عراقيون يحيون ذكرى احتجاجات تشرين
عراقيون يحيون ذكرى احتجاجات تشرين

في ظل دعوات لمقاطعة انتخابات مجالس المحافظات، تنقسم الأحزاب والقوى السياسية المنبثقة عن احتجاجات تشرين، حول المشاركة في الانتخابات المقررة في 18 ديسمبر المقبل.

ويكشف نشطاء وقيادات أحزاب "تشرينية" لموقع "الحرة"، عن أسباب وأهداف خوضهم المعركة الانتخابية المرتقبة من عدمها.

وفي الأول من أكتوبر 2019، اندلعت احتجاجات في العراق، حيث تظاهر مئات الآلاف من العراقيين لأشهر في الشوارع ضد النظام للمطالبة بإصلاح الاقتصاد ومحاربة الفساد، وصولا لمطالبات بإسقاط النظام. 

وأدى "حراك تشرين" إلى مقتل نحو 600 متظاهر وإصابة 30 ألفا بجروح في كل أنحاء العراق، وبالتزامن مع الذكرى السنوية الرابعة لتلك الاحتجاجات ستشهد البلاد انتخابات مجالس محافظات المرتقبة.

وحسب المفوضية العليا المستقلة للانتخابات في العراق، فإن قرابة 70 حزبا وتحالفا سياسيا وأكثر من 6 آلاف مرشح سيتنافسون على مقاعد مجالس المحافظات في الانتخابات المحلية، والتي سيتمخض عنها تشكيل الإدارات المحلية، وذلك بعد قرابة 13 عاما عن أول انتخابات أُجريت في المحافظات.

4 سنوات على حراك تشرين.. ماذا تغير؟

الناشط بحراك تشرين، ليث الحيالي، يشير إلى عدة تغييرات سياسية عرفتها البلاد منذ اندلاع الحراك قبل 4 سنوات، وأبرزها "صعود جملة من الشخصيات السياسية المستقلة التي تمثل الاحتجاجات للمشهد السياسي بالعراق".

وهذه المجاميع السياسية صعدت لمجلس النواب، لكنها "لا تلبي" طموحات الشارع العراقي، وغير ناجحة "في تنفيذ تطلعات الجماهير ونقل معاناة عوائل الشهداء والجرحى، ومن انتخبهم"، وفق حديثه لموقع "الحرة".

ويرى أن النتاجات السياسية لحراك تشرين "مخيبة للآمال"، وأحبطت الجمهور وخلقت "فجوة" بين الشارع والنواب الذين يمثلون احتجاجات تشرين.

وحسب الحيالي فإن انتخابات مجالس المحافظات مرتبطة بمجلس النواب ونتائجها السياسية "غير المرضية" للجمهور الساخط على ممثليه بالبرلمان.

ولا يستطيع النواب تمثيل "تطلعات الجماهير"، وبالتالي فالشارع لا يثق بمجريات انتخابات مجالس المحافظات والقوى المشاركة بها، وفق الناشط بحراك تشرين.

ويشدد على أن الأحزاب المنبثقة عن حراك تشرين "غير قادرة" على إحداث الفارق لأن خياراتها السياسية "متقلبة ومتناقضة".

وفي انتخابات 2021 البرلمانية، قاطعت مجموعة من الكيانات السياسية المنبثقة من حراك تشرين الانتخابات، بذريعة أن "العملية الديمقراطية مشوهة والسلاح من كان يسيطر على المشهد"، حسبما يوضح.

ومنذ ذلك الوقت وحتى الآن، لم يحدث أي طارئ سياسي ولا توجد "تغييرات بالمجريات السياسية"، وبالتالي فهذا التناقض "يضع علامات استفهام كثيرة جدا"، وفق الحيالي.

