان البريطانية، التي تقول إنه في بغداد لوحدها، يقول 87٪ من الأطباء إنهم تعرضوا للعنف في العمل، في حوادث بعضها ينطوي على أسلحة، ومعظمهم على أيدي أقارب المرضى.

طيلة هذه السنوات عانَى القطاع الصحي من ضعف المخصصات الحكومية، وبحسب دراسة بعنوان "تحليل تطور الإنفاق على القطاع الصحي في العراق" صادرة في العام 2007 خصّصت بغداد 2.8% من إنتاجها المحلي الإجمالي لصالح القطاع الصحي، وهي النسبة التي راحت تتصاعد حتى بلغت 4.6% في 2013 إلا أن ظهور تنظيم "داعش" أجبر بغداد على إعادة تخفيض نفقات الصحة إلى 2.5% فقط لتمويل الحرب على الإرهاب، وهي نسبة متواضعة إذا ما قُورنت بالولايات المتحدة (19.3% خلال نفس الفترة) أو دول عربية مُجاوِرة كالأردن (8.7%) وقطر (9.7%) والسعودية (8.7%).

وبحسب دراسة "الإنفاق على القطاع الصحي وأثره على التنمية المستدامة في العراق" لحسينين العلياوي فإن عدد المستشفيات في العراق في 2003 بلغ 282 منشأة تقلصت في السنوات التالية حتى بلغت 219 فقط في 2006. زاد عدد المشافي لاحقاً حتى بلغ 461 منشأة في 2018، رغم هذا الارتفاع فإنه لم يتناسب مع الزيادة الكبيرة في النمو السكاني للعراقيين.

هذا الانخفاض المستمر في القطاع الصحي كانت له انعكاسات سلبية على الاقتصاد أيضاً، فالإنسان هو مصدر العمل الأساسي، وأي تدهور في صحته يعني بالتبعية انخفاض في الإنتاج وإضافة المزيد من الأعباء على الاقتصاد العراقي المتخم بالمشكلات.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

من تظاهرة في بغداد رافضة للتعديلات المقترحة على قانون الأحوال الشخصية- تعبيرية
من تظاهرة في بغداد رافضة للتعديلات المقترحة على قانون الأحوال الشخصية (8-8-2024)- تعبيرية

بسبب موقفها المعارض لتعديل قانون الأحوال الشخصية، اضطرت الناشطة السياسية والصيدلانية رحمة علاء لغلق حساباتها في مواقع التواصل الاجتماعي بشكل مؤقت، بعد تعرضها لحملة تشويه سمعة شرسة عزلتها عن محيطها.

تقول "ارفع صوتك": "منذ بداية اعتراضي على موضوع تعديل قانون الأحوال الشخصية بدأت دائرة معارفي تتضاءل بسبب الاختلاف الجذري فكرياً، على الرغم من اعتيادنا أن الاختلاف بالرأي لا يفسد للود قضية!".

لكن في هذه الحالة، تضيف علاء فإن "الوضع مختلف" مردفةً "هذا الخلاف ظهر فجأة في المجتمع وأصبح كالفجوة التي ابتلعتنا جميعاً، حتى وصل الخلاف بالرأي بين أفراد العائلة الواحدة والأقارب". 

"هذا الأمر مرعب وحساس جدا وأثار نزعة تكفيرية بين أفراد المجتمع"، تتابع علاء.

الاتهامات التي تعرضت لها الناشطة متعددة كما تقول، بعضها "يتعلق بالطعن بالشرف، أو أنني أريد إلغاء شرع الله، أو أنني على اتصال مع سفارات أجنبية ومدفوع لي من أجل تخريب المجتمع، واتهامات أخرى تصلني عبر مواقع التواصل التي اضطررت إلى إغلاقها مؤقتا".

وكان البرلمان العراقي أحدث ضجة اجتماعية واسعة في أغسطس الماضي بعد تقديمه مسودة قانون تعديل قانون الأحوال الشخصية في البلاد، يسمح بموجبه للمرجعيات الدينية العراقية بديلا عن قانون الدولة، بتنظيم شؤون الزواج والميراث على حساب الحقوق الأساسية.

وبعد أن أنهى البرلمان القراءة الأولى للمشروع يأمل الناشطون والمتضررون وأغلبهم من النساء، أن يتمكنوا عبر الوقفات الاحتجاجية وتشكيل تكتل داخل وخارج مجلس النواب، من إيقاف التعديل المثير للجدل بعد تأجيل القراءة الثانية للقانون في الرابع من سبتمر الجاري.

 

ضغوطات تحت قبة البرلمان

لا يختلف الوضع كثيراً داخل أروقة البرلمان العراقي، فالنائبة نور نافع أقرت في حديثها لـ"ارفع صوتك" أنها تعرضت لـ"مختلف أنواع الضغوطات بعد إعلانها تشكيل كتلة داخل البرلمان لمعارضة التعديل على قانون الأحوال الشخصية".

