أحمد حسن البكر وصدّام حسين في صورة منشورة على موقع "ويكيبيديا"
أحمد حسن البكر وصدّام حسين في صورة منشورة على موقع "ويكيبيديا"

في الرابع من أكتوبر 1982 توفي الرئيس العراقي الرابع بعد الاستقلال أحمد حسن البكر، الذي استقال خلال ولايته عام 1979 لـ"أسباب صحية"، وسلّم السلطة لنائبه صدّام حسين، بعد أن "بنى (مع صدّام) الدولة المركزية المستبدة في الفترة بين 1968 و1978"، على ما يقول كمال ديب في كتابه "موجز تاريخ العراق".

والبكر كما يتفق معظم الباحثين في التاريخ السياسي العراقي، كان شخصية أساسية في حكم العراق لأكثر من عقد، ولعب عهده دوراً رئيسياً في تثبيت حكم حزب البعث للبلاد، والتأسيس للحكم الحديدي والدموي المديد لصدّام حسين من بعده.

ولد البكر عام 1914 في مدينة تكريت بمحافظة صلاح الدين شمالي بغداد، وهو قريب لصدّام حسين من جهة أمه.

أنهى دراسته في تكريت، وتخرج ليعمل معلماً في مدرسة لستة أعوام قبل التحاقه بالكلية العسكرية سنة 1938، ليتخرج منها ضابطاً برتبة ملازم، ويبدأ منذ ذلك الحين مسيرة عسكرية حافلة بمحاولات الانقلاب، من حركة رشيد عالي الكيلاني الفاشلة ضد النفوذ البريطاني في الأربعينيات، إلى مساهمته في الإنقلاب الذي أطاح بالملكية في العراق سنة 1958، مروراً بدوره في انقلاب 1963 الذي أطاح بحكومة عبد الكريم قاسم العسكرية، وانتهاء بانقلاب 1968 الذي أمّن سيطرة تامة لحزب البعث على السلطة في العراق.

 يقول ديب، وهو خبير لبناني كندي في السياسة والاقتصاد لشؤون الشرق الأوسط: "ابتدأ البكر في الجيش العراقي باكراً حتى وصل إلى مراتب عليا، فشارك في ثورة ١٩٥٨ والحركات الانقلابية بعد ذلك. وعام ١٩٦٨ قبل نصيحة خير الله طلفاح وعيّن صدام المسؤول الأول بعده، على أساس أن الدم أثخن من العقيدة" (أي ان صلة القربى أفضل من ولاء القادة البعثيين الآخرين)".

ويضيف أن للبكر "دوراً في إدخال الضباط التكريتيين إلى المناصب الحساسة في الدولة".

وفي كتابه "العراق تاريخ سياسي من الاستقلال إلى الاحتلال"، يحكي عضيد داويشه، عن دور البكر الأساسي في التخطيط للانقلاب البعثي والاستيلاء على السلطة.

يقول: "جرى الانقلاب في السابع عشر من تموز، وقام به بعض الضباط العسكريين المخضرمين الذين كان لديهم خبرة في الانقلابات والتخطيط لها منذ الخمسينيات، ومن أقدم هؤلاء كان أحمد حسن البكر، الذي شارك في انقلاب ١٩٦٣ وجرى إقصاؤه، وبعد إحالته إلى التقاعد، أصبح السكرتير العام للقيادة القطرية في حزب البعث الذي كان يعمل بصورة سرية".

"وقام البكر بالتخطيط للاستيلاء على السلطة في السنتين الأخيرتين من عهد (الرئيس عبد الرحمن) عارف اللتين تميزتا بضعف السلطة المركزية والصراع بين الضباط"، بحسب داويشه.

لقطة من الوثائقي
"مسرحة الرعب" لدى صدام حسين.. صناعة الديكتاتورية بأعواد المشانق
أثر هذه الاعدامات ترك صداه على أجيال عراقية لسنوات قادمة، اذا تكتب هاديا سعيد في كتابها "سنوات مع الخوف العراقي" أنها كانت تسمع كلمة الإعدام "تتكرر مع رشفة استكان الشاي ومجة السيجارة وأمام صواني الطعام وبين سطور ما نقرأ أو نكتب". وتتابع أن الخوف "التحم بالنبضة والنظرة"،

وإلى جانب البكر في تلك الفترة، يتابع داويشه، كان صدام حسين الذي يصفه بأنه "شاب ذو طموح جامح وقاسي القلب"، الرجل الثاني في البعث بعد البكر في عمر لم يتجاوز الواحد والثلاثين.

يتابع في الكتاب نفسه: "على الرغم من أن صدّام لم يستلم الرئاسة إلا في عام 1979 وعلى الرغم من أنه بعد عام 1968 كان يشير بالأمور إلى الرئيس البكر، وكان يظهر متشاوراً مع القيادات العليا في الحزب، إلا أنه كان في الحقيقة، ومنذ بداية الحقبة البعثية، هو الرهان البعثي الأكثر ثقة في الاستيلاء على السلطة السياسية".

