في مطلع هذا العام عثر العراق على رفات 12 جثة قتل أصحابها خلال حرب الخليج الأولى منهم 4 عراقيين والباقون إيرانيين.
رغم مرور عقودٍ على انتهاء الحرب العراقية- الإيرانية إلا أن خسائرها الجسيمة لا تزال تلاحق البلدين والمنطقة حتى اليوم، وهي لم تقتصر على الخسائر الحربية فقط وإنما امتدّت إلى جوانب اقتصادية واجتماعية أيضاً.
نزيف الاقتصاد العراقي
كانت الحرب سبباً مباشراً في اضطراب أسواق النفط العالمية بسبب الاستهداف المستمر لآبار البترول في كلا البلدين ما أدّى إلى تأثيرات وخيمة على البلدين المتحاربين وعلى الدول النفطية المجاورة.
في 1986 نشر الاستاذ في الاقتصاد عباس النصراوي دراسة بعنوان "الخسائر الاقتصادية للحرب العراقية الإيرانية" أكد فيها التراجع الرهيب في إنتاج كلا الدولتين من النفط فالعراق الذي كان يُنتج 3.4 مليون برميل يومياً في أغسطس 1980 لم يعد يُنتج إلا 140 ألف برميل في أكتوبر من العام نفسه، وخلال الفترة نفسها تراجع إنتاج إيران من 1.3 مليون برميل إلى 450 ألفاً!
هذا التراجع مثّل مشكلة ضخمة لكلا البلدين اللذين يعتمدان على النفط كمصدرٍ رئيسي للدخل؛ في العراق بلغت عائدات النفط 10.4 مليار دولار في 1981 بعدما كانت قد وصلت إلى مستوى مرتفع قدره 39.7 مليار دولار قبل الحرب، أما إيران فلقد بلغت خسائرها النفطية في الفترة نفسها قرابة 4.2 مليار دولار.
بالإضافة إلى هذه الخسارة المباشرة فإن الحرب خلّفت أعباءً اقتصادية أخرى بعدما أُغلقت جميع الموانئ العراقية المطلّة على منطقة الصراع فعجز العراق عن تصدير أو استيراد البضائع التي تحتاجها الأسواق المحلية واستُبدلت الموانئ البحرية بطرق برية أكثر أماناً وأكثر كلفة زادت من ارتفاع الأسعار.
تلبيةً لاحتياجات الحرب انخفض مخزون احتياطي العملات الأجنبية في العراق فلجأ إلى الاقتراض من جيرانه الخليجيين وفي 1983 بلغت قيمة القروض 35 مليار دولار ومع نهاية الحرب تجاوزت 80 ملياراً، لاحقاً كانت هذه القروض أحد الأسباب الرئيسية في إقدام صدام حسين على غزو الكويت.
وبحسب النصراوي فإن العراق عانَى أيضاً من أزمة كبيرة وهي اضطراره إلى زيادة أعداد قواته المسلحة بشكلٍ كبير من 150 ألف شخص في 1978 إلى 450 ألفاً في 1982. ومع زيادة حجم الجنود زاد أيضاً عدد العمال غير المجندين الذين يوفرون خدمات الإدارة والصيانة للقوات المسلحة حتى بلغ عديد الجيش العراقي في ذروة قوته 1.2 مليون جندي في بلدٍ كان تعداده آنذاك 18 مليون نسمة.
هكذا تحوّلت الزيادة المضطردة في عديد الجيش العراقي إلى عبء كبير حرم المجتمع من قدرة إنتاجية ضخمة جرى تعويضها عبر التوسع في زيادة عدد النساء العاملات واستيراد العمال من الخارج، ومن مصر خاصةً، والتي زاد عدد مواطنيها العاملين في العراق عن مليوني فرد في بداية الثمانينيات.
كذلك ألقت الحرب بظلالها القاتمة على الزراعة العراقية فانخفض إنتاج القمح من 1.8 مليون طن سنوياً كمتوسط للإنتاج طيلة الأعوام من 1974 وحتى 1976 وأصبح 965 ألف طن في 1982 حتى بلغ 300 ألف طن فقط في العام 1984، السيناريو نفسه انطبق على الأرز الذي انخفض إنتاجه من 163 ألف طن إلى 95 ألفاً.
في 1982 قررت دمشق غلق أنابيب النفط التي تمرُّ عبر أراضيها متسببة بخسارة عوائد 400 ألف برميل كانت تصدّرها عبر الأراضي السورية، ولم يبق أمام العراق سوى منفذ واحد للتصدير عبر تركيا بقدرة 750 ألف برميل يومياً، أي حوالي رُبع قدرته التصديرية قبل الحرب.
هذه التغييرات العميقة أجبرت العراق على اتباع سياسة الانكماش الاقتصادي بدءاً من 1982 عبر عدم تنفيذ أي مشاريع جديدة -إلا لضرورات عسكرية واجتماعية بالغة- والاكتفاء باستكمال المشاريع الموجودة.
أيضاً قرّر العراق التوقف عن تمويل مشاريعه التنموية في أنحاء العالم الثالث والتشديد على حركة الاستيراد لمنع خروج النقد الأجنبي من البلاد إلا للضرورات القصوى.
وفيما يخصُّ الإنفاق العسكري للعراق فقد زاد من 14.2% من الناتج القومي عام 1979 ليصل إلى 40.6% في 1982.
في نهاية الحرب خسر العراق ما يقرب من 250 ألف قتيل و340 ألف جريح و50 ألف أسير.
