هذه المرة دخلت وزارة الاتصالات على خط قطع الانترنت وأعربت عن استيائها وطالبت بإيجاد حلول بديلة- تعبيرية
تشكو عراقيات من تغيّر نظرة أزواجهن إليهن بسبب "الصورة المثالية" للمرأة التي تصدرها مواقع التواصل- تعبيرية

مجدداً، وعلى جري العادة في كل عام، يثير قطع الإنترنت بسبب الامتحانات الرسمية استياء الشارع العراقي وجدلاً على مواقع التواصل. هذه المرة دخلت وزارة الاتصالات على الخط وأعربت عن استيائها وطالبت بإيجاد حلول بديلة. أما وزارة التربية فقد أعلنت عن خوضها تجربة نقل الأسئلة إلكترونياً بنجاح وإمكانية تعميمها العام المقبل.

وبحسب ناشطين على مواقع التواصل العراقية فإن قطع الإنترنت يتسبب بضعف الشبكة لساعات لاحقة بعد إعادة الخدمة، مطالبين الحكومة بإجاد حلول بديلة لمنع الغش وتسريب الامتحانات.

المكتب الإعلامي لوزارة الاتصالات أكد لـ"ارفع صوتك" أن الوزارة "لا تؤيد قطع خدمة الإنترنت"، داعية وزارة التربية إلى" إيجاد حلول بديلة لمشكلة أسئلة الامتحانات".

وبحسب المكتب الإعلامي فإن الوزارة "غير مسؤولة عن عملية القطع، بل تنفذ تعليمات صدرت من مكتب رئاسة الوزراء".

وكان مجلس الوزراء قد أوعز إلى وزارة الاتصالات بقطع خدمة الإنترنت من الساعة الرابعة فجراً وحتى الاسبعة صباحاً، للفترة من 17 سبتمبر ولغاية 28 من الشهر نفسه، بناءً على طلب وزارة التربية.

وتعمد وزارة التربية بشكل منهجي إلى طلب قطع خدمة الإنترنت خلال أداء طلاب الامتحانات الوزارية للصف الثالث المتوسط والسادس الإعدادي كوسيلة لتجنب تسريب الأسئلة والغش.

 

أزمة تسريب الأسئلة

في حديثه لـ "ارفع صوتك" يقول كريم السيد المتحدث باسم وزارة التربية إن وزارته "هي من طالبت بقطع الإنترنت خلال إجراء الامتحانات الوزارية لمرحلة الثالث المتوسط والسادس الإعدادي".

معللاً ذلك :"بالحرص على تأمين عملية نقل الأسئلة وتوزيعها، ورفع مستوى الأمان بالنسبة للتواصل بين التربية ولجان الامتحانات التي تتوقف عليها حقوق الطلبة المتعلقة بنتائجهم ومستقبلهم، لذلك نعمل بحرص شديد على هذا الجانب"، مع أخذ "الإشكالية المؤسفة التي حصلت العام الماضي المتعلقة بتسريب الأسئلة" بعين الإعتبار.

تسريب الأسئلة الذي يشير إليه السيد حصل في العام الماضي خلال امتحانات الثالث المتوسط عندما تم تسريب أسئلة مادة الراضيات على مواقع التواصل، ونتيجة لذلك تم إلغاء الامتحان وتأجيله في ذلك اليوم.

أجرت الأجهزة المتخصصة تحقيقاً واسعاً شمل كوادر متقدمة في التربية، قبل أن يعلن جهاز الأمن الوطني عن إدانة ثلاثة موظفين في الوزارة وإلقاء القبض على عدد من المروجين على منصات التواصل الاجتماعي ممن ساهموا بنشر وبيع تلك الأسئلة.

وعلى خلفية ذلك الحادث كما يقول السيد "وضعت الوزارة احترازات أمنية عديدة لمنع تكرار التسريب بالتعاون مع الجهات المعنية، باعتبار ملف الامتحانات ملفاً وطنياً لا يتعلق فقط بوزارة التربية فهناك وزارات أخرى تتعاون كالدفاع والداخلية والاتصالات وغيرها من المؤسسات".

ونتيجة لذلك، فإن "هناك حرصاً كبيراً ترجم على شكل قرارات صدرت من مجلس الوزراء تتعلق بقطع الإنترنت من الساعة الرابعة صباحاً حتى الثامنة خلال فترة الامتحانات"، كما يقول السيد، على اعتبار أن "هذا الوقت ليس وقت ذروة عمل ".