وطرح المتحدث عدة تساؤلات على الأحزاب والقوى المنبثقة عن حراك تشرين، قائلا" الجمهور يتساءل لماذا قاطعوا انتخابات مجلس النواب 2021 ويشاركون الآن في انتخابات مجلس المحافظة "الأقل أهمية"؟.. وما التغير السياسي الذي حدث لتغيروا رأيكم؟".

تغييرات سياسية؟

تجيب على تلك الأسئلة، الأمينة العامة للحركة المدنية الوطنية، شروق العبايجي، والتي تؤكد أن حراك تشرين "أدان بشكل مباشر مجالس المحافظات" باعتبارها الهيئة المباشرة التي على تماس مع المواطنين بكل محافظة.

وكانت تلك المجالس "فاشلة وفاسدة" ما تسبب في ظهور مطالبات بإنهاء عملها، لكن بعض الأحزاب استغلت الفكرة لمصلحتها و"ألغت انتخابات مجالس المحافظات"، بهدف تشكيل أخرى دون رقابة وأن يكون هناك فقط "الحزب الذي ينتمي إليه المحافظ"، وفق حديثها لموقع "الحرة".

والآن القضية تتعلق بوجود "أفكار مختلفة تجاه الانتخابات، ومنها المقاطعة لعدم إضفاء شرعية على الطبقة السياسية المسيطرة على المجالس لكي تستمر، وبين "الحديث عن استخدام كافة الوسائل لكشف زيف البيئة الانتخابية، تمت تجربة كافة تلك الطرق ولم يبق أمامنا سوى "المشاركة" بالمعركة بكل تعقيداتها وتفاصيلها"، حسبما تشدد العبايجي.

وتشارك الحركة المدنية الوطنية التي تتزعمها شروق العبايجي في انتخابات مجالس المحافظات ضمن تحالف "قيم المدني" والذي يضم 9 أحزاب من قوى التغيير الديمقراطي.

وتلك الأحزاب هي "الشيوعي العراقي، والتيار الاجتماعي، والحركة المدنية الوطنية، والتيار الديمقراطي، وحركة نازل آخذ حقي، والبيت الوطني، وحركة المثقف العراقي، وحزب الريادة العراقي"، فضلا عن كتلة وطن النيابية.

وتشير العبايجي إلى أن تحالفها سوف يشارك في الانتخابات لإثبات أن هناك "جهات أخرى غير سلطوية" قادرة على تقديم خدمات للمواطن العراقي بشكل صحيح ونزيه.

بدوره، يقول سكرتير الحزب الشيوعي العراقي، رائد فهمي، في تصريحات لموقع "الحرة": "سنشارك في إطار تحالف واسع يضم أحزاب منبثقة من رحم تشرين".

واعتبر فهمي أن "الأحزاب المدنية تشكل قوى مهمة لأنها تحمل مشروعا بديلا ومختلفا عن قوى السلطة". 

مشاركة على "مضض"؟

توضح العبايجي أن هناك  "اتجاهات مختلفة" داخل حراك تشرين، بين الدعوة للمشاركة والمقاطعة وهذا أمر أكثر من طبيعي، حسبما تؤكد الأمينة العامة للحركة المدنية الوطنية.

ويرجع ذلك لكون الأحزاب والقوى المنبثقة عن حراك تشرين مازالت في مراحل "تطوير" العمل السياسي، حيث تطغى "الروح الاحتجاجية" في الكثير من المواقف على الأفكار السياسية، وفق العبايجي.

ويؤكد فهمي على أن  "الانتخابات قد لا تحقق نتائج كبيرة، لكنها فرصة لكي تتعلم القوى الداعية للتغيير كيفية توحيد جهودها وتنشيط عملها بين الناس"، داعيا المواطنين إلى "انتخاب قوى التغيير والمشاركة في الانتخابات التي قد تحمل بعض التغيرات". 

ومن جانبه، يرجع القيادي في حراك تشرين، أحمد الوشاح، قرار بعض "التشرينيين" بالمشاركة بالانتخابات لـ"عدم ترك الجمل بما حمل" للفصائل للسيطرة على فصائل الدولة.

