A woman spray a man with a water hose during a heat wave outside his home in the al Fadhil neighborhood in Baghdad, Iraq,…
التصميم الرديء للمساكن وسوء بنائها والعيش المستمر وسط الضوضاء والروائح الكريهة والازدحام يؤدي إلى اختلالات في الصحة النفسية

طالبت لجنة الخدمات والإعمار في البرلمان العراقي الحكومة العراقية بالإسراع في إرسال قانون العشوائيات(السكنية) إلى مجلس النواب تمهيداً لمناقشته. وسبق لمجلس النواب أن ناقش نسخة أوليّة من القانون لكنها رُفضت بسبب كثرة ملاحظات النواب عليها لذا طالبوا الحكومة الحالية بإعادة صياغته وتحسين بنوده ثم عرضه على البرلمان مُجدداً.

وفي منتصف هذا العام صرّح رئيس الوزراء محمد شياع السوداني بأن قرابة 9% من العراقيين يعيشون في عشوائيات، مؤكداً أن حكومته تضع هذه المشكلة ضمن أولوياتها.

 

البداية: نزوح الفلاحين

وفقاً لما ذكره صلاح الزبيدي في بحثه "المناطق العشوائية في مدينة بغداد: واقعها وآثارها البيئية والاقتصادية"، فإن بغداد واحدة من أسرع الحواضر نمواً في الوطن العربي، فلقد ارتفع عدد سكانها من 200 ألف نسمة في 1921 إلى نصف مليون نسمة في إحصاء 1957 زاد إلى 5 ملايين نسمة في إحصاء 1997 ومن المتوقع أن يبلغ 10 ملايين نسمة بنهاية هذا العام.

يرجع أحمد عبدالنبي الظاهرة في دراسته "تاريخ العشوائيات السكنية في مدينة بغداد" السبب الرئيسي وراء العشوائيات إلى اندلاع الحرب العالمية الأولى والتي دفعت الفلاحين للنزوح بعيداً عن النظام الإقطاعي الذي جار على حقوقهم فقرّروا الخروج إلى بغداد بحثاً عن الأمن وفرصة معيشية أفضل في ظِل الأجواء الاقتصادية الصعبة التي فرضتها الحرب على العالم. بحسب الزبيدي عُرفوا هؤلاء بـ"المتجاوزين"، الذين تسرّبوا إلى بغداد وأقاموا بها تجمعات سكنية غير مخططة.

لم يعرف الفلاحون النازحون إلا السكن في بيوت الطين التي اعتادوا العيش بها بسبب انخفاض قيمة بنائها وسهولة إزالتها إذا ما اقتضى الأمر، لذا أقدموا على بنائها في بغداد بشكلٍ لم يختلف كثيراً عن مثيلاتها في الريف.

ظهرت أولى هذه الأحياء الطينية بالقُرب من محطة قطار شرق بغداد ثم ازدادت بيوت الطين في المنطقة حتى باتت تُعرف بـ"محلة الخندق". لاحقاً ظهرت مثل هذه التجمعات في مناطق أخرى من بغداد. وأدى قبول الجيش للمتطوعين من الفلاحين خلال فترة ما قبل الحرب العالمية الثانية إلى ظهور تجمعات عشوائية في الكرخ بالقُرب من معسكر الوشاش (منتزه الوزراء حالياً)، أيضاً ظهرت تجمعات عشوائية بالقرب من المعسكرات الإنجليزية شغلها العراقيون الطامعون في التكسّب من العمل في خدمة الإنجليز عبر توريد السلع إليهم والمشاركة في عمليات شقِّ الطُرق وبناء البيوت.

في 1957 أوصى البرنامج الإسكاني الأول بضرورة إزالة الأحياء العشوائية كجزءٍ من خطة شاملة لتحديث مدينة بغداد القديمة.

عرفت الحكومة العراقية خطورة هذه الظاهرة فسعت إلى حلّها بالإزالة مثلما جرى في مناطق الصرائف بالشاكرية وكرادة مريم وخلف السدة الشرقية، وعملت على توفير مشاريع إسكان حكومي منخفضة التكلفة مثل مدينتي "الثورة" و"الشعلة" وغيرها.

