Fatal fire at a wedding celebration in Iraq's Nineveh province
مديرية الدفاع المدني تحصي 19 ألف حريق في العام 2023

مرة أخرى يقضي العراقيون ليلتهم على دموع وأنين عشرات الضحايا لحريق نشب هذه المرة في قاعة مناسبات غير مطابقة للمواصفات، معيدا إلى الأذهان صورا بشعة لأحداث مشابهة التهمت أجساد أكثر من 800 عراقي خلال السنوات الثلاث الماضية من دون إجراءات حقيقة للردع.

وبحسب مقاطع متداولة على مواقع التواصل الاجتماعي فإن الحريق المرعب بدا بالتزامن مع الرقصة الأولى للعروسين حين قدمت إدارة قاعة "الهيثم" للمناسبات في قضاء الحمدانية عرضاً غير مدروس بالألعاب النارية امتدت ألسنة اللهب فيه إلى السقوف الثانوية التي سرعان ما تحولت إلى قطع من النار تتساقط على رؤوس المدعوين.

وحتى كتابة هذا التقرير أشارت وزارة الصحة العراقية إلى سقوط نحو 100 قتيل وأكثر من 300 جريح إصابات بعضهم شديدة الخطورة وتوزعوا على مستشفيات أربيل ودهوك والموصل.

أعادت المأساة الحالية إلى أذهان العراقيين ذكريات حرائق أخرى مشابهة أدت إلى سقوط عشرات الضحايا في أسواق ومبان ترفيهية وأخرى حكومية أشارت أصابع الاتهام فيها إلى إهمال قواعد السلامة العامة خلال عمليات التشييد.

أهم تلك الحرائق تزامنت مع انتشار فيروس كورونا في العام 2021 في اثنين من مستشفيات العزل الصحي. وقع الحريق الأول في مستشفى ابن الخطيب في بغداد، أما الثاني فوقع في مستشفى الحسين التعليمي في محافظة ذي قار، وأسفرا عن مقتل وإصابة المئات من المرضى ومرافقيهم.

عقوبات غير رادعة

سلّط حريقا مستشفى ابن الخطيب في بغداد (ابريل2021) والحسين في ذي قار (يوليو2021) المخصصان لمعالجة الحالات الخطرة للمصابين بفيروس كورونا الضوء علي العقوبات غير الرادعة للحوادث الناجمة عن الإهمال في شروط السلامة، وعدم تأمين منظومات إطفاء الحريق في الكثير من المرافق الحكومية.

في حينها، قامت الحكومة العراقية بسحب يد وزير الصحة وعدد من المديرين العامين والعاملين في الأقسام الهندسية والإدارية الفنية في تلك المستشفيات لإجراء تحقيق عاجل، ووعد رئيس الوزراء آنذاك مصطفى الكاظمي بإعلان النتائج على الجمهور.

ولكن، كالعادة في مثل هذه الحالات، لم يتم إعلان نتائج التحقيق ولم توجه التهم لأي جهة رغم مخالفات البناء الصارخة التي تحدث عنها تقرير مديرية الدفاع المدني والذي أكد على خلو مستشفى ابن الخطيب من منظومة استشعار الحرائق وإطفائها، وأشار إلى أن الأسقف الثانوية عجلت من انتشار النيران بسبب احتوائها على مواد مصنوعة من "الفلّين" سريعة الاشتعال، فيما افتقر مركز العزل في الناصرية لمعدات السلامة والأمان لحظة وقوع الحريق.

بالإضافة إلى نتائج التقرير، كشف مدير الدفاع المدني العراقي كاظم بوهان في تصريح عن أن وزارة الصحة لم تستجب للنداء بعدم استخدام مادة شديدة الاحتراق لبناء مراكز العزل. فيما اكتفى الرئيس العراقي برهم صالح بإلقاء اللوم في الحادثتين على الفساد والمحاصصة.

قُتل في حرائق المستشفيات تلك نحو 180 شخصاً وأصيب ضعفهم بحروق متفاوتة. واكتفت الحكومة العراقية بتوجيه عقوبات توبيخية لا تتناسب مع حجم الحادثتين، ولم يتم الاعلان عن توجيه اي اتهام يتعلق بمخالفات تنفيذ عقود البناء والانشاء.