والانتخابات ليست "الحل الأمثل" ولا تمثل "طموحا" للتشرينيين، لكن المشاركة تقوى الحراك وتحمي الشباب، وسيتبع ذلك "تغيير تدريجي" في السنوات القادمة، حسبما يؤكد لموقع "الحرة".

لكن على جانب أخر، لا ينتظر الناشط بحراك تشرين، سيف الدين العلي، "أي جديد من انتخابات مجالس المحافظات"، التي" لن تضيف شيء للشعب العراقي"، على حد قوله.

ويشير في حديثه لموقع "الحرة"، إلى أن المهتمين بهذه الانتخابات هم "الأحزاب السياسية المتمسكة بالسلطة وأتباعها"، بهدف إعادة السيطرة على مجالس المحافظات

وعلى جانب آخر فإن الأحزاب المنبثقة من حراك تشرين "غير قادرة على التغيير"، سواء بمجلس النواب أو بمجالس المحافظات، لأنها "لم تنجح في تحقيق أي تغيير قانوني أو إداري أو نيابي"، وفق حديثه.

تكرار لتجربة "مجلس النواب"؟

يصف ليث الحيالي، التمثيل التشريني بمجلس النواب بـ"التجربة المريرة التي لم تحقق أي نجاح يذكر"، وتجاهل النواب مطالب جمهورهم والمبادئ السياسية الرئيسية التي كانوا يتحدثون بها قبل صعودهم للبرلمان.

ومن جانبها، تؤكد شروق العبايجي، أن الصراع بين الآراء المختلفة كان على "أشده" في انتخابات مجلس النواب 2021، بحيث كانت "المقاطعة" بارزة ومؤثرة على مجريات العملية الانتخابية، لكن في نفس الوقت كان هناك "صعود" لأعداد كبيرة من النواب المستقلين المنتخبين مباشرة من الشعب.

وهناك اتجاه لاستكمال "التجربة" بالاستعداد لخوض الانتخابات بشكل أكبر، في مواجهة القوى المشكلة للطبقة السياسية الحاكمة وإدارة الدولة والتي تسعى للسيطرة "مسبقا" على مجريات العملية الانتخابية، وفق الأمينة العامة للحركة المدنية الوطنية.

وتشير العبايجي إلى أن هذا سوف يجعل المعركة الانتخابية القادمة "أصعب بكثير"، ولذلك ندعو الجماهير للمشاركة "الواسعة" في الانتخابات، لتقليل سيطرة الأحزاب على المخرجات السياسية.

ثوار وليسوا "سياسيين"؟

يتحدث المحلل السياسي العراقي، عمر الناصر، عن أهمية الانتخابات المقبلة نظرا لمشاركة "المدنيين والمستقلين" بقوة وفي جبهة واحدة.

وفي المقابل تنتظر القوى السياسية "القابضة على السلطة" تلك الانتخابات منذ زمن بعيد بعد إلغائها عامي 2013 و2014، حسبما يوضح لموقع "الحرة".

ويؤكد أن الأحزاب السياسية التقليدية تحضرت لها بشكل كبير جدا، بدليل مشاركة 39 تحالفا سياسيا بالانتخابات المزمعة.

ويعتقد عمر الناصر أن "المعادل السياسي النوعي" الذي تود الأغلبية الصامتة دخوله العملية السياسية قد يتحقق "جزئيا" من أجل وجود معارضة حقيقية تراقب أداء المحافظين.

لكن ذلك يتوقف عند المشاركة في الانتخابات، فإذا كانت ضعيفة "لن تغير من المشهد السياسي بشيء"، وإن كانت قوية "سيكون هناك تجديد للوجوه السياسية"، حسب المحلل السياسي العراقي.

ويشير إلى أن الأحزاب والقوى المنبثقة عن حراك تشرين، "لن تشكل فارقا" لأنها شاركت سابقا بانتخابات مجلس النواب.