ساهمت هذه السياسات في تخفيف مشكلة العشوائيات قليلاً، فانخفض عدد المتجاوزين من 60 ألف نسمة في 1951، عاش 13% منهم داخل بغداد و24% منهم في مدينة البصرة. انخفض هذا العدد في 1977 إلى ما يقرب من 30 ألف نسمة.

تضاعفت هذه المشكلة بعد 2003 بسبب ضعف سُلطة الدولة الذي استغلّه المواطنون لبناء تجمّعات عشوائية ضخمة حول بغداد مثل المناطق المحيطة بمدينة الصدر، وأيضاً ظهرت على الأطراف الشمالية الشرقية لمدينة بغداد مناطق مثل حي طارق ومقاطعة شاعورة وأم جدر والحسينية.

بعض العائلات هربت من المناطق غير الآمنة التي تعيش بها إلى أماكن أخرى أكثر أماناً وبنت لأنفسها مساكن على أراضي لا تمتلكها وإنما في الأغلب كانت ممتلكات حكومية كالمتنزهات ومعسكرات الجيش السابقة.

في بحثه يضرب الزبيدي مثلاً عن حجم التضخم السكاني الذي طرأ على هذه الأماكن مستدلاً بناحية بني سعد التابعة لمحافظة ديالي التي كان عدد سكانها 35 ألف نسمة في 1987 وصار العدد 350 ألفاً في 2011.

وفي 2017 قدّرت لجنة حكومية ضمّت ممثلين من وزارات التخطيط والإعمار والإسكان عدد المساكن العشوائية في بالعراق بما يزيد عن 500 ألف مسكن، وأن 26.2% من مساكن بغداد هي منازل عشوائية.

في 2023 أعلنت وزارة التخطيط أن قاطني المساكن العشوائية في العراق زادوا عن 3.7 مليون نسمة استأثرت بغداد بقرابة 846 ألف نسمة منهم.

خطورة اقتصادية واجتماعية

في دراستها "العشوائيات والأمن الاجتماعي" للباحثة مريم جبار التي أعدّتها عام 2014 لصالح جامعة بغداد، اعتبرت أن المناطق العشوائية في العراق من "القضايا المُلحة" بسبب تداعياتها السلبية على المجتمع اقتصادياً وأمنياً واجتماعياً.

وبحسب جبّار فإن العشوائيات تعدُّ مصدراً لكثيرٍ من المشكلات الاجتماعية إذ أنها "تشهد تجمُّعاً لظواهر سلبية عديدة مثل الفقر والطلاق والتشرد"، الأمر الذي يجعلها "تربة خصبة لنمو الانحرافات السلوكية بسبب غياب رقابة الأسرة والمجتمع"، على حد تعبير جبّار، التي تضيف: "أصبحت العشوائيات ممولاً رئيسياً للمدينة بالجريمة إذ ينطلق من هذه المناطق الكثير من المجرمين والمخالفين للقانون ويلجأون إليها عقب تنفيذ جرائمهم بسبب ضعف القبضة الأمنية فيها".

بالمثل، فإن العيش في الأحياء العشوائية وفي ظِل ظروف اقتصادية صعبة قد يدفع الأهل، بحسب الدراسة، إلى إخراج أبنائهم من الدراسة وعدم استكمال دراستهم فينشأ الابن بلا مؤهل عالٍ أو مهارات تقنية فيكون امتداداً للكتلة السكانية "السلبية" التي نشأ فيها، والتي باتت تشكّل عبئاً على اقتصاد المجتمع بسبب مساهمتها الضعيفة في الإنتاج العام.

ووفقًا للدراسة فإن التصميم الرديء للمساكن وسوء بنائها والعيش المستمر وسط الضوضاء والروائح الكريهة والازدحام يؤدي إلى اختلالات في الصحة النفسية مثل الهياج العصبي والمزاج الحاد.

حلول المشكلة

في دراستها "التجاوزات على ضوابط وقوانين البناء وأثرها على البيئة الحضرية في مدينة بغداد"، ترى خولة كوثر أن الحل لهذه المشكلة يكون بتعزيز دور البلديات وأمانة بغداد حتى تتمكن من أداء دورها الرقابي، وكذا زيادة دور نقابة المهندسين في الرقابة والإشراف على البناء بما يضمن ألا يخرج صاحب العقار عن شروط الترخيص الممنوحة له.