 

19 ألف حريق منذ بداية العام

وكانت مديرية الدفاع المدني أحصت في بيان لها عدد حوادث الحريق في العراق منذ بداية العام الجاري حتى تاريخ 13 أغسطس 2023 وكشفت عن وقوع أكثر من 19 ألف حريق.

وهو رقم يقل كثيراً، كما جاء في البيان، عن إحصاء العام 2022، والذي وصلت فيه الحرائق إلى أكثر من 32 ألفاً في عموم المحافظات عدا إقليم كردستان. وبحسب البيان فإن تلك الحرائق اندلعت داخل مبان حكومية وتجارية ومصانع ومعامل ومخازن ودور سكنية وأراض زراعية وحقول وعجلات وغيرها.

وأوضح البيان أن "أسباب حوادث الحريق توزعت ما بين التماس كهربائي، إذ إن  13 ألفاً و297 حادثاً وقعت نتيجة تذبذب التيار الكهربائي الوطني والشبكات العنكبوتية للأسلاك الكهربائية المتدلية للمولدات الأهلية، لتشكل 47 في المئة من مسبّبات اندلاع حوادث الحريق في العراق".

وأشار البيان إلى أن إحصائية العام 2022 تعتبر الأعلى إذا ما قورنت مع السنوات الثلاث السابقة، إذ بلغ عددها خلال عام 2020، 29658 حادثاً، فيما كان عددها عام 2021 31533 حادثاً.

طاولت تلك الحرائق: "مستشفيات ومبان ومخازن تجارية ومجمعات سكنية، فضلا عن مئات من الهكتارات الزراعية، وخصوصا حقول القمح شمالي وجنوبي البلاد". أما عدد الوفيات التي حصدتها حوادث الحرائق خلال السنوات الثلاث فبلغ حوالي 855 شخصاً.

.

مخالفات شروط السلامة

وكان مدير عام مديرية الدفاع المدني اللواء محسن كاظم صرح لوكالة الأنباء العراقية (واع)، في مايو من العام الحالي أن المديرية سجلت وقوع حرائق عديدة خلال الأشهر الأربعة الأولى من العام الحالي في عدد من المطاعم والمباني والمؤسسات الأهلية والحكومية بسبب مخالفات قانونية لشروط السلامة العامة.

وأكد كاظم أنه "تم تسجيل مخالفات في مواقع هذه الحرائق قبل حدوثها، وثبتت ضمن تقارير وحولت إلى جلسة الفصل في المديرية حسب قانون الدفاع المدني".

وأضاف أن "موضوع الغرامات بحاجة إلى تعديلات قانونية وقدمنا مقترحا لمجلس شورى الدولة برفع حجم الغرامات إلى 10 ملايين دينار ونعتقد أن هذا المبلغ سيكون رادعا للمخالفين".

وأضاف، أن "أحد تلك المباني وهو (مبنى كلية التراث) كانت لديها مخالفات لشروط السلامة، إذ تم استعمال مادة الفوم المضغوط وهي مادة سريعة الاشتعال في مكان الحريق، وتم عمل بعض الديكورات في واجهة مبناها أو في تغليف القاعات الدراسية بمواد بلاستيكية التي هي بدورها سريعة الاشتعال"، مؤكدا أننا "سبق أن نبهناهم وأحيلت الكلية إلى جلسة الفصل وتم تغريمهم بموجب قرار وفقاً لصلاحية مدير الدفاع المدني الذي يترأس جلسة الفصل، وتم منحهم مهلة لتلافي أو معالجة هذه المخالفات".

المخالفات التي تحدث عنها كاظم خلال شهر مايو الماضي، هي ذاتها المخالفات التي سبق أن سجلت خلال الفحص الدوري لقاعة أعراس الحمدانية التي اشتعلت فيها النيران يوم أمس.

وذكرت المديرية العامة للدفاع المدني في بيان جرى تعميمه على وسائل الإعلام أن قاعة الأعراس كانت "مغلفة بألواح الايكوبوند سريع الاشتعال، والمخالفة لتعليمات السلامة، والمحالة إلى القضاء حسب قانون الدفاع المدني المرقم 44 لسنة 2013 لافتقارها إلى متطلبات السلامة من منظومات الإنذار والإطفاء الرطبة".