ويوضح أن هناك فارق بين "السياسي المحنك والثائر"، ولا يوجد لدى قوى تشرين "خبرة سياسية طويلة"، على حد قوله. 

ورغم ذلك يرى أن الأحزاب والقوى المنبثقة عن الحراك لديها القدرة على تطوير أدائها السياسي، ويمكنها الانتقال "تدريجيا" إلى مشهد سياسي أفضل، لكن ذلك يعتمد على "رص الصفوف، وعدم تكرار الأخطاء السابقة".

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

في 2015، منحت عشيرة عراقية في البصرة 51 امرأة من نسائها لعشيرة أخرى مقابل تسوية الخلافات بين الطرفين.
صورة تعبيرية لأفراد مسلحين من عشيرة عراقية- أرشيف

أدت العشائر العراقية دوراً بارزاً في تأسيس وتشكيل الدولة العراقية الحديثة منذ اختيار أول حكومة عام 1920، وحتى آخر انتخابات للمجالس المحلية أواخر العام الماضي 2023.

طوال تلك الفترة، وصفت العلاقة بين العشائر والحكومات العراقية بأنها "تخادمية" من جهة و"تصادمية" من جهة أخرى. فمدّ المصالح المشتركة المتعلق بشكل خاص بمواجهة التحديات الأمنية وفرض الاستقرار، يواجهه جَزراً من التصادمات تصل نتائجها إلى إسقاط حكومات، أو سحب يد الرعاية العشائرية خلال الانتخابات.

أحدث التوترات بين العشائر والحكومة برزت في أغسطس الماضي، حين ثارت عشيرة محافظ ديالى السابق مثنى التميمي ضد اختيار محافظ من قبيله أخرى بعد انتخابات مجالس المحافظات 2023. 

عمد أبناء العشيرة إلى إغلاق دوائر حكومية من ضمنها مراكز للشرطة، وأظهرت مقاطع فيديو تجمعاً كبيراً يردد أهزوجة "ديالى إلنا، وما ننطيها" وهي تعني التمسك بالمنصب.

أما أقوى مواقف العشائر فجاءت في يوليو 2022 عندما أُعلن عن ترشيح محمد شياع السوداني لرئاسة الوزراء، فغرد ضده محمد صالح العراقي المعروف بـ "وزير الصدر"، الأمر الذي اعتبرته قبيلة السودان "إهانة وإساءة" لها.

وقالت في بيان "نحتفظ بكافة وسائل الرد العشائري التي خبرها العدو قبل الصديق لمن يريد المساس باسم قبيلتنا"،  ورفضت استخدامه "في الطحن الجاري بين المتنافسين على رقاب العراقيين".

عنصران من مقاتلي العشائر في محافظة الأنبار- أرشيف وكالة الصحافة الفرنسية
من البونمر إلى الترابين.. عشائر قاومت إرهاب "داعش"
تأسيس مجالس الصحوة كان بمثابة مفترق طرق بين داعش وبين أغلب العشائر العربية في العراق. وكان يمكن أن تكون تجربة ناجحة يُشَيد عليها ما سيأتي من جهود للقضاء على الإرهاب لولا الحسابات الطائفية لبعض رموز العملية السياسية في العراق، والتي أدت في النهاية إلى تهميش رجال الصحوة، والتنصل من وعود دمجهم في أسلاك الجيش والشرطة.

العشائر وبناء الدولة

كان هناك دور كبير للعشائر في تشكيل الحكومات العراقية المتعاقبة منذ عام 1920، كما يقول الدكتور كتاب الجبوري في بحثه المعنون "العشائر العراقية ودورها في التكامل السياسي والحضاري في العراق حتى نهاية العهد الملكي 1958".

