FILE - In this April 28, 1984 file photo, elementary school pupils, dressed in the standard white shirt school uniform of Iraq,…
الأطفال الناجون من الحرب لم ينجوا تماماً إذ تأثرت الصحة العقلية للملايين منهم - أرشيفية

في مطلع هذا العام عثر العراق على رفات 12 جثة قتل أصحابها خلال حرب الخليج الأولى منهم 4 عراقيين والباقون إيرانيين.

رغم مرور عقودٍ على انتهاء الحرب العراقية- الإيرانية إلا أن خسائرها الجسيمة لا تزال تلاحق البلدين والمنطقة حتى اليوم، وهي لم تقتصر على الخسائر الحربية فقط وإنما امتدّت إلى جوانب اقتصادية واجتماعية أيضاً.

نزيف الاقتصاد العراقي

كانت الحرب سبباً مباشراً في اضطراب أسواق النفط العالمية بسبب الاستهداف المستمر لآبار البترول في كلا البلدين ما أدّى إلى تأثيرات وخيمة على البلدين المتحاربين وعلى الدول النفطية المجاورة.

في 1986 نشر الاستاذ في الاقتصاد عباس النصراوي دراسة بعنوان "الخسائر الاقتصادية للحرب العراقية الإيرانية" أكد فيها التراجع الرهيب في إنتاج كلا الدولتين من النفط فالعراق الذي كان يُنتج 3.4 مليون برميل يومياً في أغسطس 1980 لم يعد يُنتج إلا 140 ألف برميل في أكتوبر من العام نفسه، وخلال الفترة نفسها تراجع إنتاج إيران من 1.3 مليون برميل إلى 450 ألفاً!

هذا التراجع مثّل مشكلة ضخمة لكلا البلدين اللذين يعتمدان على النفط كمصدرٍ رئيسي للدخل؛ في العراق بلغت عائدات النفط 10.4 مليار دولار في 1981 بعدما كانت قد وصلت إلى مستوى مرتفع قدره 39.7 مليار دولار قبل الحرب، أما إيران فلقد بلغت خسائرها النفطية في الفترة نفسها قرابة 4.2 مليار دولار.

بالإضافة إلى هذه الخسارة المباشرة فإن الحرب خلّفت أعباءً اقتصادية أخرى بعدما أُغلقت جميع الموانئ العراقية المطلّة على منطقة الصراع فعجز العراق عن تصدير أو استيراد البضائع التي تحتاجها الأسواق المحلية واستُبدلت الموانئ البحرية بطرق برية أكثر أماناً وأكثر كلفة زادت من ارتفاع الأسعار.

تلبيةً لاحتياجات الحرب انخفض مخزون احتياطي العملات الأجنبية في العراق فلجأ إلى الاقتراض من جيرانه الخليجيين وفي 1983 بلغت قيمة القروض 35 مليار دولار ومع نهاية الحرب تجاوزت 80 ملياراً، لاحقاً كانت هذه القروض أحد الأسباب الرئيسية في إقدام صدام حسين على غزو الكويت.

وبحسب النصراوي فإن العراق عانَى أيضاً من أزمة كبيرة وهي اضطراره إلى زيادة أعداد قواته المسلحة بشكلٍ كبير من 150 ألف شخص في 1978 إلى 450 ألفاً في 1982. ومع زيادة حجم الجنود زاد أيضاً عدد العمال غير المجندين الذين يوفرون خدمات الإدارة والصيانة للقوات المسلحة حتى بلغ عديد الجيش العراقي في ذروة قوته 1.2 مليون جندي في بلدٍ كان تعداده آنذاك 18 مليون نسمة.

هكذا تحوّلت الزيادة المضطردة في عديد الجيش العراقي إلى عبء كبير حرم المجتمع من قدرة إنتاجية ضخمة جرى تعويضها عبر التوسع في زيادة عدد النساء العاملات واستيراد العمال من الخارج، ومن مصر خاصةً، والتي زاد عدد مواطنيها العاملين في العراق عن مليوني فرد في بداية الثمانينيات.

كذلك ألقت الحرب بظلالها القاتمة على الزراعة العراقية فانخفض إنتاج القمح من 1.8 مليون طن سنوياً كمتوسط للإنتاج طيلة الأعوام من 1974 وحتى 1976 وأصبح 965 ألف طن في 1982 حتى بلغ 300 ألف طن فقط في العام 1984، السيناريو نفسه انطبق على الأرز الذي انخفض إنتاجه من 163 ألف طن إلى 95 ألفاً.  

