FILE - In this March 10, 1984 file photo,  Iranian troops advance despite obstacles set by Iraqi forces in the Manjnoon Islands…
أحد تقارير الصليب الأحمر الدولي قال إن الصراع في هذه الحرب بلغ "درجة استثنائية من الوحشية"- أرشيفية

توصف الحرب العراقية الإيرانية من قبل المختصين بأنها ذات تأثير ممتد في حياة ملايين العراقيين ممن فقدوا أبناءهم أو أجزاء من أجسادهم وحتى عقولهم على طول الشريط الحدودي بين الجارتين. أحد تقارير الصليب الأحمر الدولي قال إن الصراع في هذه الحرب بلغ "درجة استثنائية من الوحشية".

حملت الحرب التي انطلقت رسمياً في 22 سبتمبر العام 1980 العديد من الأسماء، ففي العراق أطلق على تلك الحرب اسم "قادسية صدام" للتذكير بانتصار المسلمين في معركة القادسية في الفترة الأولى من التوسع الإسلامي الذي نتج عنه فتح المسلمين العرب لبلاد فارس. وعرفت في إيران باسم "الدفاع المقدس" في إشارة إلى حماية الثورة الإسلامية التي أطاحت بنظام الشاه في العام 1979.

أسماء عديدة أخرى أطلقت على هذه الحرب منها "حرب الخليج الأولى" و "حرب السنوات الثمانية" وأحيانا يتم إطلاق تسمية "الحرب العبثية" عليها كونها الحرب التي نشبت وانتهت دون تحقيق أي أهداف سياسية على أرض الواقع.

وبغض النظر عن المسميات فقد كلفت تلك الحرب خسائر بشرية هائلة وصلت إلى المليون قتيل من الطرفين، ولا تزال السيول تجرف رفات العشرات منهم سنوياً على طول الشريط الحدودي للبلدين، أضعاف هذا العدد سقطوا جرحى ومعوقين ومفقودين.

البحث عن مفقودين

فقد حسين الكعبي إثنان من أعمامه في العام الثالث من الحرب دون أي خبر عنهما. يقول لـ"ارفع صوتك" إن "جهود عائلتنا ما تزال مستمرة منذ إعلان وقف إطلاق النار وحتى يومنا هذا، ولن نيأس من محاولة العثور عليهما أحياء ليلتئم شملنا، أو أمواتاً لدفنهما وتكريمهما بشكل لائق".

ويصف رحلة الفقدان والبحث عنهما لأكثر من عقدين بأنها "متعبة نفسياً لجميع أفراد العائلة، وبشكل خاص جدتي التي كان وقع الحرب عليها مريراً، وهي تعتني بستة من الأيتام دون معرفة مصير أبويهم".

يتذكر الكعبي كيف كانت العائلة، تهرع مع كل وجبة أسرى يتم إطلاقها، لتعرض صور ابنيها المفقودين على الأسرى، لعل أيا منهم  يكون قد التقى بهما، و"مع كل إعلان من وزارة الدفاع بالعثور على رفات نكون أول الحاضرين. لكن، جميع تلك الجهود كانت دون جدوى حقيقة ".

ولا يختلف حال الكعبي عن حال جعفر ناظم ابن سوق الشيوخ (الناصرية) الذي فقد شقيقه الأكبر في العام الأول من الحرب ولا يزال يعيش على أمل العثور عليه حياً، دليله على ذلك، "سماع صوته على الراديو يعرف عن نفسه بعد عامين على اختفائه"، كما يقول لـ" ارفع صوتك".

وفي حين فقد كثير من العراقيين أحبتهم، "فقد آخرون أجزاء من أجسادهم"، كما يقول الجندي السابق حسن سبهان الذي فقد ذراعه في معركة نهر جاسم، وهي واحدة من أكثر المعارك شراسة خلال الحرب العراقية الإيرانية.