خلال تشكيل الحكومة العراقية وبعد أحداث "ثورة العشرين" التي قادتها عشائر الفرات الأوسط "أدركت بريطانيا أن دور العشائر لا يمكن أن يكون هامشياً في مجتمع يشكل فيه العرف العشائري نظاماً عتيداً". 

ولذلك، بحسب الجبوري "دعت السلطات البريطانية الشيوخ الموالين لها، ومنحتهم الأراضي وسجلتها بأسمائهم، وخولتهم فض النزاعات الناشئة، وعينت لهم مأمورين وحمايات لتنفيذ أوامرهم".

هذا السلوك البريطاني كان يهدف إلى "تقوية دورهم أزاء آخرين لم ينخرطوا تحت لوائها، وعارضوا تشكيل حكومة وطنية في ظل الاحتلال"، ولهذه الأسباب لجأت إلى عقد مؤتمر لاختيار حاكم عربي للعراق "نزولاً عند رغبة العراقيين في تحديد نوع الحكم الذي ارتضوه أن يكون ملكياً".

رشح عدد من الشيوخ والوجهاء أنفسهم لحكم العراق، منهم طالب النقيب (نقيب أشراف البصرة وعضو مجلس المبعوثان العثماني سابقاً) الذي صرح بأن العراقيين أولى بحكم بلادهم. ورشح الشيخ خزعل (أمير المحرمة وشيخ قبيلة كعب العربية التي تسكن الحويزة والعمارة).

ذكر الجبوري أنه رغم ترشيح هذه الأسماء، إلا أن غالبية شيوخ العشائر استقر رأيها لصالح الأمير فيصل ابن الشريف حسين أمير مكة ليكون ملكاً على العراق.

أعضاء في عشائر عراقية يحملون الأسلحة - صورة تعبيرية
يرفضها شيوخ العشائر ورجال الدين.. العراضات المسلحة في العراق
أثارت مقاطع فيديو وصفها متابعون على مواقع التواصل الاجتماعي بـ"الصادمة" لمسلحين يطلقون آلاف الأعيرة النارية خلال تشييع الشيخ رفات جياد الشعلاني في محافظة المثنّى، جدلاً كبيراً في العراق، وأعادت فتح النقاش حول "العراضات العشائرية" وما ينتج عنها من ضحايا.

العهد الملكي

ما أن وصلت بريطانيا إلى البصرة حتى عرفت أهمية النظام العشائري في المجتمع فأصدرت قانون "بيان العشائر" وألزمت السكان بتطبيقه عام 1915، ثم وسعت مساحة القانون حين دخلت بغداد بعدها بعامين واستمر حتى  صدور نظام دعاوى العشائر 1924.

وفي أول انتخابات برلمانية شكل رجال العشائر أكثر من 19% من مجموع أعضاء أول برلمان عراقي منتخب 1925. يشير الجبوري إلى أن "انتماء الشيخ إلى مجلس النواب أو حصوله على منصب إداري لدى الحكومة كان يجعل أفراد عشيرته مؤيدين ومساندين للدولة".

بعد دخول العراق "عصبة الأمم" (الأمم المتحدة سابقاً) في 1932 واكتسابه نوعاً من السيادة، وتراجع الدور البريطاني، ازداد نفوذ العشائر والشيوخ، واستغلت بعض الأحزاب ضعف الدولة وأخذت تستقوي بالعشائر وتعتمد عليها بوجه الحكومة والتنظيمات السياسية المعارضة لها.

ولهذه الأسباب اتسمت العلاقة بين الدولة والعشيرة بالتوتر خلال العهد الملكي، إذ كانت بعض النخب التي تتناوب على السلطة عندما تصبح في المعارضة تلجأ لتحريض العشائر ضد الحكومة التي كانت تعاني من الضعف في البداية، كما يقول فلاح الزهيري في بحثه "العشيرة وإستراتيجية بناء الدولة المعاصرة في العراق ما بعد 2003".