وفي رده على سؤال يتعلق بالحلول البديلة لقطع الإنترنت يوضح السيد بأن وزارة التربية "قامت بتجربة نقل الأسئلة الامتحانية إلكترونياً في ست مديريات عامة في بغداد، لغرض إيصال الأسئلة بعيداً عن الأسلوب التقليدي المتبع ". وهذا الإجراء نجح في منع التسريب، و"قد يتم تعميمه العام المقبل أو الذي يليه بحسب توفر الدعم لهذا المشروع ".

خسائر

الخبير في مجال التكنلوجيا محمد عصمت يشرح لـ"ارفع صوتك" أن "الإجراءات التقليدية التي تقوم بها وزارة التربية خلال الامتحانات بقطع خدمة الإنترنت ليست حالة جديدة بل لجأت لها العديد من الدول وخصوصاً العربية منها مثل مصر وتونس والأردن". وهو إجراء "لهدف واحد هو منع الغش وتسريب الأسئلة بعد التطور التكنلوجي الهائل في هذا المجال".

لكن قطع الإنترنت بحسب عصمت "لن يمنع تسريب الأسئلة ولكنه يمكن أن يحد من عدد المتداولين لها على مواقع التواصل، خصوصاً وأن التسريب عادة ما يتم قبل الامتحان بعدة ساعات فقط".

أما الجانب الآخر في الموضوع: "فيتعلق بحق المواطن بالحصول على خدمة الإنترنت التي دفع مبلغاً معيناً من المال للحصول عليها".

وإلى الجانب التربوي يرى الباحث الاقتصادي محمد جبار أن هناك مسألة "تتعلق بالكلفة المالية الناتجة عن قطع خدمة الإنترنت التي تتكبدها المؤسسات العامة والخاصة والمواطنين".

وبحسب حديث جبار لـ"ارفع صوتك" فإن: "العراق يلجأ بين فترة وأخرى إلى قطع الإنترنت ولا توجد مؤسسة عراقية متخصصة بحساب كلفة ذلك القطع، ولكن في أوقات سابقة وخصوصاً خلال العام 2019 تحدثت مؤسسات مختصة عن خسائر بملايين الدولارات".

وتشير تقديرات مجموعة أبحاث الخصوصية الرقمية "Top10VPN" إلى أن العالم يخسر سنوياً مليارات الدولارات نتيجة لعمليات قطع الإنترنت. وتبين تقديرات المجموعة إن العراق احتل الصدارة بخسارته 2.3 مليار دولارات العام 2019 بعد القطع الممنهج للإنترنت خلال احتجاجات أكتوبر(تشرين).

وبحسب تقديرات المجموعة فإن مجموع خسائر العراق للعام الحالي بلغ 194.7 مليون دولار منها 33.7 مليوناً خسائر مستخدمي الإنترنت ليحتل المركز الخامس عالمياً.

وقال التقرير إن السلطات في العراق "فرضت إغلاقاً يومياً لوسائل التواصل الاجتماعي خلال فترة امتحانات فبراير في البلاد، واستمرت الانقطاعات لمدة 64 ساعة إجمالا. كما فُرض انقطاع الإنترنت طوال شهور يونيو ويوليو وأغسطس خلال الامتحانات اللاحقة".

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

صورة تعبيرية لجامع النوري في الموصل شمال العراق
صورة تعبيرية لجامع النوري في الموصل شمال العراق

تحلُّ في منتصف الشهر الحالي ذكرى "المولد النبوي" الذي اعتبرته الحكومة العراقية إجازة رسمية لموافقته يوم 12 ربيع أول، وهو التاريخ الذي رجّحت المرويات التاريخية أنه شهد ميلاد الرسول محمد، استنادًا لمقولة ابن عباس "وُلد رسول الله عام الفيل، يوم الاثنين، الثاني عشر من شهر ربيع الأول".

بحسب الترتيب الزمني الذي أورده دكتور صلاح الدين بن محمد في دراسته "الإلزامات الواردة على بدعة الاحتفال بالمولد النبوي"، فإن أول من احتفل بالمولد النبوي هم الفاطميون سنة 362 هجرية بالقاهرة، وهي الاحتفالات التي استمرت في مصر حتى ألغاها أمير الجيوش الأفضل شاهنشاه بن بدر الجمالي وزير المستعلي بالله سنة 490 هـ.

بعد سنوات من هذا الإلغاء سيكون للعراق الفضل في إعادة إحيائها مُجدداً لتنتشر بعدها في أصقاع العالم الإسلامي حتى اليوم، فما قصتها؟

 

البداية من الموصل

عاد الاحتفال بالمولد النبوي للظهور مُجدداً على يدي الفقيه عُمر بن محمد الموصلي، الذي تمتّع بمكانة اجتماعية كبيرة في الموصل شمال العراق بسبب فقهه وزُهده، فحاز شهرة كبيرة في العالم الإسلامي حتى تُوفي سنة 570 هـ.