ويسرد متأثراً لـ"ارفع صوتك" ذكريات الموت والخراب التي عاشها: "كانت معركة لا يمكن تجاوز آثارها لا بالنسبة للأحياء ولا الأموات الذين لم تعد أغلب جثثهم إلى ذويهم، وبقيت ملقاة هناك في مزيج من اللحم البشري المخلوط بالطين والدم والأمعاء المتناثرة".

يتابع: "هناك فقدت ذراعي وانتهت الحرب بعدها بفترة قصيرة. ولكن المعركة ذاتها لا تزال مستمرة في كوابيسي حتى اليوم".

ضحايا الحرب المجهولون

تقول الباحثة الاجتماعية ابتسام الخفاجي لـ" ارفع صوتك" إن الحرب العراقية الإيرانية التي خلفت مئات آلاف القتلى والمفقودين، "خلفت أضعاف هذا الرقم من الضحايا المجهولين من الأرامل والأيتام والثكالى الذين أثرت الحرب بشكل مباشر على حياتهم".

تغيرت طبيعة المجتمع العراقي بحسب الخفاجي، بسبب الحرب، "وكانت البداية لعسكرة المجتمع وتعزيز سلطة الحزب الحاكم آنذاك، وجرت تصفيات كثيرة لمعارضين لم يتم احتسابهم حينها ضمن خسائر الحرب البشرية".

كان الوضع في العراق "مرعباً خلال تلك الفترة" تقول الخفاجي. وتوضح: "فرض على الشباب العراقي التجنيد الإلزامي فكان يتم سوق الجنود إلى الموت وهم بأعمار لا تتجاوز 18 ربيعاً، وأحياناً كان يتم التوجيه برسوب الطلاب في الامتحانات الثانوية عمداً بهدف زجهم في الحرب".

وكان الهارب والرافض للحرب، تتابع الخفاجي، "يتم سجنه وتعذيبه، وفي فترة من الحرب تمت معاقبة المتخلفين عن القتال بقطع الأذن، وعندما تشتعل جبهات القتال بهجوم عنيف من الجانب الإيراني كان يتم وضع فرق إعدام لتقتل على الفور الهاربين من ذلك الجحيم".

وبحسب الباحثة، حتى الآن "لم نجد دراسة شاملة عن الآثار الاجتماعية والنفسية التي تركتها تلك الحرب المرعبة في نفوس مئات آلاف الجنود العائدين من خنادق الموت او تأثيرها النفسي على عوائلهم. ولان العراق لم تنته مصائبه عند تلك الحرب فلا أعتقد انه ستكون هناك دراسة فعليه لهذا الجانب المخفي من الحرب".

تركة ثقيلة

ورث العراق من الحرب في ثمانينيات القرن الماضي كما يقول مصطفى حميد مدير إعلام دائرة الألغام بوزارة البيئة "تركة ثقيلة من الألغام التي لم نكن نمتلك عنها وعن مساحاتها وخرائطها رؤية واضحة. ولذلك أجرينا مسوحات بعد تغيير النظام العام 2003 وأحصينا مساحة التلوث بعموم العراق والتي بلغت أكثر من ستة آلاف كيلومتر مربع وحتى الآن تم تطهير 57 % من مساحة التلوث الإجمالية".

كان من المفترض أن يتخلص العراق من مصائد الموت التي ملات حقولاً كانت قبل اندلاع الحرب مناطق للرعي ولزراعة الحنطة والشعير بحلول العام 2018، "لكن ذلك لم يتحقق، وتعذر الالتزام بالسقف الزمني فطلبنا من المنظمات الأممية المتخصصة بالالغام تمديد العمل إلى العام 2028" كما يقول حميد.

ويعلل حميد تأخر العراق بالتزاماته في التخلص من الألغام بـ "التحديات الأمنية والاقتصادية التي واجهت العراق طوال السنوات الماضية، والتي أدت إلى تعثّر جهود إزالة الألغام وخصوصاً في مناطق جنوب العراق التي تعرضت الأراضي المحاذية لإيران فيها إلى تلوث كبير بالألغام".