في 1982 قررت دمشق غلق أنابيب النفط التي تمرُّ عبر أراضيها متسببة بخسارة عوائد 400 ألف برميل كانت تصدّرها عبر الأراضي السورية، ولم يبق أمام العراق سوى منفذ واحد للتصدير عبر تركيا بقدرة 750 ألف برميل يومياً، أي حوالي رُبع قدرته التصديرية قبل الحرب.

هذه التغييرات العميقة أجبرت العراق على اتباع سياسة الانكماش الاقتصادي بدءاً من 1982 عبر عدم تنفيذ أي مشاريع جديدة -إلا لضرورات عسكرية واجتماعية بالغة- والاكتفاء باستكمال المشاريع الموجودة.

أيضاً قرّر العراق التوقف عن تمويل مشاريعه التنموية في أنحاء العالم الثالث والتشديد على حركة الاستيراد لمنع خروج النقد الأجنبي من البلاد إلا للضرورات القصوى.

وفيما يخصُّ الإنفاق العسكري للعراق فقد زاد من 14.2% من الناتج القومي عام 1979 ليصل إلى 40.6% في 1982.

في نهاية الحرب خسر العراق ما يقرب من 250 ألف قتيل و340 ألف جريح و50 ألف أسير.

ووفقاً لتقديرات النصراوي فإن العراق أنفق على الحرب قرابة 94 مليار دولار، وهو رقم لا يشمل خسائر قطاع النفط ولا المنشآت التي تدمّرت جراء الحرب ولا ديون العراق لدول الخليج التي تراوحت بين 80 و100 مليار دولار استُخدمت في تمويل صفقات شراء الأسلحة من الغرب.

بعد انتهاء الحرب لم يوجّه العراق جميع موارده لإعادة الإعمار وإنما أنفق صدام مئات الملايين من الدولارات لبناء نُصب تذكارية لـ"انتصاره المزعوم" على إيران، منها النصب التذكاري للشهيد في بغداد والذي أُنفق عليه قرابة 200 مليون دولار، بحسب بعض المصادر.

إيران: خسائر بالجملة

أثبت الاقتصاد الإيراني مرونة أكبر من الاقتصاد العرقي في مواجهة الحرب. صحيح أنه تأثر بانخفاض عوائد النفط في بداية الحرب من 13.5 مليار دولار في 1980 إلى 9.3 مليار دولار في العام التالي، إلا أن طهران سرعان ما نجحت في زيادة عوائدها النفطية حتى بلغت 18.7 مليار دولار في 1983.

أيضاً فإن إنتاج الحبوب الرئيسية كالأرز والشعير والحنطة زاد عن معدلاته قبل الحرب.

هذا التماسك الاقتصادي "النسبي" لم يتبعه تماسك اجتماعي إذ تعرضت العديد من المنشآت الإيرانية الحيوية للدمار إثر القصف المتبادل، كما اضطرت طهران لشراء أسلحة بأغلى من أسعارها في السوق بسبب العقوبات الغربية المفروضة ضدها، ووفقاً لتقديرات اقتصادية فإن كل مواطن إيراني خسر أكثر من 34 ألف دولار من ثروته خلال فترة الحرب.

وبحسب دراسة النصراوي فإن الحرب كلّفت إيران 220 مليار دولار خلال سنواتها الخمس الأولى فقط، ووفقاً لدراسة "تأثير الحرب العراقية- الإيرانية على أطفال إيران"، لنسرين مصفح أستاذة العلاقات الدولية في جامعة طهران فإن المعارك أسفرت عن مقتل ما لايقل عن 150 ألف مقاتل إيراني وأكثر من 16 ألف مدني وأكثر من 500 ألف جريح.

ووفقاً لمصفح فإن هذه الحرب خلّفت جرحاً غائراً في نفسية أطفال إيران بعدما جرى تجنيد عدد كبير منهم لمقاومة القوات العراقية خلال اقترابها من بلداتهم. خلال الحرب تطوّر القتال بين البلدين إلى قصفٍ عنيف طال أهدافاً مدينة كالمراكز السكنية والتجارية عُرفت تاريخياً بـ"حرب المُدن".