وبالفعل، في بداية عهد البكر، وتحديداً في 27 يناير 1969، افتتح صدّام حسين، بمباركة من البكر، "عهد الإرهاب"، كما يسمّيه حازم صاغية في كتابه "بعث العراق: سلطة صدّام قياماً وحطاماً"، عبر إعدام 14 شخصاً بينهم تسعة يهود بتهمة التجسس لصالح إسرائيل، في ساحة عامة في بغداد وتركهم معلقين على المشانق ودعوة الناس إلى التقاطر بالآلاف لرؤية الجثث المتأرجحة".

ويصف صاغية هذا العهد بأنه "تأسيسي لتحكيم الغرائز وتحريرها من الروادع، أخلاقية كانت أم مؤسسية وقانونية".

وفي يوم المشانق ذاك، خطب البكر في الجماهير، ونقلت كلمته الطويلة عبر التلفزيون، التي وعد فيها بـ"ضرب الطابور الخامس بيد من حديد وباستئصال الجواسيس".

يرى باحثون في التاريخ السياسي، بينهم ديب، أن البكر "ظُلم لجهة عدم إنصافه تاريخياً، وأن صدّام سرق منه الأضواء"، معتبراً أن "بناء الدولة المركزية المستبدة في الفترة منذ ١٩٦٨ إلى ١٩٧٨ على أيد بعثية بقيادة أحمد حسن البكر وصدام حسين، كان لها الأثر التاريخي الكبير على تاريخ العراق الحديث".

ويرى أنه "مهما قيل سلباً في هذه الحقبة، ليس هناك أدنى شك أن هذه المرحلة كانت أيضاً العصر الذهبي لدولة العراق في القرن العشرين، إذ أعطت الشعب الكثير من الخدمات والتقديمات وأوصلت العراق إلى مراحل متقدمة في الصناعة والثروة والعلم والبنى التحتية، وأصبح العراق دولة إقليمية يهابها جيرانها".

يستدرك ديب القول، إن "النقص كان يتمثل بالطبع بوجود نظام ديمقراطي وصحافة حرة، وهما عنصران هامان أدى غيابهما إلى سقوط هذه الدولة لعدم استقرارها".

سعى الرئيسان حافظ الأسد وصدام حسين إلى الإطاحة ببعضهما من منصبهما لكنهما فشلا مرارا.
حافظ وصدام.. العداء الذي غيّر مصير الشرق الأوسط
غضب صدام فور سماع الأغنية بعدما اعتبر أنها تتعرّض لأمه "صبحة طلفاح"، والتي منحها لقب "أم المناضلين". أوعز صدام لأجهزته الأمنية ليس فقط بمنع تداول الأغنية، بل باعتقال كل من يسمعها. عندما بلغ هذا الأمر حافظ الأسد أمر إذاعة سوريا ببث الأغنية عدة مرات يوميًّا.

بعد ما يزيد على عقد من تربّعه على كرسي الرئاسة العراقية، تنازل أحمد حسن البكر عن السلطة "لأسباب صحية" كما جاء في التبرير البعثي الرسمي لعملية انتقال السلطة منه إلى نائبه صدّام حسين.

ولا يمكن الجزم، بحسب داويشه "بخصوص ما لو كان البكر قد تنحى طواعية أو أن نائبه أجبره. إلا أن هنالك حركة سياسية ابتدأها البكر وكانت تشكّل قلقاً كبيراً لصدّام حسين"، وهذه الحركة كانت قد بدأت قبل عام، مع قرار النظامين البعثيين المتعاديين في العراق وسوريا "تجاوز خلافاتهما والسعي نحو الوحدة".

يبيّن داويشه أن اقتراب تنفيذ هذا الاتفاق كان يعني، في حال تطبيقه "أن صدام حسين سيبقى نائباً للرئيس، لكن في هذه المرة للرئيس السوري حافظ الأسد، الذي كان أكبر منه سناً وأكثر دراية، وهو شخص كان في حينها معروفاً عربياً أكثر من صدام حسين".

مصطفى الكاظمي، رئيس الحكومة العراقية السابق، يشير في كتابه "مسألة العراق- المصالحة بين الماضي والمستقبل"، إلى "مؤامرة" دبّرها صدّام حسين وبدأ بها رئاسته "ولم يُكشف عن أسرارها إلى اليوم، عندما أجبر رئيس الجمهورية أحمد حسن البكر على التنحي عن مسؤولياته لأسباب صحية".

إلى التساؤلات حول "مؤامرة" إقالته، تحضر فرضيات عن قتله ببطء. عن هذه الفرضيات يقول صاغية: "في بلد ترد أخباره على شكل شائعات، ذُكر الكثير عن استقالة البكر من الرئاسة في حزيران/ يونيو ١٩٧٩ وحلول صدام فيها، بوصفها إقالة لا يرقى إليها الشك".