وكان بياناً مشتركاً لبرنامج الأمم المتحدة من أجل التنمية (بنود) وصندوق الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) اعتبر أن العراقيين يعيشون "وسط أكبر تجمعات عالمية للألغام غير المنفجرة من مخلفات الحرب".

وقال البيان إن الألغام تتسبب "بجروح مدى الحياة وتعيق الوصول إلى أراض خصبه وتعيق حرية الحركة". وهي تمثل "خطراً كبيراً على الأطفال العراقيين". مبينا أن "ربع الضحايا الـ 565 من الألغام غير المنفجرة والذين تم إحصاؤهم عام 2006، تقل أعمارهم عن الـ 18 عاماً".

أما عدد الضحايا الإجمالي للمتضررين من الألغام في مختلف أنحاء العراق كما يقول حميد "تجاوز 30 ألف شخص، عدد كبير منهم من جنوب العراق".

وبحسب لجنة الصليب الأحمر العراقية فإن "البصرة تعتبر من أكثر مدن العالم تلوثاً بالأسلحة غير المنفجرة، حيث يبلغ معدل التلوث فيها 1200 كيلومتر مربع. وتشمل الألغام الأرضية والذخائر العنقودية وغيرها من مخلفات الحرب، ويعود تاريخ معظم حقول الألغام المعروفة إلى الحرب العراقية الإيرانية".

FILE - In this April 28, 1984 file photo, elementary school pupils, dressed in the standard white shirt school uniform of Iraq,…
كلفة الحرب الإيرانية-العراقية.. ملايين الأرواح ومئات مليارات الدولارات
رغم مرور عقودٍ على انتهاء الحرب الإيرانية العراقية فإن خسائرها الجسيمة لا تزال تلاحق البلدين والمنطقة حتى اليوم، وهي لم تقتصر على الخسائر البشرية والعسكرية فقط وإنما امتدّت إلى جوانب اقتصادية واجتماعية أيضاً.

خراب اقتصادي

ما يحصل اليوم من أزمات اقتصادية في العراق يمكن ربطه بشكل مباشر مع الخراب الاقتصادي الذي أصاب البلد خلال الحرب العراقية الإيرانية التي أسست للخلل الهيكلي الذي وصلنا إليه اليوم. كما تستنتج دراسة للباحث توفيق المراياتي وهو باحث اقتصادي في جامعة البصرة.

الدراسة التي حملت عنوان "الحروب وآثارها على تدهور الاقتصاد العراقي" تحدثت عن أولى كوارث الحرب التي تمثلت في تدمير منشآت تصدير النفط :"حيث شملت محطات التحميل والضخ والأنابيب، مما أدى إلى تقليص مستويات الإنتاج". حصل هذا بعد أن تمكن العراق من توسيع وارداته المالية من النفط في الخمسينيات وتحقيق إنجازات تنموية مهمة خلال العقدين التاليين.

الصدمة الثانية في الاقتصاد كان التحول المفاجئ في النفقات من خطط التنمية إلى الأغراض العسكرية حتى بلغ 12.9 مليار دولار في أول سنوات الحرب وهو ما يمثل 75 % من الدخل النفطي.

العجز الواضح ما بين الإنفاق والإيراد تم سده عبر الاقتراض من السعودية والكويت، وعن طريق قروض المجهزين والسحب من احتياطي العملات الأجنبية المتراكم، إضافة إلى توقف الصرف على خطط التنمية أو برامج الاستيراد أو الخدمات الاجتماعية.

طريقة سد العجز هذه أثرت بصورة سلبية على سعر صرف الدينار العراقي الذي وصل بنهاية الحرب إلى نحو أربعة دنانير لكل دولار، فيما كان يتجاوز الثلاث دولارات لكل دينار عراقي.