خلال "حرب المُدن" تلك سقط 4600 مدني إيراني وجُرح 2200 أغلبهم كانوا من الأطفال خلال عام 1984 وحده. مثل هذه الخسائر تكررت كثيراً في هجماتٍ طالت مُدناً مثل كرمانشاه ولورستان ودزفول وغيرها. مدينة كرامنشاه كانت شاهدة على مأساة كبرى بعدما هُوجمت بالأسلحة الكيماوية خلال تجمّع أغلب سكانها للاحتفال بمناسبة دينية ففقدت القرية 30% من سكانها منهم الطفل سعد الله عظيمي الذي نجا من الموت لكنه فقد جميع أصدقائه وأفراد عائلته.

بالطبع لم تكن هذه هي المأساة الوحيدة التي شهدتها الحرب، وإنما تكرّرت تلك السيناريوهات السوداء كثيراً مثلما جرى في 1980 حينما تعرضت مدرسة في بهبهان (تقع داخل محافظة خوزستان) إلى قصفٍ جوي تسبّب في مقتل 69 طالباً وإصابة 130 آخرين وتدمير المبنى بالكامل.

وبحسب مصفح فإن الأطفال الناجين من الحرب لم ينجوا تماماً إذ تأثرت الصحة العقلية للملايين منهم بعدما حُرموا من تلقي تعليمٍ مناسب والتمتّع بطفولتهم وشاعت بينهم الإصابة باضطرابات ما بعد الصدمة أحد أكثر عواقب الحرب شيوعاً، كما فقد عدد ضخم منهم آباءهم في الحرب التي خلّفت ما يقرب من 144 ألف طفل إيراني يتيم، بحسب بعض التقديرات.

التأثيرات على دول الجوار

تسبّبت الحرب في تعطيل كثيرٍ من المنشآت النفطية في العراق وإيران، وجاء ذلك في مصلحة السعودية التي زادت من إنتاجها البترولي لتعويض أي فراغ قد يقع في الإنتاج العالمي من براميل النفط، وفي 1978 كانت حصة السعودية 40% من النفط المُنتّج في الشرق الأوسط زادت إلى 62% في 1981.

أعرب العراق عن امتعاضه من هذه السياسة على وزير النفط آنذاك الذي اتهم السعودية باتباع "سياسة انتحارية" عبر التسبب في إحداث "تخمة نفطية مخططة لإطالة حرب الخليج وإنهاك العراق، ولولاها لكانت حرب الخليج قد توقفت".

إحدى تجليات الحرب كان الاستهداف المباشر لناقلات النفط التابعة لكلا الدولتين وهو ما تطوّر لاحقاً لتدمير ناقلات النفط المملوكة للدول التي اعتقدت كلاًّ من إيران والعراق أنهما تناصبهما العداء خلال هذه الحرب، الأمر الذي اضطر الولايات المتحدة الأميركية للتدخل وإضفاء حمايتها على سفن البترول المحايدة وكانت بداية لأول انتشار عسكري أمريكي كبير في المنطقة.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

صورة تعبيرية لجامع النوري في الموصل شمال العراق
صورة تعبيرية لجامع النوري في الموصل شمال العراق

تحلُّ في منتصف الشهر الحالي ذكرى "المولد النبوي" الذي اعتبرته الحكومة العراقية إجازة رسمية لموافقته يوم 12 ربيع أول، وهو التاريخ الذي رجّحت المرويات التاريخية أنه شهد ميلاد الرسول محمد، استنادًا لمقولة ابن عباس "وُلد رسول الله عام الفيل، يوم الاثنين، الثاني عشر من شهر ربيع الأول".

بحسب الترتيب الزمني الذي أورده دكتور صلاح الدين بن محمد في دراسته "الإلزامات الواردة على بدعة الاحتفال بالمولد النبوي"، فإن أول من احتفل بالمولد النبوي هم الفاطميون سنة 362 هجرية بالقاهرة، وهي الاحتفالات التي استمرت في مصر حتى ألغاها أمير الجيوش الأفضل شاهنشاه بن بدر الجمالي وزير المستعلي بالله سنة 490 هـ.

بعد سنوات من هذا الإلغاء سيكون للعراق الفضل في إعادة إحيائها مُجدداً لتنتشر بعدها في أصقاع العالم الإسلامي حتى اليوم، فما قصتها؟

 

البداية من الموصل

عاد الاحتفال بالمولد النبوي للظهور مُجدداً على يدي الفقيه عُمر بن محمد الموصلي، الذي تمتّع بمكانة اجتماعية كبيرة في الموصل شمال العراق بسبب فقهه وزُهده، فحاز شهرة كبيرة في العالم الإسلامي حتى تُوفي سنة 570 هـ.