ورأى الزهيري أن هناك "علاقة عكسية بين الدولة والعشيرة، أي كلما ضعفت الدولة استقوت العشيرة والعكس صحيح". امتد ذلك حتى سقوط الملكية 1958 وقيام النظام الجمهوري، الذي أصدر قراراً بإلغاء حكم العشائر، فجرد الشيوخ من سلطتهم القانونية، كما أصدر قانون الإصلاح الزراعي الذي ضرب مصالحهم الاقتصادية ليحقق انقلاباً جذرياً في المجتمع العراقي.

"شيوخ التسعينات"

لم تغب العشيرة عن دورها المؤثر إلا في حقبة السبعينيات، عندما حث العراق كدولة خطاه باتجاه استكمال مستلزمات التحول إلى المدنية والعصرنة، بالاعتماد على المنظومة العلمانية لحزب البعث الذي لم يفسح المجال لأي سلطة أخرى في منافسته أو الاقتراب من خطوط نفوذه، كما يقول واثق السعدون في بحث "الأدوار السياسية للعشائر العربية في العراق المعاصر".

تغير الأمر نوعاً ما بدخول العراق إلى الحرب مع إيران (1980-1988)، حيث وظفت السلطة السياسية العشيرة في رص الصفوف الداخلية والإسهام العسكري. وقادت الأوضاع التي نشأت بعد عام 1991 إلى حالة واضحة من الضعف في أركان مؤسسات النظام السابق، ما دفعه إلى الاستعانة بالنظام العشائري بعد إعادة تنظيمه، لفرض السيطرة على المجتمع المنهك، فنمت مظاهر عشائرية جديدة لتملأ فراغ المجتمع المدني المغيّب.

في بحث بعنوان "تاريخ الاستخدام السياسي للهوية المحلية العشائرية في العراق: تخادم الدولة والمشيخة"، يقول كريم حمزة إن العشائر عادت لتكسب قوتها ونفوذها ليس بسبب ضعف الدولة فحسب، بل لأن الدولة شجعتها وظهر ما يسمى "شيوخ التسعينات".

هي تسمية لم تكن معروفة على الساحة الاجتماعية، لكنها استمدت شرعيتها من السلطة الحاكمة آنذاك، التي عمدت إلى تفتيت العشائر الكبيرة وتقسيمها وتنصيب شيوخ وزعماء عشائر جدد موالين لها ومرتبطين بأجهزة السلطة.

وأعادت الظروف إلى المجلس العشائري "قيمته الاعتبارية في حل المشكلات خلال المنازعات. مع ملاحظة أن الدولة حاولت حفظ طابعها الحضري من خلال انتماء الشيوخ إلى حزب السلطة بحيث يكون الولاء الأول للحزب"، بحسب حمزة.

التغيير

ما إن سقط نظام البعث حتى تبدلت مكانة الشيوخ الذين كانوا مقربين منه ويتمتعون بالنفوذ والقوة حيث "تم اعتقالهم من القوات الأمريكية كما تم اغتيال قسم منهم"، كما ذكر السعدون.

وجرت الاستعانة بقيادات العشائر المعروفة مثل اختيار المهندس غازي عجيل الياور (عمه شيخ عشيرة الجربا أول رئيس للعراق بعد 2003)، وتسمية عدنان الجنابي (شيخ عموم عشيرة الجنابيين) وزير دولة في أول حكومة بعد عام 2003.

السبب في ذلك كما يشير السعدون في بحثه، أن "حاجة الزعامات الحزبية إلى قاعدة جماهيرية لم تكن متوفرة لها، وذلك من خلال التخادم مع الأحزاب والتيارات الدينية التي هيمنت على الساحة السياسية في العراق". 

يشرح السعدون حالة التخادم التي تحدث عنها بأنها تمثلت بـ "حاجة الزعامات العشائرية إلى دعم الأحزاب لاستعادة نفوذها التقليدي" ، ومن جهة أخرى كانت الأحزاب بحاجة "توسيع قاعدتها الشعبية".