بحسب كتاب "الروضتين في أخبار الدولتين النورية والصلاحية" لأبي شامة المقدسي، فإن "زاوية الشيخ عمر" كانت محلاً لزيارة العلماء والفقهاء والملوك والأمراء. 

وامتلك الشيخ عُمر علاقة وطيدة بنور الدين زنكي صاحب حلب، إذ اعتاد الأخير مراسلة الشيخ عُمر لـ"استشارته في الأمور العِظام"،كما كان يزوره كل سنة في شهر رمضان لتناول الإفطار معه.

تعززت هذه المكانة حين خضعت الموصل لسُلطان نور الدين زينكي عام 566 هـ فأوصى وُلاته عليها بأن يستشيروا الشيخ عُمر في كل كبيرة وصغيرة، حتى نال لقب "المولى".

بحسب أبي شامة المقدسي فإن الشيخ عُمر هو الذي أشار على نور الدين بشراء قطعة أرض خراب في وسط الموصل وحوّلها إلى مسجد أنفق على بنائه أموالاً كثيرة، هو "جامع النوري" الذي لا يزال قائماً حتى اليوم.

لم يكن "جامع النوري" هو أكبر إنجازات الفقيه الموصلي إنما إعادة إحياء الاحتفال بـ"المولد النبي"، أيضاً. وبحسب كتاب "خدمات الأوقاف في الحضارة الإسلامية إلى نهاية القرن العاشر الهجري"، كان الشيخ عُمر كان يقيم في كل سنة داخل زاويته احتفالاً بميلاد الرسول محمد، يوجّه فيه الدعوة لحاكم الموصل وكبار رجال الدولة للحضور إلى الزاوية حيث تُقدّم لهم الأطعمة والمشروبات ويستمعون للشعراء الذين حضروا هذه الاحتفالية للتنافس على إنشاد قصائد المدح النبوي.

تزامن هذا الاحتفال مع الاهتمام الجماعي الذي أبداه أهل الموصل طيلة العهد الأتابكي بمناسبة "المولد النبوي"، فكانوا يعتادون تزيين الدور والأسواق ويتجمهرون في المساجد.

في كتاب "رسائل في حُكم الاحتفال بالمولد النبوي"، لم يستبعد مؤلّفوه أن يكون الشيخ عُمر وغيره من أهل الموصل مالوا لإقامة هذه الاحتفالات كأحد أشكال تأثرهم بالفاطميين، الذين أقاموا صلات مباشرة بحكام الموصل على مدار سنوات طويلة، في إطار مساعيهم لإسقاط دولة الخلافة العباسية في العراق.

وذكر كتاب "تاريخ الموصل" لسعيد الديوه جي، أن أبرز حكام الموصل الذين رحبوا بهذا التقارب، هم  أمراء الدولة العقيلية الشيعية مثل حسام الدولة المقلد العقيلي (386 هـ- 391 هـ) وولده معتمد الدولة قرواش، اللذين حافظا على علاقات جيدة مع خلفاء مصر حتى أن قرواش أعلن تبعيته للخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله في 401 هـ، وهي خطوة لم تدم كثيراً بعدما تراجع عنها سريعاً بسبب تهديدات الخليفة القادر العباسي له بالحرب.

ووفق كتاب "الإعلام بفتاوى أئمة الإسلام حول مولده عليه الصلاة والسلام" لمحمد بن علوي الحسني، فإن الشيخ عُمر بعدما بات أول مَن احتفى بالمولد النبوي في العراق اقتدى به صاحب أربيل الملك المظفر كوكبري بن زين الدين بن بكتكين الحليف المخلص لصلاح الدين الأيوبي سُلطان مصر.

أربيل: مهرجان ديني حاشد

عمل زين الدين والد الملك المظفر الدين كوكبري والياً على الموصل، فحقّق نجاحاً كبيراً حتى أنه عندما مات سنة 563 هـ كان عدد من المدن الكبرى في العراق خاضعاً لحُكمه مثل: أربيل، شهرزور، تكريت، سنجار، حرّان وغيرها.

بعدما توفي زين الدين ورث ابنه مظفر الدين كوكبري حُكم أربيل، ولكن لصِغر سنه تولّى شؤون الإمارة أحد مماليك والده الذي خلع كوكبري عن الحُكم ونصّب بدلاً منه أخوه، هنا استعان كوكبري بصلاح الدين الأيوبي الذي أعاده أميراً على أربيل في 586 هـ.