بينما يقترح الزبيدي تفعيل دور المصرف العقاري وتنمية موارده بشكلٍ يجعله قادراً على خدمة جميع فئات الشعب العراقي، مشدداً على ضرورة وضْع خطة شاملة لحل هذه المشكلة من جذورها عبر تحسين الأحوال الاقتصادية لسكان تلك العشوائيات وتوفير مساكن لهم في أماكن أخرى بعيدة عن بغداد.

فيما يشدّد جمال مطلك في دراسته "تحديد مقترحات لحل مشكلة السكن العشوائي: دراسة تحليلية لمدينة بغداد" على ضرورة اجراء احصاء دقيق للأسر الساكنة في هذه المناطق ومن ثم وضع برنامج شامل لترحيلهم وتسكينهم في مناطق أخرى تتوفّر بها الخدمات الأساسية، مع ضرورة العمل على وضع استراتيجية تشترك فيها الحكومة مع الأكاديميين المتخصصين ومنظمات المجتمع المدني في وضع سياسة مستقبلية تخفف من أضرار السكن العشوائي وتمنع من تفاقمها في المستقبل.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

من تظاهرة احتجاجية في العاصمة العراقية بغداد حول تعديلات مقترحة على قانون الأحوال الشخصية
من تظاهرة احتجاجية في العاصمة العراقية بغداد حول تعديلات مقترحة على قانون الأحوال الشخصية- تعبيرية

 في مكتبها وسط العاصمة العراقية بغداد، تجتمع المحامية مروة عبد الرضا مع موكلها الشاب العشريني وزوجته (ابنة خالته)، اللذين يسعيان لتوثيق زواجهما المنعقد خارج المحكمة لصغر سن الزوجة (13 عاما)، وهي طالبة في السادس الابتدائي بمنطقة المدائن على أطراف العاصمة بغداد.

تقول عبد الرضا لـ"ارفع صوتك": "لا يمكن الحديث عن الزواج المبكر من دون أن يتم ربطه بشكل مباشر بالزواج خارج المحاكم لأنهما مرتبطان ببعضهما البعض".

بعد اكتشاف حمل الفتاة، قررت العائلة توكيل محام لتقديم طلب توثيق العقد. تضيف عبد الرضا "الإجراءات الحكومية بسيطة وغير معقدة في مثل هذه الحالات، فالقاضي يجد نفسه أمام الأمر الواقع بسبب حمل الفتاة، فيتم تصديق العقد وفرض غرامة أقصاها 250 ألف دينار على الزوج (نحو 150 دولاراً)".

الزيجة التي تشير إليها المحامية "ليست الأولى ولن تكون الأخيرة" على حدّ تعبيرها، "بل هي حالة اجتماعية متوارثة لاعتقاد سائد أن الرجل يرتبط بفتاة صغيرة ليقوم بتربيتها على ما يحب ويكره، لكن النتيجة كثيرا ما تكون سلبية بحسب القضايا التي تشغل أروقة المحاكم ونراها بشكل يومي. فالفتاة التي تتزوج بعمر الطفولة غير قادرة على استيعاب العلاقة الزوجية، وفي كثير من الحالات يكون الأمر أشبه بالاغتصاب".

تتحدث عبد الرضا عن ارتفاع كبير بنسب الطلاق في المحاكم العراقية: "كثير منها يكون نتيجة الزواج المبكر وتدخّل الأهل بسبب صغر أعمار الطرفين وهو ما يؤثر بشكل كبير على العلاقة الزوجية".

وتشير إلى أنه كثيرا ما يتم التزويج "لعدم وجود فتيات في منزل العائلة للرعاية والعمل المنزلي، فيكون مطلوب منها القيام بأعمال الكبار وهي بعمر الطفولة، وهذا أكبر من قدرة أي فتاة صغيرة".

ما تكشف عنه عبد الرضا تؤيده إحصاءات مجلس القضاء الأعلى، ففي شهر يوليو الماضي كان هناك 2760 عقد زواج خارج المحكمة، و1782 حالة طلاق خارج المحاكم و4562 حالة بتّ فيها، بعد رفع دعاوى قضائية.

