أعلنت الحكومة العراقية الشروع في تنفيذ مشروع "الربط السككي" بين منفذ شلمجة (الشلامجة) الإيراني الحدودي ومدينة البصرة العراقية.
بعد سنوات من النقاش اتفق البلدان على بدء العمل بهذا المشروع في 2021، بعدها بدأت كل دولة على حدا في إجراء دراسات مستفيضة حول المشروع حتى تقرّر تنفيذه هذا العام.
شارك محمد السوداني رئيس الوزراء العراقي في احتفالية وضع حجر الأساس وعدّد فوائد المشروع الجمّة على بلاد الرافدين.
أهداف اقتصادية و"سياسية"
من المقرر أن يمتدَّ خط شلمجة - البصرة إلى مسافة 32 كيلومتراً، من المنتظر أن يتم الانتهاء منها خلال 18-24 شهراً بتكلفة 148 مليون دولار (215 مليار دينار عراقي تقريباً).
هذا الخط جزء من حلم كبير عبّر السوداني عن أمنيته في تحقيقه، ويتمثل في توفير شبكة نقل مريحة إلى كافة المناطق الدينية "المقدسة" في العراق، معرباً عن أمله في أن تمتدَّ خطوط القطارات إلى محافظتي النجف وكربلاء قريباً.
يهدف المشروع إلى تنشيط السياحة الدينية في العراق وامتصاص الزيادة الهائلة في أعداد الوافدين الإيرانيين إلى العراق، تحديداً لزيارة العتبات المقدسة والذين تقدّر أعدادهم بـ3-4 ملايين نسمة سنوياً، من المتوقع زيادتهم خلال الأعوام المقبلة إذا ما استمرت حالة الهدوء التي تسود المنطقة عبر سياسة التوافق الآخذة في التنامي بين إيران والسعودية.
وفقاً لإعلان الحكومة العراقية فإن النقل السككي سيُخصص فقط لنقل المسافرين، وبحسب تصريحات ناصر الأسدي مستشار رئيس الوزراء لشؤون النقل فإن التدفّق الكبير للسياح الإيرانيين يزيد من الضغط على شبكة الطرق ويؤدي إلى زحام شديد وحوادث مرورية، لذا فإن حكومة بلاده رأت أن الحل الأمثل هو خط سكة حديد يوفّر الأمان للجميع.
إلى جانب المنافع الاقتصادية تحضر في المشروع "فوائد سياسية" يعتقد كل طرف أنه سيحققها بعد إتمام الربط السككي، فأعلن باسم العوادي المتحدث بِاسم الحكومة العراقية أن هذا المشروع سيقضي على "عُزلة العراق"، وهو ما ألمح إليه السوداني خلال حفل وضع حجر أساس المشروع قائلاً إنه سيُعزز من "قُدرة العراق على التواصل مع دول الجوار واستقبال المسافرين من إيران وبلدان وسط آسيا من خلال القطارات".
أما من الناحية الإيرانية فإن هذا المشروع هو جزء من مخططات استراتيجية كبرى لتعميق التواصل بين إيران والعراق وسوريا وتشكيل شراكة فعّالة في المنطقة، وهو ما يتجلّى في بعض التصورات النهائية للمشروع والتي تفترض أنه سينتهي عند ميناء اللاذقية السوري. وبحسب المحلل السياسي حكم أمهز فإن طهران "تسعى لبناء ممرات اقتصادية بعيدة عن العقوبات الأمريكية التي تحرمها من التعامل المباشر مع الأسواق العالمية الرسمية".
استغلال العراق ليكون نافذة لإيران على أوروبا قد يثير تحفظاً أمريكياً، الأمر الذي سيُدخل البلاد في أزمات سياسية كبرى مع واشنطن بحسب محللين، وسط تحذيرات دولية من أن تستغل طهران خطوط النقل المباشرة تلك لنقل الأسلحة إلى "حزب الله" في لبنان.