يحكي عبد الحق التركماني في كتابه "ابن دحية الكلبي وكتابه (التنوير في مولد السراج المنير والبشير النذير)": "أخذ كوكبري عن الشيخ عُمر هذه البدعة وطوّرها وتفنن في إقامتها وبذل أموالاً عظيمة في ذلك".

وأورد كتاب "إمارة أربل في العصر العباسي" للدكتور سامي الصقار، أن كوكبري بدءاً من سنة 604 هـ "أولى اهتماماً بإقامة مهرجان ضخم للاحتفال بمولد النبي يتضمن العديد من الفعاليات التي لفتت انتباه الكثيرين من مختلف أنحاء العالم".

ووصف إحياء المناسبة: "في شهر محرم من كل عام هجري يبدأ توافد عوام المسلمين من بغداد والجزيرة ونصيبين وغيرها من البلاد على أربيل، بالإضافة إلى جماعات من الفقهاء والصوفية والشعراء، ومع بداية شهر ربيع الأول يأمر كوكبري بنصب قباب من الخشب المُزين تُخصص كل منها لاستضافة عروض رجال الأغاني والخيالة وأصحاب الملاهي، وكان الناس يزدحمون حول خيامهم لمشاهدة عروضهم".

قبل الاحتفال بيومين كان منظمو المهرجان يطلقون مسيرة ضخمة تتكوّن من مئات الإبل والبقر والغنم التي تزفّها الطبول إلى ميدان كبير تُنحر فيه وتُطبخ ثم يوُزع لحمها على الحضور، كما ذكر الكتاب.

في اليوم الأول للمهرجان كان كوكبري يحضر الاحتفال بصحبة الأعيان والفقهاء وعوام الناس لمشاهدة عروضٍ عسكرية يقوم بها بعض جنود الجيش، بعدها تُقام موائد طعام ضخمة للحضور، 

وقدر حسام الدين قِزغلي (حفيد ابن الجوزي) في كتابه "مرآة الزمان في تواريخ الأعيان"، أن أسبطة الطعام كانت تضم "100 فرس مشوية منزوعة العظام، و5 آلاف رأس غنم و10 آلاف دجاجة و30 ألف صحن حلوى".

بعد الانتهاء من الطعام، كان كوكبري يكرّم عدداً من الأعيان والفقهاء وكبار الضيوف ويوزّع عليهم الأموال. ووفق تقديرات المؤرخين فإن هذه الاحتفالات الضخمة كانت تكلف ما يزيد عن 300 ألف دينار (عملة تلك الفترة).

كيف يحتفل المسلمون بالمولد النبوي في البلدان العربية؟
يعبّر المسلمون -في كل مكان- عن حبهم للنبي من خلال مجموعة من الطقوس والشعائر الفلكلورية الشعبية المتوارثة، والتي تتنوع وتتباين باختلاف الثقافة والمكان. نرصد في هذا التقرير أهم المظاهر الاحتفالية بالمولد النبوي في مجموعة من الدول العربية.

يقول الصقار "رغم ما اشتهرت به احتفالات الخلفاء الفاطميين بالمولد النبوي من بذخٍ شديد فإنها على فخامتها تُعدُّ متواضعة إذا ما قُورنت باحتفالات أربيل، إذ كانت الحفلات الفاطمية تقتصر على ليلة واحدة تُقدم فيها الحلوى والأطعمة ثم يرتّل القرآن وتُنشد القصائد في حضرة الخليفة الفاطمي، بعكس احتفالات أربيل التي كانت تستغرق عدة أيام".

هذا الاحتفاء المهيب استدعى إشادة شهاب الدين أبو شامة في كتابه "الباعث على إنكار البدع والحوادث"، حيث قال "من أحسن ما ابتدع في زماننا ما يُفعل في مدينة أربيل في اليوم الموافق ليوم ميلاد النبي من الصدقات وإظهار الزينة والسرور".

أحد أشهر حضور هذا "المهرجان النبوي" كان المؤرّخ عمر بن الحسن حفيد الصحابي دِحية الكلبي الذي شاهد الاحتفالات 625 هـ وألّف عنها كتاباً بعنوان "التنوير في مولد السراج المنير" قرأه بنفسه على حضرة الملك فأجازه وكافأه بألف دينار.

وفيه تحدّث عن شهادته على ليلة المولد في "إربل المحروسة" وعن لقائه بـ"أفضل الملوك والسلاطين"، حسبما ذكر دكتور أنس وكاك في بحثه "قبسٌ من (التنوير في مولد السراج المنير) للحافظ أبي الخطاب بن دحية الأندلسي".