وينقل المجلس الأعلى في أحد تقاريره عن القاضي عماد عبد الله قوله إن المحاكم العراقية "شهدت ارتفاعاً ملحوظاً في حالات الطلاق. وأهم الأسباب ترجع إلى حالات الزواج المبكر التي تفتقر لمتابعة الأهل، وعدم توفر الاستقرار المالي الذي يسمح بإنشاء أسرة بالإضافة إلى التأثر بالسوشيال ميديا".

A woman holds up a sign reading in Arabic "the marriage of minors is a crime in the name of safeguarding (honour)", during a…
"خارج السرب".. رجال دين يعارضون تعديلات "الأحوال الشخصية"
مع أن طرح التعديلات على قانون الأحوال الشخصية العراقي لعام 1959، يحظى بدعم كبير من غالبية رجال الدين الشيعة والسنة في العراق، إلا أن بعض رجال الدين من الطائفتين، غردّوا خارج السرب وسجّلوا مواقف معارضة للتعديلات على القانون.

تداعيات الزواج خارج المحاكم

تتحدث شابة فضّلت عدم الكشف عن اسمها لـ"ارفع صوتك" عن سنوات طويلة حُرمت فيها من أبسط حقوقها، فلم تتعلم القراءة والكتابة، ولم تنل رعاية صحية لائقة، فقط لأن زواج أمها المبكر وإنجابها لها وهي في عمر صغير، جعلها من دون أوراق ثبوتية.

"تزوجت والدتي بعقد خارج المحكمة بعمر صغير، وانفصلت بعد أشهر قليلة عن والدي لعدم انسجامهما معاً، لتكتشف حملها بي"، تروي الشابة.

وضعت الأم حملها وتزوجت مرة ثانية، ورزقت بالمزيد من الذرية. تبين: "لم يتم إصدار أوراق ثبوتية لي، فحُرمت من التعليم ومن الرعاية الصحية، وكنت أحياناً استعين ببطاقة شقيقتي الأصغر للحصول على العلاج في المستشفيات".

توفيت والدتها التي قابلناها لصالح تقرير سابق قبل ثلاث سنوات، وفي أوائل العام الحالي وهي بعمر 23 عاماً تزوجت الشابة بعقد خارج المحكمة، واليوم تسعى لاستخراج هوية الأحوال المدنية لتوثيق زواجها "لا أريد أن تتكرر مأساتي مع أطفالي أيضاً".

من جهته، يقول المحامي خالد الأسدي لـ"ارفع صوتك" إن قضايا الزواج والطلاق خارج المحكمة في أغلبها تكون "بسبب صغر عمر الزوجة أو للزواج الثاني، كون القضاء يطلب موافقة الزوجة الأولى، ونتيجة لذلك أصبح لدينا جيش صغير من الأطفال غير الموثقين رسمياً والمحرومين من أبسط الحقوق".

الزواج المبكر كما يشرح الأسدي "لا يقتصر على الإناث فقط بل يشمل الذكور أيضاً، فقانون الأحوال الشخصية رقم 188 لسنة 1959 اعتبر سن الثامنة عشرة هو سن الأهلية القانونية لإجراء عقد الزواج".

القانون ذاته وضع استثناءات، يفنّدها الأسدي "فقد منح القاضي صلاحيات تزويج من أكمل الخامسة عشرة من العمر وقدم طلباً بالزواج، وفق شروط تتعلق بالأهلية والقابلية البدنية التي تتحقق بتقارير طبية وموافقة ولي الأمر". 

ستابع الأسدي "هذا الاستثناء لا يشجع زواج القاصرين قدر تعلق الأمر بمعالجة حالة اجتماعية بطريقة قانونية تتيح فيه القرار للسلطة القضائية".

مع ذلك، فما كان مقبولاً في الفترة التي تم تشريع القانون بها، لم يعد مقبولاً في الوقت الحالي؛ كون المسالة تتعلق برؤية اجتماعية جديدة فيها جوانب اقتصادية وتغيرات اجتماعية كبيرة شهدها العراق خلال العقود الستة الأخيرة، بحسب الأسدي.

 

قصص

لم تكن أم علي تتجاوز 14 عاماً حين تم تزويجها إلى ابن عمها، كان ذلك أواخر تسعينيات القرن الماضي. واليوم تواجه "مشكلة"، إذ تم الاتفاق - دون رغبة الأم- على تزويج ابنتها البالغة من العُمر 14 سنة.