التجنيد الإلزامي للحرب وسحب الشباب العراقي أثّر هو الآخر بحسب الدراسة على توزيع القوى العاملة فبعد أن كانت القوات المسلحة تشكل 2.9 % من إجمالي القوى العاملة ارتفعت خلال الحرب إلى 21 % ووصل عدد المجندين إلى مليون شاب.

هذه الأعداد تركت آثاراً سلبية على النشاط الاقتصادي لأنها سحبت القوى العاملة من القطاعات الاقتصادية المختلفة كالزراعة والصناعة، وتم سند النقص عبر اجتذاب العمالة من الخارج وبالتالي استنزاف ميزان المدفوعات نتيجة تحويلات تعويضات العاملين إلى بلدانهم.

وبالنتيجة بلغت خسائر العراق كما تقول الدراسة 452 مليار دولار، ما يعادل عشرة أضعاف معدل الناتج المحلي الاجمالي أثناء فترة الحرب واضطر البلد إلى بدء فترة ما بعد الحرب بحال من الفقر والاحتياج.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

صورة تعبيرية لجامع النوري في الموصل شمال العراق
صورة تعبيرية لجامع النوري في الموصل شمال العراق

تحلُّ في منتصف الشهر الحالي ذكرى "المولد النبوي" الذي اعتبرته الحكومة العراقية إجازة رسمية لموافقته يوم 12 ربيع أول، وهو التاريخ الذي رجّحت المرويات التاريخية أنه شهد ميلاد الرسول محمد، استنادًا لمقولة ابن عباس "وُلد رسول الله عام الفيل، يوم الاثنين، الثاني عشر من شهر ربيع الأول".

بحسب الترتيب الزمني الذي أورده دكتور صلاح الدين بن محمد في دراسته "الإلزامات الواردة على بدعة الاحتفال بالمولد النبوي"، فإن أول من احتفل بالمولد النبوي هم الفاطميون سنة 362 هجرية بالقاهرة، وهي الاحتفالات التي استمرت في مصر حتى ألغاها أمير الجيوش الأفضل شاهنشاه بن بدر الجمالي وزير المستعلي بالله سنة 490 هـ.

بعد سنوات من هذا الإلغاء سيكون للعراق الفضل في إعادة إحيائها مُجدداً لتنتشر بعدها في أصقاع العالم الإسلامي حتى اليوم، فما قصتها؟

 

البداية من الموصل

عاد الاحتفال بالمولد النبوي للظهور مُجدداً على يدي الفقيه عُمر بن محمد الموصلي، الذي تمتّع بمكانة اجتماعية كبيرة في الموصل شمال العراق بسبب فقهه وزُهده، فحاز شهرة كبيرة في العالم الإسلامي حتى تُوفي سنة 570 هـ.

بحسب كتاب "الروضتين في أخبار الدولتين النورية والصلاحية" لأبي شامة المقدسي، فإن "زاوية الشيخ عمر" كانت محلاً لزيارة العلماء والفقهاء والملوك والأمراء. 

وامتلك الشيخ عُمر علاقة وطيدة بنور الدين زنكي صاحب حلب، إذ اعتاد الأخير مراسلة الشيخ عُمر لـ"استشارته في الأمور العِظام"،كما كان يزوره كل سنة في شهر رمضان لتناول الإفطار معه.

تعززت هذه المكانة حين خضعت الموصل لسُلطان نور الدين زينكي عام 566 هـ فأوصى وُلاته عليها بأن يستشيروا الشيخ عُمر في كل كبيرة وصغيرة، حتى نال لقب "المولى".

بحسب أبي شامة المقدسي فإن الشيخ عُمر هو الذي أشار على نور الدين بشراء قطعة أرض خراب في وسط الموصل وحوّلها إلى مسجد أنفق على بنائه أموالاً كثيرة، هو "جامع النوري" الذي لا يزال قائماً حتى اليوم.