وأوضح البيان أن ذلك أدى إلى انهيار أجزاء من القاعة نتيجة استخدام مواد بناء سريعة الاشتعال منخفضة التكلفة تتداعى خلال دقائق عند اندلاع النيران". وهو ما سرّع في "نشر الحريق بسرعة كبيرة وفاقم الأمر الانبعاثات الغازية السامّة المصاحبة لاحتراق ألواح الايكوبوند البلاستيكية سريعة الاشتعال والذي تسبب بوقوع ضحايا وإصابات بين عدد من الموجودين نتيجة تنشّقهم الغازات السامّة".

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

Paris 2024 Paralympics - Table Tennis
نجلة عماد متوّجة بالميدالية الذهبية في بارالمبياد باريس

بفوز  أفرح ملايين العراقيين، حصدت لاعبة كرة تنس الطاولة نجلة عماد الميدالية الذهبية في بارالمبياد باريس، فأصبحت أول عراقية تحقق هذا الإنجاز الرياضي الرفيع، رغم فقدانها ثلاثة أطراف بانفجار عبوة ناسفة عندما كانت بعمر ثلاث سنوات.

وفي مشهد كان الأكثر تداولا على منصات التواصل الاجتماعي في العراق عقب إعلان فوزها، راقب العراقيون تتويجها بالميدالية الذهبية في احتفالية رفُع فيها العلم العراقي، وعُزف النشيد الوطني لأول امرأة عراقية تفوز بوسام في تاريخ اللجنة البارالمبية العراقية منذ أولى مشاركتها في العام 1992 .

وأختتمت فعاليات دورة الألعاب البارالمبية  في العاصمة الفرنسية باريس  يوم الأحد الماضي بحصول العراق على 5 ميداليات (ذهبية وفضية و3 برونزيات).

 

عبوة ناسفة

في الأول من يوليو الماضي، وفي جلسة للمفوضية السامية لحقوق الإنسان، ألقت عماد كلمة في حلقة النقاش الموضوعية التي تعقد كل أربع سنوات، حول تعزيز حقوق الإنسان من خلال الرياضة.

في تلك الجلسة روت قصتها مع تنس الطاولة التي "بدأت في العام 2008 عندما كانت محافظة ديالى تعاني من إرهاب القاعدة، وكان والدها جندياً يعمل لساعات طويلة في الجيش لحمايتهم" على حد تعبيرها.

في ذلك العام "كان عمري ثلاث سنوات، وكنت أنتظر عودة والدي من العمل ليأخذني في جولة بسيارته، وضعني والدي في السيارة وأثناء وصوله إلى مقعد السائق انفجرت عبوة كانت مزروعة في سيارته".

فقدت الطفلة الصغيرة وعيها وهرعت بها عائلتها إلى المستشفى "استيقظتُ بعد أسابيع وأصبت بصدمة عندما علمت أنني فقدتُ ساقيّ الاثنتين ويدي اليمنى بعدما طارت أطرافي واستقرت فوق سطوح الجيران". 

تقول عماد بألم "جزء كبير من روحي وجسدي سُلب مني إلى الأبد، هذا ما تفعله الحروب بالأطفال".

منذ ذلك اليوم تغيرت حياتها، وواجهت صعوبات كثيرة، ليس بسبب الإعاقة فحسب بل بسبب "نظرة التمييز التي كنت أتعرض لها كل يوم" حسب قولها.

وروت خلال الجلسة مشاعر الألم والحزن وهي ترى الأطفال من حولها يركضون ويلعبون، فيما كانت عاجزة عن ذلك، "كان مستقبلي مليء بعدم اليقين والتحديات التي لا يمكن التغلب عليها".

نقطة تحول محورية

في العاشرة من عمرها كما روت نجلة في تصريحات صحفية "كان تركيزي في البداية منصباً على الدراسة".

إلا أن نقطة التحول المركزية في حياتها كانت "حين زار منزلنا مدرب على معرفة بوالدي، كان يريد تشكيل فريق بارالمبي. وبعد فترة تدريب استمرت ستة أشهر، حقّقت أول فوز لي في بطولة محلية لمحافظات العراق في بغداد"، وفقاً لقولها.