بحسب كتاب "الروضتين في أخبار الدولتين النورية والصلاحية" لأبي شامة المقدسي، فإن "زاوية الشيخ عمر" كانت محلاً لزيارة العلماء والفقهاء والملوك والأمراء. 

وامتلك الشيخ عُمر علاقة وطيدة بنور الدين زنكي صاحب حلب، إذ اعتاد الأخير مراسلة الشيخ عُمر لـ"استشارته في الأمور العِظام"،كما كان يزوره كل سنة في شهر رمضان لتناول الإفطار معه.

تعززت هذه المكانة حين خضعت الموصل لسُلطان نور الدين زينكي عام 566 هـ فأوصى وُلاته عليها بأن يستشيروا الشيخ عُمر في كل كبيرة وصغيرة، حتى نال لقب "المولى".

بحسب أبي شامة المقدسي فإن الشيخ عُمر هو الذي أشار على نور الدين بشراء قطعة أرض خراب في وسط الموصل وحوّلها إلى مسجد أنفق على بنائه أموالاً كثيرة، هو "جامع النوري" الذي لا يزال قائماً حتى اليوم.

لم يكن "جامع النوري" هو أكبر إنجازات الفقيه الموصلي إنما إعادة إحياء الاحتفال بـ"المولد النبي"، أيضاً. وبحسب كتاب "خدمات الأوقاف في الحضارة الإسلامية إلى نهاية القرن العاشر الهجري"، كان الشيخ عُمر كان يقيم في كل سنة داخل زاويته احتفالاً بميلاد الرسول محمد، يوجّه فيه الدعوة لحاكم الموصل وكبار رجال الدولة للحضور إلى الزاوية حيث تُقدّم لهم الأطعمة والمشروبات ويستمعون للشعراء الذين حضروا هذه الاحتفالية للتنافس على إنشاد قصائد المدح النبوي.

تزامن هذا الاحتفال مع الاهتمام الجماعي الذي أبداه أهل الموصل طيلة العهد الأتابكي بمناسبة "المولد النبوي"، فكانوا يعتادون تزيين الدور والأسواق ويتجمهرون في المساجد.

في كتاب "رسائل في حُكم الاحتفال بالمولد النبوي"، لم يستبعد مؤلّفوه أن يكون الشيخ عُمر وغيره من أهل الموصل مالوا لإقامة هذه الاحتفالات كأحد أشكال تأثرهم بالفاطميين، الذين أقاموا صلات مباشرة بحكام الموصل على مدار سنوات طويلة، في إطار مساعيهم لإسقاط دولة الخلافة العباسية في العراق.

وذكر كتاب "تاريخ الموصل" لسعيد الديوه جي، أن أبرز حكام الموصل الذين رحبوا بهذا التقارب، هم  أمراء الدولة العقيلية الشيعية مثل حسام الدولة المقلد العقيلي (386 هـ- 391 هـ) وولده معتمد الدولة قرواش، اللذين حافظا على علاقات جيدة مع خلفاء مصر حتى أن قرواش أعلن تبعيته للخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله في 401 هـ، وهي خطوة لم تدم كثيراً بعدما تراجع عنها سريعاً بسبب تهديدات الخليفة القادر العباسي له بالحرب.

ووفق كتاب "الإعلام بفتاوى أئمة الإسلام حول مولده عليه الصلاة والسلام" لمحمد بن علوي الحسني، فإن الشيخ عُمر بعدما بات أول مَن احتفى بالمولد النبوي في العراق اقتدى به صاحب أربيل الملك المظفر كوكبري بن زين الدين بن بكتكين الحليف المخلص لصلاح الدين الأيوبي سُلطان مصر.

أربيل: مهرجان ديني حاشد

عمل زين الدين والد الملك المظفر الدين كوكبري والياً على الموصل، فحقّق نجاحاً كبيراً حتى أنه عندما مات سنة 563 هـ كان عدد من المدن الكبرى في العراق خاضعاً لحُكمه مثل: أربيل، شهرزور، تكريت، سنجار، حرّان وغيرها.

بعدما توفي زين الدين ورث ابنه مظفر الدين كوكبري حُكم أربيل، ولكن لصِغر سنه تولّى شؤون الإمارة أحد مماليك والده الذي خلع كوكبري عن الحُكم ونصّب بدلاً منه أخوه، هنا استعان كوكبري بصلاح الدين الأيوبي الذي أعاده أميراً على أربيل في 586 هـ.