عدم رغبة الأم هي نتيجة مباشرة لما تعرضت له خلال رحلة زواجها الطويلة. تقول أم علي لـ"ارفع صوتك": "صحيح أنني أمتلك عائلة وأبناء وبنات أصبح بعضهم بعمر الزواج. لكن، لا أحد يتحدث عن مرارة الرحلة".

وتوضح "أنا وزوجي كنا بعمر متقارب ومن عائلتين فقيرتين. بعد زواجي بشهر واحد حملت بطفلي الأول.. كنا مجرد طفلين نعتمد على مصروف يوفره والده، أو أعمال متقطعة في مجال البناء، ولم يأت الاستقرار إلا بعد عشر سنوات حين تطوع في الجيش، وأصبح لديه راتب ثابت وبات قادراً على الإنفاق".

على الرغم من عدم رغبتها بخضوع ابنتها للتجربة ذاتها، تقول أم علي "التقاليد والأعراف لا تسمح لنا بذلك، لا أريد لابنتي أن تواجه المصير ذاته ولكن ليس بيدي حيلة وليس لنا رأي".

على عكس حكايتها، تقول أم نور  إن أحداً لم يجبرها على الزواج حين كانت بعمر السادسة عشرة، مردفة "كل فكرتي عن الزواج كانت ترتبط برغبتي بارتداء فستان أبيض، وأن الجميع سيرقصون من حولي، لكن سرعان ما اكتشفت أنّي لم أكن مؤهلة لتكوين عائلة".

في العراق كما تشرح أم نور وهي على أعتاب الستين " كثيراً ما يكون الزواج مبكراً، ودون أن تكون هناك فكرة حقيقية عن المسؤولية ومدى قدرتنا على تحملها، أو تربية أطفال والتعامل مع بيئة جديدة مختلفة عن التي تربينا فيها بعد الانتقال إلى منزل الزوجية".

أفكار نمطية                       

الموروث الثقافي كما يرى أستاذ الاجتماع رؤوف رحمان يلعب دوراً كبيراً فيما يتعلق بالزواج المبكر للإناث والذكور بشكل عام في العراق.

يقول لـ"ارفع صوتك" إن البيئة العراقي التقليدية "تربّي الفتاة على أنها غير مؤهلة لإدارة شؤونها، فيكون مصيرها مرهوناً بقرار العائلة التي تفضّل تزويجها مبكرا لأنها مرغوبة اجتماعياً ومطلوبة للزواج ما دامت صغيرة في السن، وتقل حظوظها كلما تقدمت في العُمر".

في حالات كثيرة يذكرها رحمان "تسعى الفتيات للارتباط حين تفتقد الأسرة إلى الانسجام، أو للتخلص من العنف الأسري والفقر، خصوصاً ضمن العائلات الممتدة والريفية أو في أحيان أخرى للحصول على مهرها".

ويرى أن الزواج المبكر في العراق يرتبط أيضاً "بالعنف والصراعات والحروب المستمرة، فعدم الاستقرار الأمني يدفع العوائل لتزويج الفتيات بعمر مبكر للتخلص من مسؤوليتهن".

أما في ما يتعلق بالزواج المبكر للذكور، فيشير رحمان إلى وجود "فكرة خاطئة مفادها أن تزويج الذكر بعمر صغير يقيه من الانحراف أو الوقوع في المشاكل عندما يكون مسؤولاً عن زوجة وأطفال بعمر مبكر".

كل هذه التقاليد والأعراف النمطية المتوارثة تشكّل بحسب رحمن "مواطن الخلل في المجتمع، فنحن اليوم بحاجة إلى ثقافة مختلفة تماماً، في زمن تغيرت طبيعة الحياة فيه من ريفية بسيطة إلى مدنية معقدة، غزتها وسائل التواصل وغيرت الكثير من أساليب العيش وسط أزمة اقتصادية خانقة وزيادة مرعبة بأعداد السكان".

جزء من الحل كما ترى المحامية مروة عبد الرضا، يكمن في "تثقيف الشباب من الإناث والذكور عن الحياة الزوجية والمسؤولية المترتبة عن إنشاء أسرة عبر دروس ضمن مناهج وزارة التربية، ومحاضرات من الباحثين الاجتماعيين ضمن المحاكم العراقية قبل عقد القران، لتأهيل وتوعية المقدمين على الزواج".