ووفقاً لتقديرات النصراوي فإن العراق أنفق على الحرب قرابة 94 مليار دولار، وهو رقم لا يشمل خسائر قطاع النفط ولا المنشآت التي تدمّرت جراء الحرب ولا ديون العراق لدول الخليج التي تراوحت بين 80 و100 مليار دولار استُخدمت في تمويل صفقات شراء الأسلحة من الغرب.
بعد انتهاء الحرب لم يوجّه العراق جميع موارده لإعادة الإعمار وإنما أنفق صدام مئات الملايين من الدولارات لبناء نُصب تذكارية لـ"انتصاره المزعوم" على إيران، منها النصب التذكاري للشهيد في بغداد والذي أُنفق عليه قرابة 200 مليون دولار، بحسب بعض المصادر.
إيران: خسائر بالجملة
أثبت الاقتصاد الإيراني مرونة أكبر من الاقتصاد العرقي في مواجهة الحرب. صحيح أنه تأثر بانخفاض عوائد النفط في بداية الحرب من 13.5 مليار دولار في 1980 إلى 9.3 مليار دولار في العام التالي، إلا أن طهران سرعان ما نجحت في زيادة عوائدها النفطية حتى بلغت 18.7 مليار دولار في 1983.
أيضاً فإن إنتاج الحبوب الرئيسية كالأرز والشعير والحنطة زاد عن معدلاته قبل الحرب.
هذا التماسك الاقتصادي "النسبي" لم يتبعه تماسك اجتماعي إذ تعرضت العديد من المنشآت الإيرانية الحيوية للدمار إثر القصف المتبادل، كما اضطرت طهران لشراء أسلحة بأغلى من أسعارها في السوق بسبب العقوبات الغربية المفروضة ضدها، ووفقاً لتقديرات اقتصادية فإن كل مواطن إيراني خسر أكثر من 34 ألف دولار من ثروته خلال فترة الحرب.
وبحسب دراسة النصراوي فإن الحرب كلّفت إيران 220 مليار دولار خلال سنواتها الخمس الأولى فقط، ووفقاً لدراسة "تأثير الحرب العراقية- الإيرانية على أطفال إيران"، لنسرين مصفح أستاذة العلاقات الدولية في جامعة طهران فإن المعارك أسفرت عن مقتل ما لايقل عن 150 ألف مقاتل إيراني وأكثر من 16 ألف مدني وأكثر من 500 ألف جريح.
ووفقاً لمصفح فإن هذه الحرب خلّفت جرحاً غائراً في نفسية أطفال إيران بعدما جرى تجنيد عدد كبير منهم لمقاومة القوات العراقية خلال اقترابها من بلداتهم. خلال الحرب تطوّر القتال بين البلدين إلى قصفٍ عنيف طال أهدافاً مدينة كالمراكز السكنية والتجارية عُرفت تاريخياً بـ"حرب المُدن".
خلال "حرب المُدن" تلك سقط 4600 مدني إيراني وجُرح 2200 أغلبهم كانوا من الأطفال خلال عام 1984 وحده. مثل هذه الخسائر تكررت كثيراً في هجماتٍ طالت مُدناً مثل كرمانشاه ولورستان ودزفول وغيرها. مدينة كرامنشاه كانت شاهدة على مأساة كبرى بعدما هُوجمت بالأسلحة الكيماوية خلال تجمّع أغلب سكانها للاحتفال بمناسبة دينية ففقدت القرية 30% من سكانها منهم الطفل سعد الله عظيمي الذي نجا من الموت لكنه فقد جميع أصدقائه وأفراد عائلته.
بالطبع لم تكن هذه هي المأساة الوحيدة التي شهدتها الحرب، وإنما تكرّرت تلك السيناريوهات السوداء كثيراً مثلما جرى في 1980 حينما تعرضت مدرسة في بهبهان (تقع داخل محافظة خوزستان) إلى قصفٍ جوي تسبّب في مقتل 69 طالباً وإصابة 130 آخرين وتدمير المبنى بالكامل.
وبحسب مصفح فإن الأطفال الناجين من الحرب لم ينجوا تماماً إذ تأثرت الصحة العقلية للملايين منهم بعدما حُرموا من تلقي تعليمٍ مناسب والتمتّع بطفولتهم وشاعت بينهم الإصابة باضطرابات ما بعد الصدمة أحد أكثر عواقب الحرب شيوعاً، كما فقد عدد ضخم منهم آباءهم في الحرب التي خلّفت ما يقرب من 144 ألف طفل إيراني يتيم، بحسب بعض التقديرات.
التأثيرات على دول الجوار
تسبّبت الحرب في تعطيل كثيرٍ من المنشآت النفطية في العراق وإيران، وجاء ذلك في مصلحة السعودية التي زادت من إنتاجها البترولي لتعويض أي فراغ قد يقع في الإنتاج العالمي من براميل النفط، وفي 1978 كانت حصة السعودية 40% من النفط المُنتّج في الشرق الأوسط زادت إلى 62% في 1981.
أعرب العراق عن امتعاضه من هذه السياسة على وزير النفط آنذاك الذي اتهم السعودية باتباع "سياسة انتحارية" عبر التسبب في إحداث "تخمة نفطية مخططة لإطالة حرب الخليج وإنهاك العراق، ولولاها لكانت حرب الخليج قد توقفت".
إحدى تجليات الحرب كان الاستهداف المباشر لناقلات النفط التابعة لكلا الدولتين وهو ما تطوّر لاحقاً لتدمير ناقلات النفط المملوكة للدول التي اعتقدت كلاًّ من إيران والعراق أنهما تناصبهما العداء خلال هذه الحرب، الأمر الذي اضطر الولايات المتحدة الأميركية للتدخل وإضفاء حمايتها على سفن البترول المحايدة وكانت بداية لأول انتشار عسكري أمريكي كبير في المنطقة.