ترحيب إيراني
رحّبت طهران بالبدء في تنفيذ المشروع وأوفدت محمد مخبر النائب الأول لرئيس الجمهورية الإسلامية لزيارة محافظة خوزستان من أجل تفقد المنافذ الحدودية والمشاركة في مراسم وضع حجر الأساس بصحبة السوداني.
على هامش هذا المشروع وصف مخبر هذا المشروع بـ"الحدث السعيد" الذي سيؤدي إلى "قفزة هائلة في التبادل التجاري بين البلدين".
منذ 2018 قامت طهران بجولات تفاوض عديدة مع الحكومات العراقية المتعاقبة من أجل تعجيل تنفيذ "الربط السككي"، أمر لم يتكلل بالنجاح إلا في عهد السوداني.
تمهيداً لهذا المشروع سارعت طهران إلى الانتهاء من إزالة الألغام عن 16 كيلومتراً يمرُّ بها المشروع من أراضيها وتبقت 16 كيلومتراً مثلها تقع داخل العراق سيتعيّن على بغداد تطهيرها على نفقتها قبل البدء في أعمال التنفيذ.
أغلب هذه الألغام من مخلفّات الحرب العراقية الإيرانية والتي شكّلت أحد العوائق الكبرى التي حالت دون إتمام المشروع لسنواتٍ طويلة.
أيضاً من المفترض أن تبني طهران جسراً بطول 900 متر فوق شط العرب الذي يفصل بين البلدين لتعبر قضبان السكك الحديدية من فوقه.
على جانبٍ آخر تتحمس طهران لتنفيذ مشروع آخر يعمّق صلاتها بالعراق وهو تحسين خطوط مواصلاتها المحلية حتى معبر خسروي الحدودي، والذي يقع على بُعد أقل من 20 كيلومتراً من مدينة خانقين العراقية في محافظة ديالي.
سبق لطهران أن دعمت فكرة مشابهة في أفغانستان بعدما موّلت خط سكك حديدية ربط مدينة "خواف" الإيرانية بمدينة غوريان الأفغانية عبر مسارٍ طوله 140 كيلومتراً، تحمّلت إيران تكاليف المشروع كاملةً وانتهت من بنائه في مطلع 2021 ليساهم في نقل 6 ملايين طن من البضائع ومليون مسافر سنوياً وفقاً لما هو مخطط.
هل يؤثر على "الفاو"؟
أحد الاعتراضات العراقية الكبرى التي لاحقت هذا المشروع هو أنه سيؤثّر سلباً على ميناء "الفاو" الكبير، حلم العراق القديم الذي أوشكت الحكومة على تحقيقه، ومن المنتظر افتتاح المرحلة الأولى منه في 2025، حتى أن الخبير الاقتصادي العراقي عمر الحلبوسي يعتقد أن تنفيذ هذا المشروع "حُكم إعدام" على ميناء الفاو قبل تنفيذه، وهي وجهة نظر يؤيّدها عامر عبدالجبار وزير النقل السابق.
من جانبه حذّر البرلماني السابق مثال الألوسي مؤسس حزب الأمة العراقي من تنفيذ هذا المشروع مؤكداً أنه سيؤدي إلى "قتل الاقتصاد" في البصرة وسيُستخدم في تهريب الأسلحة والمخدرات.
حرصت الحكومة العراقية على نفي هذه الادعاءات بشكلٍ قاطع، ووفقاً للأسدي فإن الربط السككي لن يؤثر مطلقاً على ميناء الفاو وإنما سيكون "سنداً" له ولطريق التنمية العراقي أيضاً، مؤكداً أن تفاصيل المشروع كلها تمت دراستها جيداً.
وحرصت بغداد في أكثر من مناسبة على تأكيد أن هذا المشروع لن يخصّص مطلقاً لنقل البضائع أو لأغراض التجارة، وإنما سيكتفي فقط بنقل المسافرين لضمان الا يؤثر أبداً على حركة خطوط التجارة الأخرى.