لم يكن "جامع النوري" هو أكبر إنجازات الفقيه الموصلي إنما إعادة إحياء الاحتفال بـ"المولد النبي"، أيضاً. وبحسب كتاب "خدمات الأوقاف في الحضارة الإسلامية إلى نهاية القرن العاشر الهجري"، كان الشيخ عُمر كان يقيم في كل سنة داخل زاويته احتفالاً بميلاد الرسول محمد، يوجّه فيه الدعوة لحاكم الموصل وكبار رجال الدولة للحضور إلى الزاوية حيث تُقدّم لهم الأطعمة والمشروبات ويستمعون للشعراء الذين حضروا هذه الاحتفالية للتنافس على إنشاد قصائد المدح النبوي.

تزامن هذا الاحتفال مع الاهتمام الجماعي الذي أبداه أهل الموصل طيلة العهد الأتابكي بمناسبة "المولد النبوي"، فكانوا يعتادون تزيين الدور والأسواق ويتجمهرون في المساجد.

في كتاب "رسائل في حُكم الاحتفال بالمولد النبوي"، لم يستبعد مؤلّفوه أن يكون الشيخ عُمر وغيره من أهل الموصل مالوا لإقامة هذه الاحتفالات كأحد أشكال تأثرهم بالفاطميين، الذين أقاموا صلات مباشرة بحكام الموصل على مدار سنوات طويلة، في إطار مساعيهم لإسقاط دولة الخلافة العباسية في العراق.

وذكر كتاب "تاريخ الموصل" لسعيد الديوه جي، أن أبرز حكام الموصل الذين رحبوا بهذا التقارب، هم  أمراء الدولة العقيلية الشيعية مثل حسام الدولة المقلد العقيلي (386 هـ- 391 هـ) وولده معتمد الدولة قرواش، اللذين حافظا على علاقات جيدة مع خلفاء مصر حتى أن قرواش أعلن تبعيته للخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله في 401 هـ، وهي خطوة لم تدم كثيراً بعدما تراجع عنها سريعاً بسبب تهديدات الخليفة القادر العباسي له بالحرب.

ووفق كتاب "الإعلام بفتاوى أئمة الإسلام حول مولده عليه الصلاة والسلام" لمحمد بن علوي الحسني، فإن الشيخ عُمر بعدما بات أول مَن احتفى بالمولد النبوي في العراق اقتدى به صاحب أربيل الملك المظفر كوكبري بن زين الدين بن بكتكين الحليف المخلص لصلاح الدين الأيوبي سُلطان مصر.

أربيل: مهرجان ديني حاشد

عمل زين الدين والد الملك المظفر الدين كوكبري والياً على الموصل، فحقّق نجاحاً كبيراً حتى أنه عندما مات سنة 563 هـ كان عدد من المدن الكبرى في العراق خاضعاً لحُكمه مثل: أربيل، شهرزور، تكريت، سنجار، حرّان وغيرها.

بعدما توفي زين الدين ورث ابنه مظفر الدين كوكبري حُكم أربيل، ولكن لصِغر سنه تولّى شؤون الإمارة أحد مماليك والده الذي خلع كوكبري عن الحُكم ونصّب بدلاً منه أخوه، هنا استعان كوكبري بصلاح الدين الأيوبي الذي أعاده أميراً على أربيل في 586 هـ.

يحكي عبد الحق التركماني في كتابه "ابن دحية الكلبي وكتابه (التنوير في مولد السراج المنير والبشير النذير)": "أخذ كوكبري عن الشيخ عُمر هذه البدعة وطوّرها وتفنن في إقامتها وبذل أموالاً عظيمة في ذلك".

وأورد كتاب "إمارة أربل في العصر العباسي" للدكتور سامي الصقار، أن كوكبري بدءاً من سنة 604 هـ "أولى اهتماماً بإقامة مهرجان ضخم للاحتفال بمولد النبي يتضمن العديد من الفعاليات التي لفتت انتباه الكثيرين من مختلف أنحاء العالم".

