يأمل العراق في حلّ جزء من أزمته المائية عبر إنتاج مليون متر مكعب من المياه العذبة يومياً من خلال مشروع تحلية مياه البحر في أقصى جنوب العراق في محافظة البصرة، التي تعتبر الأكثر تضرراً من تداعيات أزمة تغير المناخ وارتفاع نسب الملوحة في مياهها.
تراجع كميات المياه الواردة إلى العراق بفعل سياسات تركيا وإيران، تحدث عنها غلام إسحق زي نائب الممثلة الخاصة للأمين العام في تقريره عن العراق. وقال إنه: "على مدى السنوات الأربعين الماضية انخفضت تدفقات المياه من نهري دجلة والفرات بنسبة 30-40٪".
موضحاً أن انخفاض منسوب مياه النهرين يعني "أن مياه البحر تندفع داخل الأراضي الجنوبية، ومع تهديد الملوحة للزراعة فإن سبل عيش مجتمعات بأكملها وحتى وجودها أصبح على المحك".
ويقول حسام الربيعي وهو باحث في مجال المياه لـ"ارفع صوتك" ان أزمة المياه في العراق "تظافرت فيها عوامل داخلية طبيعية وأخرى بشرية متمثلة بتغير المناخ وشح الأمطار وسوء التخطيط"، بالإضافة إلى عوامل خارجية "متمثلة بالمشاريع الإروائية العملاقة التي أقامتها تركيا وإيران والتي تسببت بتراجع كميات المياه الداخلة إلى العراق بشكل كبير، مقارنة بكميات المياه في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، التي كانت تتراوح بين 80-100 مليار متر مكعب في العام".
وبحسب الربيعي، "إذا أردنا الحديث عن استقرار مائي في العراق، فلا بد أن تكون هذه الإطلاقات ثابته خلال فترة الشح التي تبدأ من مايو وحتى سبتمبر من كل عام على الأقل. وهو ما لا يحصل نتيجة لتذبذب الكميات التي تطلقها تركيا اعتماداً على الضغط السياسي الذي تتعرض له".
ويحذر الباحث العراقي من "خطورة عدم وضع خطط استراتيجية حقيقية لإدارة ملف المياه من الحكومات المتعاقبة"، فما نتحدث عنه، يتابع الربيعي، "ليس أزمة عابرة فهو تهديد بالجفاف، وقد يأتي يوم لن نرى فيه شيء من المياه في دجلة والفرات".
مليون متر مكعب
يتوقع نبيل الصفار الذي يشغل منصب المتحدث الرسمي لوزارة الإعمار والإسكان أن "يقضي مشروع تحلية مياه البحر على شح الماء بمحافظة البصرة من خلال انتاج مليون متر مكعب من المياه يومياً، والذي لا يوفر المياه الصالحة للشرب فحسب، بل يوفرها أيضاً لكافة الاستخدامات الأخرى".
وبحسب الصفار فإن المديرية العامة للمياه في الوزارة "استكملت جميع الإجراءات اللازمة للمباشرة بالمشروع بضمنها تهيئة مواقع العمل واستملاكها، واختيار مسارات الخطوط الناقلة بطول 357 كم".
بالإضافة إلى "التعاقد مع استشاري دولي هو شركة ILF النمساوية، وإنجاز جميع الوثائق الخاصة بالمشروع من حيث المواصفات الفنية والمخططات ودراسات الجدوى الفنية والاقتصادية وغيرها".
أما المناطق المستهدفة للمشروع بعد إنجازه فهي "ميناء الفاو الكبير، شمال وجنوب مركز مدينة البصرة، شرق وغرب أبي الخصيب، شط العرب، النشوة، الدير، الفاو، والزبير الذي يتفرع إلى مناطق خور الزبير وصفوان وأم قصر".
كما ستقوم الوزارة، كما يوضح الصفار، "بتشكيل فريق عمل خاص للمشروع لتقديم الدعم والإسناد لمحافظة البصرة، وبما يضمن المباشرة بالمشروع وإنجازه ضمن التوقيت المحدد له خدمة لأهالي البصرة"، وذلك بعد أن "جرى تنفيذ قرار مجلس الوزراء، والمتضمن نقل جميع الوثائق الخاصة بالمواصفات الفنية والمخططات ودراسات الجدوى الفنية والاقتصادية لمشروع تحلية مياه البحر في الفاو لصالح ممثلي محافظة البصرة، لغرض المباشرة بأعمال تنفيذ المشروع".
وكان محمد السوداني رئيس الوزراء العراقي وجه خلال اجتماع وزاري في ديسمبر الماضي بتسريع آليات التعاقد والتمويل والتنفيذ لمشروع تحلية مياه البحر في محافظة البصرة.
وأشار إلى عزم حكومته التعاقد مع شركات عالمية لتنفيذ المشروع، من أجل تقديم منجز يتسم بالكفاءة وينهي ملف تحلية المياه بشكل جذري. مبيناً أن المشروع سوف يشمل تشييد محطة كهربائية جديدة، إضافة إلى توفير المياه لزيادة طاقات المكامن النفطية.