من تلك الضغوطات، تشرح نافع "حملات التسقيط على مواقع التواصل الاجتماعي، ومواضيع أخرى شخصية مباشرة، بهدف التراجع عن رفض تعديل قانون الأحوال الشخصية". 

وتؤكد أنه وبالرغم من ذلك "لن يتراجع النواب المعارضون عن قرارهم"، مشيرة إلى أنها شخصياً "رفعت قضية للطعن بجلسة البرلمان التي خُصصت للقراءة الأولى لتعديل القانون، بسبب وجود مخالفات عديدة، منها النصاب وآلية الطرح والتصويت على إضافة الفقرة وغيرها من المجريات". 

وتقول نافع "القضية أخذت مجراها في المحكمة الاتحادية ونحن بانتظار نتائج المحكمة وقراراتها".

وكانت النائبة النائبة العراقية انضمت إلى كتلة نسوية برلمانية هدفها "الإعلان الواضح لرفض تعديل قانون الأحوال الشخصية المطروح أمام البرلمان، من أجل الحفاظ على نسيج الأسرة وصيانة حقوق أفرادها (الرجل والمرأة والأطفال)"،  بحسب بيان نشرته نافع على حسابها الرسمي في مواقع التواصل.

تبيّن: "إضافة لهذه الكتلة، تم أيضاً تشكيل تحالف المادة (188) الداعم لقضيتنا داخل مجلس النواب لرفض قانون التعديل".

A woman holds up a sign reading in Arabic "the marriage of minors is a crime in the name of safeguarding (honour)", during a…
"خارج السرب".. رجال دين يعارضون تعديلات "الأحوال الشخصية"
مع أن طرح التعديلات على قانون الأحوال الشخصية العراقي لعام 1959، يحظى بدعم كبير من غالبية رجال الدين الشيعة والسنة في العراق، إلا أن بعض رجال الدين من الطائفتين، غردّوا خارج السرب وسجّلوا مواقف معارضة للتعديلات على القانون.

"تحالف 188"

عزز الإعلان عن تعديل قانون الأحوال الشخصية الانقسام داخل المجتمع العراقي، كما تقول الناشطة المدنية وعضوة "تحالف المادة 188" في محافظة النجف، شيماء المعموري.

تبيّن لـ"ارفع صوتك": "أقوى الهجمات كانت على مواقع التواصل الاجتماعي عبر حسابات وهمية، يتم اتهامنا من خلالها بأننا خارجون عن الدين والملّة والمرجعية، كما يتم وصفنا بأولاد السفارات. وهو كلام يتم توجيهه لجميع معارضي التعديل، خصوصاً النساء".

بعض تلك الرسائل، بحسب المعموري، تصل على شكل "تهديد بالتسليم إلى إحدى المليشيات لمعاقبتنا، أو إصدار حكم شرعي بالقتل لخروجنا عن الدين وغيرها الكثير".

وفي مجتمع محافظ مثل المجتمع العراقي وخصوصاً في مدينة دينية كالنجف "فإنه أمر يؤثر بشدة على السمعة عشائرياً واجتماعياً خصوصاً حين يتم رفع صورنا وانتقادنا عبر منشوراتنا المعارضة و توجيه الاتهامات، فيكون الأمر صعب جداً على عوائلنا"، تتابع المعموري.

وتقول إن كل ذلك "لم يؤثر على المعارضين. لكنه، انعكس سلبياً على المجتمع وأحدث انقساماً في بنيته بين الرافضين والراغبين في التعديل، وكثير منهم يخشون أن يتم اتهامهم بأنهم ضد الدين وهو السلاح الذي يحاولون (أنصار التعديل) به كسب آراء الناس".

تهديدات

التربوي والناشط المدني حيدر حسن هو أحد المشاركين في تظاهرات تتبنى إيقاف التعديل، يرى أن ما يحصل من جذب وشد في الرأي حول التعديل "جعل المجتمع منقسماً على نفسه، ووضع السلم الأهلي على شفا حفرة".

يقول حسن لـ"ارفع صوتك": "على المستوى الشخصي، أتعرض إلى أسوأ وأقذر حملة.. فقد تعرضت للتهديد بالقتل والطعن بالشرف وسب والدي المتوفي ووالدتي وتبليغات على حسابي، كما تردني تهديدات من حسابات وهمية".

كل هذه الأحداث تحصل "رغم أننا لا نملك سوى سلاح الكلمة التي نرفعها رفضاً لتعديل قانون نجد أنه لا يحقق مصلحة المرأة والطفل في العراق"، يتابع حسن.

في المقابل، اتخذ حسن إجراءات قانونية بحق من قام بتهديده، يقول "لجأت إلى القضاء الذي يريدون إسكات صوته عبر التعديل".