وهكذا وجد زعماء ووجهاء وقبليون طريقهم إلى مجلس النواب، وحصل بعضهم على مناصب وزارية "إلا أن تسميتهم كثيراً ما جاءت من خلال الأحزاب الدينية التي احتوتهم، وإن كانوا اعتمدوا على أصوات قبائلهم في مناطق انتشارها إلى حد كبير للحصول على مقاعدهم النيابية".

حاجة الحكومة للعشائر لم تتوقف عند الترشيح للانتخابات وحصد الأصوات، فعدم الاستقرار الأمني بعد ظهور تنظيم القاعدة أدى إلى  الاستعانة بالعشائر  لمحاربته من خلال تنظيم "صحوة العراق" و "مجالس الإنقاذ"، ثم تشكيل "مجالس الإسناد العشائرية".

وحتى 2010 وصل عددها إلى 242 مجلساً ضم 6480 من شيوخ ووجهاء العشائر العراقية من الشمال إلى الجنوب، بدعم من رئيس الوزراء وقتها نوري المالكي سياسياً ومالياً، حتى تم إلغاؤها في 2015 من قبل حيدر العبادي بسبب الأزمة المالية التي أعقبت الحرب على داعش، وانخفاض أسعار النفط.

شريكة بصنع القرار

بعد عام 2003، كما يقول الزهيري في بحثه، ظهر على صعيد السلطة التنفيذية ما يسمى بـ"عائلية السلطة"، وذلك عبر سيطرة مجموعة من الموظفين ينتمون لعائلة واحدة على إدارة مؤسسة حكومية أو عدة دوائر مهمة فيها.

فضلاً عن ذلك يمكن ملاحظة دور العامل العشائري على المستوى الإداري إذ يتم التعيين على أساس العلاقات العشائرية وليس على أساس الكفاءة.

أما على المستوى السياسي، فقبل كل انتخابات برلمانية أو محلية تتسابق الأحزاب العراقية في حملة انتخابية مبكرة، يتم خلالها التركيز على شيوخ العشائر العراقية والزعامات القبلية الذين يملكون عدد كبير من الأصوات، بحكم سيطرتهم على توجهات أفراد عشائرهم.

ويضع الزهيري فترة الترشيح للانتخابات الدورة البرلمانية الثالثة (2014 – 2018) تحت المجهر إذ شهدت العديد من مظاهر الاستناد للعشيرة، منها توجه نائبة إلى عشيرتها بعد خلاف سياسي نشب مع الناطق الرسمي في "تيار الحكمة".

كما تعرض رئيس البرلمان لمحاولة إقالة من خلال رفضه بالأغلبية. لكن عشيرته خرجت في مؤتمر صحافي رافضة للإقالة. فضلاً عن احتجاج عشيرة وزير الدفاع السابق حين تعرض لاستجواب في البرلمان.

يرى الزهيري أن هذه المناصب "أصبحت كأنها ملك للعشيرة بالتالي يجب ألا يتم التنازل عنها"، مشيراً إلى وجود "خلل كبير في "نمطية التفكير السياسي لدى  النخب التي تتقوى بعشيرتها دون أجهزة الدولة".

في السياق ذاته، يرى السعدون أن العشائر العراقية قبل 2003 كانت "قريبة من جميع الحكومات المتعاقبة. إلا أنها لم تكن شريكة في صناعة القرار". لكن، بعدها وبسبب حاجة الأحزاب السياسية الجديدة للقواعد الشعبية "أصبحت قريبة من السلطة، ومشاركة بفاعلية في صنع القرار، ومؤثرة في العملية السياسية".

وتوصل من خلال بحثه إلى استنتاج مفاده أن العشائر "ستبقى أعواماً كثيرة مقبلة ركيزة مهمة من ركائز العملية السياسية في العراق، وستبقى عاملاً مهماً يؤثر في تفاعلات تلك العملية".