"ليس حلاً سحرياً"
يشير الربيعي إلى أن العراق لم يكن يمتلك سابقاً مشاريع لتحلية مياه البحر، إلا على مستوى بسيط يتعلق بمعامل المختبرات والأبحاث. ويوضح الربيعي أن السبب في ذلك "يعود إلى عدم وجود حاجة فعلية لمشاريع تحلية مياه البحر، وكان يستعاض عنها بمشاريع تنقية المياه العذبة التي تأتي من نهري دجلة والفرات، والتي يتم استخدامها من قبل المواطنين لمختلف الأغراض الحياتية اليومية".
الأمر اختلف تماماً اليوم، فـ"البلد يسير على خطى دول مختلفة في العالم بدأت بتحلية مياه البحر المالحة أو المياه المبتذلة وبعض أنواع المياه الجوفية كالإمارات والسعودية". مبيناً أن تلك الدول "نفذت مشاريع لمصانع كبيرة للاستفادة منها لعلاج نقص المياه، في ظل أزمة الجفاف التي تضرب اليوم بلداناً عديدة حول العالم" يقول الربيعي. ويضيف: "يمكن للمياه المنتجة عبر مشاريع التحلية أن تستخدم في مختلف النشاطات منها السقي والرعي بحسب جودة أو درجة التنقية التي تستخدم لأجلها، مع الأخذ بنظر الاعتبار الكلفة المالية والزمن اللازم لإنجاز تلك المشاريع".
وفي سؤال لـ "ارفع صوتك" عن جدوى مشاريع التحلية بالنسبة للوضع المائي العراقي، يوضح الربيعي أن هذا المشروع "سيكون مهماً جداً بالنسبة للعراق عموماً، ومحافظة البصرة بشكل خاص كونها من أكثر المناطق معاناة من ناحية الملوحة".
مع ذلك، يستدرك الباحث: "فإن هذا المشروع لا يشكل حلاً سحرياً لمشكلة العراق المائية، إذا ما تم استخدامه لوحده ومن دون تخطيط".
فالمشروع كما يرى الربيعي "يجب أن يكون مترافقاً مع أشياء أخرى، كتبطين المبازل والقنوات الإروائية وتغليفها لتقليل نسب التبخر، واستخدام تقنيات الري الحديثة وترشيد الاستهلاك".
ويستطرد شارحاً القصد من كلامه: "يعني الحاجة إلى وضع خطة كاملة لعبور أزمة الجفاف التي نعاني منها".
مخاوف برلمانية
ثائر الجبوري عضو لجنة المياه والزراعة والأهوار النيابية يقول لـ"ارفع صوتك" أن "الشعب العراقي عموماً وأبناء البصرة بشكل خاص بحاجة إلى مشاريع لإيصال المياه إلى البيوت ". وأن ومشروع تحلية مياه البحر "يعتبر واحداً من أساليب تخفيف الأزمة التي فكرت بها الحكومة العراقية".
وتعاني البصرة بحسب الجبوري، بالإضافة إلى شح المياه، "تعاني من ملوحتها أيضا منذ سنوات طويلة. وهي حالة أثرت بشكل سلبي على معيشة المواطن البصري". ويأمل الجبوري أن "يساهم المشروع في حل مشكلة الجفاف ونقص المياه".
ورداً على سؤال يتعلق بتكاليف المشروع يؤكد الجبوري أن الحكومة العراقية "منحت وزارة الإسكان والإعمار ومحافظة البصرة مبالغ مالية كافية لإنجاز المشروع، وخصصته ضمن الموازنة التي تم إقرارها ولن نواجه مشكلة في ذلك".
وبحسب قانون الموازنة الذي تم نشره في جريدة "الوقائع" الصادرة عن وزارة العدل فإنه تم تخصيص مبلغ 400 مليار دينار عراقي (305 مليون دولار أمريكي) لمحافظة البصرة بهدف إنجاز مشروع تحلية المياه فيها من الموازنة الاستثمارية وضمن فقرة "أولويات البرنامج الحكومي".
لكن المشكلة الحقيقية التي تقلق الجبوري تتعلق "بالفساد الإداري والمالي المستشري". في هذا الصدد يقول: "نتمنى أن تصل هذه الأموال فعلياً ويرى المواطن العراقي أثرها من خلال إنجاز المشروع".
أما تأخر العراق في إيجاد الحلول اللازمة لأزمة الجفاف فيعلله الجبوري بأن العراق "ينقصه التفكير والتخطيط المسبق بالأزمة قبل وقوعها. والتفكير في حلول بشكل متأن وليس انتظار الوقوع في الأزمة لإيجاد البدائل التي يمكن أن لا تكون حلولاً جذرية أو متكاملة لعدم التفكير والتخطيط المسبق لها".
ويعلل الجبوري هذا النقص في التخطيط المسبق إلى "كون العراق قد عانى من عدم الاستقرار الأمني والاقتصادي والاجتماعي لكثرة الحروب والمشاكل منذ الثمانينيات وحتى الآن"، معتبراً أن الاستقرار "هو الذي يشجع العمل المسبق والتخطيط لمستقبل أفضل".