في السياق ذاته، يعتبر المحلل السياسي محمد نعناع أن الاتهامات التي يواجهها المعترضون على تعديل قانون الأحوال الشخصية، هي جزء من "نسق دائم يقوم به أفراد وجماعات ضد كل من يختلف معهم في أية جزئية سواء كانت دينية أو اجتماعية أو ثقافية".

ركزت الحملة التي يتم شنها ضد المعترضين على التعديل كما يشرح نعناع لـ"ارفع صوتك" على أمور ثلاث: "ضمان عدم وجود أصوات معارضة كبيرة عبر توجيه اتهامات تتعلق بمعارضة الدين أو المذهب، وعدم الاحترام في ردود الأفعال مهما كان الحوار جاداً وشفافاً وبناءً، والثالث خطر جداً لأنه يعتمد على تشويه السمعة".

ويبيّن نعناع "أما كيفية تعامل المعارضين للتعديل مع هذه الاتهامات فكانت متنوعة، لكنها اتفقت بأخذ الحرية في التعبير عن آرائنا ولا يمكن قمعنا، لأننا جميعا نعيش في ظل التعددية، كما نجح المعترضون في تثبيت خطابهم تجاه لاعقلانية من كَال لهم التهم".

Iraqis Shiite Muslim worshippers gather outside the of Imam Moussa al-Kadhim shrine, who died at the end of the eighth century,…
كان "سابقاً لعصره".. خلفيات إقرار قانون الأحوال الشخصية العراقي 1959
أعاد النقاش حول قانون الأحوال الشخصية في العراق إلى الواجهة، الظروف الاجتماعية والسياسية التي أدت إلى صدور القانون المعمول به حالياً في عام 1959، خصوصاً بعد المطالبة بتعديله من قبل نوّاب من كتل سنيّة وشيعية في البرلمان.

حقوق المرأة

تحدث فريق "ارفع صوتك" مع ثلاث نساء عراقيات تعرضن إلى انتقادات حادة بعد حضورهن وقفات احتجاجية تمت الدعوة لها وإقامتها تحت نصب الحرية وسط العاصمة بغداد.

امرأتان فضلتا عدم الكشف عن اسميهما بعد اتهامات وُجهت لهما عبر مواقع التواصل، وبعد طلب العائلة التوقف عن إعلان موقفهما من تعديل قانون الأحوال الشخصية.

تقول نعمة (اسم مستعار)، إن سبب معارضتها للقانون يتعلق بوضع اجتماعي تعيشه منذ سنوات؛ فهي مطلقة وحاضنة لطفلتها: "تلقيت تهديدات من زوجي بأخذ ابنتي ما إن يتم إقرار القانون، فشعرتُ بالرعب".

تضيف "القانون الحالي منصف للمرأة، وتمكنتُ عبره من إعادة ابنتي التي خطفها زوجي ولم أعرف مكانها لعام كامل. وحين عثرت عليها وجدتها قد تعرضت إلى التعنيف، رغم أنها لم تتجاوز العامين من عمرها آنذاك، بعد أن تزوج طليقي بأخرى أساءت معاملتها".

من جهتها، تقول آية (اسم مستعار) وهي حاضنة لطفلتين، إن تعديل قانون الأحوال الشخصية "من شأنه حرمان الأم من أطفالها وحقوقها وإجبارها على العيش في ظروف سيئة يفرضها عليها بعض الرجال الذين يسيئون لزوجاتهم، ولا يعاملونهن كما أوصى الشرع".

تساند الناشطة في حقوق الإنسان مريم الأسدي المعارضين للتعديل، معللةً "أنا أنظر للمستقبل، فالقرار الذي يُتخذ اليوم سيؤثر على بناتي مستقبلاً. الأمر يتعلق بحقوق النساء في الزواج والطلاق والميراث وغيرها، وهي من الأمور التي لا أتمنى أن تتعرض للظلم بسببها أي فتاة".

تعرضت الأسدي إلى هجمة اضطرت بعدها إلى تبديل رقم هاتفها حين بدأت مكالمات مجهولة تهددها إذا استمرت بمساندة النساء في الوقفات المطالبة بإلغاء التعديل. توضح لـ"ارفع صوتك": "لم يسكت هاتفي عن الرنين بعد نشره من شخص مجهول على أحد المجاميع المساندة للتعديل، وجميع الاتصالات كانت عبارة عن تهديدات مباشرة".

من الاتهامات التي وصلتها بأنها "ضد الشريعة"، وتمت مطالبتها بأن "تبقى في منزلها وتسكت، وإلا فان النتائج ستكون وخيمة" على حدّ تعبيرها.

نتيجة لذلك، تقول الأسدي "تأثرت عائلتي وتمت مطالبتي بالتوقف، لكنني قررت الاستمرار، فلا يمكن الخضوع لمجهولين يخشون مجرد الحديث بأسمائهم الصريحة، ولن نساوم على حقوق بناتنا في المستقبل".