يحكي عبد الحق التركماني في كتابه "ابن دحية الكلبي وكتابه (التنوير في مولد السراج المنير والبشير النذير)": "أخذ كوكبري عن الشيخ عُمر هذه البدعة وطوّرها وتفنن في إقامتها وبذل أموالاً عظيمة في ذلك".

وأورد كتاب "إمارة أربل في العصر العباسي" للدكتور سامي الصقار، أن كوكبري بدءاً من سنة 604 هـ "أولى اهتماماً بإقامة مهرجان ضخم للاحتفال بمولد النبي يتضمن العديد من الفعاليات التي لفتت انتباه الكثيرين من مختلف أنحاء العالم".

ووصف إحياء المناسبة: "في شهر محرم من كل عام هجري يبدأ توافد عوام المسلمين من بغداد والجزيرة ونصيبين وغيرها من البلاد على أربيل، بالإضافة إلى جماعات من الفقهاء والصوفية والشعراء، ومع بداية شهر ربيع الأول يأمر كوكبري بنصب قباب من الخشب المُزين تُخصص كل منها لاستضافة عروض رجال الأغاني والخيالة وأصحاب الملاهي، وكان الناس يزدحمون حول خيامهم لمشاهدة عروضهم".

قبل الاحتفال بيومين كان منظمو المهرجان يطلقون مسيرة ضخمة تتكوّن من مئات الإبل والبقر والغنم التي تزفّها الطبول إلى ميدان كبير تُنحر فيه وتُطبخ ثم يوُزع لحمها على الحضور، كما ذكر الكتاب.

في اليوم الأول للمهرجان كان كوكبري يحضر الاحتفال بصحبة الأعيان والفقهاء وعوام الناس لمشاهدة عروضٍ عسكرية يقوم بها بعض جنود الجيش، بعدها تُقام موائد طعام ضخمة للحضور، 

وقدر حسام الدين قِزغلي (حفيد ابن الجوزي) في كتابه "مرآة الزمان في تواريخ الأعيان"، أن أسبطة الطعام كانت تضم "100 فرس مشوية منزوعة العظام، و5 آلاف رأس غنم و10 آلاف دجاجة و30 ألف صحن حلوى".

بعد الانتهاء من الطعام، كان كوكبري يكرّم عدداً من الأعيان والفقهاء وكبار الضيوف ويوزّع عليهم الأموال. ووفق تقديرات المؤرخين فإن هذه الاحتفالات الضخمة كانت تكلف ما يزيد عن 300 ألف دينار (عملة تلك الفترة).

كيف يحتفل المسلمون بالمولد النبوي في البلدان العربية؟
يعبّر المسلمون -في كل مكان- عن حبهم للنبي من خلال مجموعة من الطقوس والشعائر الفلكلورية الشعبية المتوارثة، والتي تتنوع وتتباين باختلاف الثقافة والمكان. نرصد في هذا التقرير أهم المظاهر الاحتفالية بالمولد النبوي في مجموعة من الدول العربية.

يقول الصقار "رغم ما اشتهرت به احتفالات الخلفاء الفاطميين بالمولد النبوي من بذخٍ شديد فإنها على فخامتها تُعدُّ متواضعة إذا ما قُورنت باحتفالات أربيل، إذ كانت الحفلات الفاطمية تقتصر على ليلة واحدة تُقدم فيها الحلوى والأطعمة ثم يرتّل القرآن وتُنشد القصائد في حضرة الخليفة الفاطمي، بعكس احتفالات أربيل التي كانت تستغرق عدة أيام".

هذا الاحتفاء المهيب استدعى إشادة شهاب الدين أبو شامة في كتابه "الباعث على إنكار البدع والحوادث"، حيث قال "من أحسن ما ابتدع في زماننا ما يُفعل في مدينة أربيل في اليوم الموافق ليوم ميلاد النبي من الصدقات وإظهار الزينة والسرور".

أحد أشهر حضور هذا "المهرجان النبوي" كان المؤرّخ عمر بن الحسن حفيد الصحابي دِحية الكلبي الذي شاهد الاحتفالات 625 هـ وألّف عنها كتاباً بعنوان "التنوير في مولد السراج المنير" قرأه بنفسه على حضرة الملك فأجازه وكافأه بألف دينار.

وفيه تحدّث عن شهادته على ليلة المولد في "إربل المحروسة" وعن لقائه بـ"أفضل الملوك والسلاطين"، حسبما ذكر دكتور أنس وكاك في بحثه "قبسٌ من (التنوير في مولد السراج المنير) للحافظ أبي الخطاب بن دحية الأندلسي".