في البداية كانت عماد تتدرب على جدار المنزل لعدم توفر طاولة مخصصة للعب "لكن، تبرع لي أحد الأشخاص بطاولة، وبدأت بالتمرن في المنزل طوال الوقت".

كان توجهها إلى مقر اللجنة البارالمبية على فقر تجهيزاته وضعف تمويله، حافزاً قوياً لها في إكمال مشوارها الرياضي، كما تروي: "رأيت لاعبين آخرين من ذوي الإعاقة يمارسون الرياضة. كان لديهم الكثير من الطاقة الإيجابية، وقد شجّعني ذلك".

الرياضة التي تعلقت بها عماد وشجعها عليها والدها ورافقها في كل خطوات رحلتها "مكنتني من تجاوز إعاقتي، وجعلتني أنظر إلى الحياة من زاوية أخرى".

الرياضة مهمة جداً لذوي الإعاقة في جميع أنحاء العالم، بحسب عماد التي تحثّ "جميع الدول على الاهتمام بذوي الإعاقة وتوفير بيئة داعمة لحقوق الأطفال، وبالأخص ذوي الإعاقة، فمن الضروري توفير التمويل وضمان الوصول السهل وتكافؤ الفرص".

دعم الرياضة لهذه الفئة كما تشرح، "يتيح فوائد نفسية وجسدية واجتماعية لهؤلاء الأفراد، ما يعزز شعورهم بالإنجاز والانتماء، ونحن مدينون للأجيال القادمة بخلق عالم يمكن فيه لكل إنسان بغض النظر عن قدرته وهويته أن يزدهر ويعيش في عدل ومساواة".

طريق معبّد بالذهب

شاركت نجلة عماد في أول بطولة لها في العراق بعد ستة أشهر فقط على خوض تجربة التمرين على يد مدرب، وحققت المركز الثاني في لعبة تنس الطاولة على مقعد متحرك، لتصبح لاعبة المنتخب الوطني العراقي لكرة الطاولة في اللجنة البارالمبية.

وفي العام 2016 بدأت أولى خطواتها باتجاه العالمية التي كانت تسعى إليها، لتحصل على المركز الثالث في بطولتي الأردن 2016 وتايلند 2018، لتبدأ عملية التحول من المنافسة على كرسي متحرك إلى اللعب وقوفاً، بقرار من رئيس اتحاد تنس الطاولة للمعوّقين سمير الكردي.

أدخلت عماد إلى إحدى مستشفيات بغداد المختصة بالعلاج التأهيلي والأطراف الصناعية، ورُكبت لها ثلاثة أطراف صناعية، ووصفت فيه ذلك اليوم بتصريحات صحفية بأنه "أسعد أيام حياتي، فقد تمكنت من الوقوف من جديد بعد عشر سنوات قضيتها جالسة على كرسي".

وبعد تمرينات مكثفة شاركت نجلة في بطولة غرب آسيا التي أقيمت في الصين وحصلت على المركز الثاني: "كانت أول مرة ألعب بالأطراف الصناعية وتنافست مع لاعبات عمرهن الرياضي أكبر من عمري". يأتي هذا الإنجاز رغم أن الأطراف التي كانت تتنافس بها "غير مخصصة للرياضة، وكانت تسبب لها آلاماً وجروحاً".

تلاحقت الانتصارات التي حققتها فحصدت الذهب ببطولة القاهرة في العام 2019. وتوجت في الصين بالمركز الأول، تبعها المركز الأول ببطولة إسبانيا في العام 2020. ثم تبعتها أول مشاركة في دورة الألعاب البارالمبية العام 2021 في طوكيو، ولم تتمكن حينها من إحراز أي ميدالية، إلا أن ذلك كان دافعاً لها للمزيد من التدريب، لتحقق الذهب في دورة الألعاب الآسيوية التي أُقيمت في الصين عام 2023.

وبعد تأهلها لدورة الألعاب البارالمبية بباريس، عبّرت عن سعادتها في تصريحات صحفية بالقول إن "الطموح ليس فقط المشاركة إنما تحقيق الألقاب، ورفع اسم العراق عالياً".

وهو بالفعل ما حققته، فسجّلت اسمها في تاريخ الرياضة العراقية لتصبح أول لاعبة عراقية تحصل على ميدالية ذهبية في تاريخ اللجنة البارالمبية العراقية.