ووصف إحياء المناسبة: "في شهر محرم من كل عام هجري يبدأ توافد عوام المسلمين من بغداد والجزيرة ونصيبين وغيرها من البلاد على أربيل، بالإضافة إلى جماعات من الفقهاء والصوفية والشعراء، ومع بداية شهر ربيع الأول يأمر كوكبري بنصب قباب من الخشب المُزين تُخصص كل منها لاستضافة عروض رجال الأغاني والخيالة وأصحاب الملاهي، وكان الناس يزدحمون حول خيامهم لمشاهدة عروضهم".

قبل الاحتفال بيومين كان منظمو المهرجان يطلقون مسيرة ضخمة تتكوّن من مئات الإبل والبقر والغنم التي تزفّها الطبول إلى ميدان كبير تُنحر فيه وتُطبخ ثم يوُزع لحمها على الحضور، كما ذكر الكتاب.

في اليوم الأول للمهرجان كان كوكبري يحضر الاحتفال بصحبة الأعيان والفقهاء وعوام الناس لمشاهدة عروضٍ عسكرية يقوم بها بعض جنود الجيش، بعدها تُقام موائد طعام ضخمة للحضور، 

وقدر حسام الدين قِزغلي (حفيد ابن الجوزي) في كتابه "مرآة الزمان في تواريخ الأعيان"، أن أسبطة الطعام كانت تضم "100 فرس مشوية منزوعة العظام، و5 آلاف رأس غنم و10 آلاف دجاجة و30 ألف صحن حلوى".

بعد الانتهاء من الطعام، كان كوكبري يكرّم عدداً من الأعيان والفقهاء وكبار الضيوف ويوزّع عليهم الأموال. ووفق تقديرات المؤرخين فإن هذه الاحتفالات الضخمة كانت تكلف ما يزيد عن 300 ألف دينار (عملة تلك الفترة).

كيف يحتفل المسلمون بالمولد النبوي في البلدان العربية؟
يعبّر المسلمون -في كل مكان- عن حبهم للنبي من خلال مجموعة من الطقوس والشعائر الفلكلورية الشعبية المتوارثة، والتي تتنوع وتتباين باختلاف الثقافة والمكان. نرصد في هذا التقرير أهم المظاهر الاحتفالية بالمولد النبوي في مجموعة من الدول العربية.

يقول الصقار "رغم ما اشتهرت به احتفالات الخلفاء الفاطميين بالمولد النبوي من بذخٍ شديد فإنها على فخامتها تُعدُّ متواضعة إذا ما قُورنت باحتفالات أربيل، إذ كانت الحفلات الفاطمية تقتصر على ليلة واحدة تُقدم فيها الحلوى والأطعمة ثم يرتّل القرآن وتُنشد القصائد في حضرة الخليفة الفاطمي، بعكس احتفالات أربيل التي كانت تستغرق عدة أيام".

هذا الاحتفاء المهيب استدعى إشادة شهاب الدين أبو شامة في كتابه "الباعث على إنكار البدع والحوادث"، حيث قال "من أحسن ما ابتدع في زماننا ما يُفعل في مدينة أربيل في اليوم الموافق ليوم ميلاد النبي من الصدقات وإظهار الزينة والسرور".

أحد أشهر حضور هذا "المهرجان النبوي" كان المؤرّخ عمر بن الحسن حفيد الصحابي دِحية الكلبي الذي شاهد الاحتفالات 625 هـ وألّف عنها كتاباً بعنوان "التنوير في مولد السراج المنير" قرأه بنفسه على حضرة الملك فأجازه وكافأه بألف دينار.

وفيه تحدّث عن شهادته على ليلة المولد في "إربل المحروسة" وعن لقائه بـ"أفضل الملوك والسلاطين"، حسبما ذكر دكتور أنس وكاك في بحثه "قبسٌ من (التنوير في مولد السراج المنير) للحافظ أبي الخطاب بن دحية الأندلسي".