وينقل صاغية أن حسين كامل (صهر صدّام الذي تمرّد عليه)، كان لاحقاً قد اتهم صدّام "بتسميم البكر تسميماً بطيئاً"، لافتاً إلى أنه لا يستطيع تأكيد الفرضية القائلة بتسميم البكر وقتله، لكن "المؤكّد أنه (صدام) انتزع منه (البكر) بالتدريج صلاحياته، لا سيما الإمساك بالجيش، وأبقاه أشبه بأسير في قصره".

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق قدر أن المقابر الجماعية في البلاد تضم رفات 400 ألف شخص
المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق قدر أن المقابر الجماعية في البلاد تضم رفات 400 ألف شخص

يسابق الفريق الأممي المسؤول عن توثيق عمليات الإبادة الجماعية التي طالت الإيزيديين في العراق، الزمن من أجل استخراج رفات الضحايا من المقابر الجماعية التي لم تخضع للفحص حتى الآن، بعد قرار الحكومة العراقية القاضي بضرورة مغادرة الفريق منتصف الشهر الجاري.

منحت الحكومة العراقية فريق بعثة التحقيق التابع للأمم المتحدة لتعزيز المساءلة عن الجرائم المرتكبة من قبل داعش في العراق "يونيتاد" حتى الـ17 من سبتمبر لإنهاء التحقيق، وفقا لصحيفة "نيويورك تايمز".

وتضيف الصحيفة أن هذه القرار سيحد من تنظيم قضايا جنائية ضد عناصر داعش، على اعتبار أن هناك عشرات المقابر الجماعية التي لم يتم الانتهاء من فحصها وتحتوي على أدلة حاسمة ضد عناصر التنظيم المتورطين.

ويسعى العراق جاهدا لطي صفحة الفترة المروعة التي سيطر فيها تنظيم داعش على مساحات واسعة من أراضيه، حيث يتجه بسرعة نحو إغلاق المخيمات التي تأوي الإيزيديين النازحين وتنفيذ أحكام الإعدام بحق مرتكبي جرائم داعش وإنهاء مهمة "يونيتاد".

لكن بالنسبة لعائلات ما يقرب من 2700 إيزيدي مفقود، فإن هذا القرار مفجع، لإن أي عظم يكتشف يمكن أن يساعد في حل لغز مصير أحبائهم الذين اختفوا خلال سيطرة تنظيم داعش على أجزاء واسعة من العراق في عام 2014.

تقول شيرين خُديدة، وهي امرأة إيزيدية أُسرت هي وعائلتها على يد داعش في عام 2014: "أنتظر بقايا عائلتي، وأعتقد أنهم هناك".

كشف تحرير المناطق التي كانت تحت سيطرة داعش في عام 2017 عن فظائع لم تكن معروفة من قبل.

وبعد فترة وجيزة، وبطلب من الحكومة العراقية، انشأت الأمم المتحدة فريقا من المحققين لتوثيق وجمع الأدلة المتعلقة بتلك الجرائم حتى تتمكن المحاكم حول العالم من محاكمة المتورطين.

لكن، في سبتمبر 2023، أبلغت السلطات العراقية محققي الأمم المتحدة أن أمامهم عاما واحدا فقط لإنهاء المهمة.

وتعد حفرة "علو عنتر" قرب تلعفر شمالي العراق، حيث ألقى داعش مئات الجثث، واحدة من 68 مقبرة جماعية ساعد فريق "يونيتاد" في التنقيب عنها، وربما يكون الأخير،، بحسب الصحيفة.

اعتبارا من يوليو، حددت السلطات العراقية 93 مقبرة جماعية يعتقد أنها تحتوي على رفات ضحايا إيزيديين، لا تزال 32 منها لم تفتح بعد في منطقتي سنجار والبعاج.

ومن بين آلاف الإيزيديين الذين لم يتم العثور عليهم، تم استخراج رفات أقل من 700 شخص، ولكن تم تحديد هوية 243 جثة فقط وإعادتها إلى عائلاتهم.

يقول رئيس وحدة العلوم الجنائية في يونيتاد آلان روبنسون إن "العمل في علو عنتر صعبا ومعقدا، لكن النتائج التي توصلنا إليها كانت مهمة".

ويضيف روبنسون أن بعض الرفات تم دفنها في أكياس للجثث، وكانت الجثث داخلها مرتدية بدلات برتقالية شوهدت في مقاطع فيديو دعائية لداعش".

كذلك وجدت رفات أخرى وبجانبها فرش الأسنان وأدوية لعلاج ضغط الدم يعتقد أن الضحايا أخذوها معهم أثناء هروبهم.

وتشير الصحيفة إلى أن العديد من الضحايا كانت أيديهم مقيدة خلف ظهورهم، والبعض الآخر كان معصوب العينين، فيما أظهرت النتائج الأولية أن البعض تعرض لإطلاق نار، بينما يبدو أن آخرين ماتوا بعد دفعهم في الحفرة.

ويلفت روبنسون إلى أن الظروف البيئية المعقدة في العراق جعلت بعض الجثث تكون أشبه بالمحنطة بدلا من أن تتحلل مما تسبب بانبعاث روائح كريهة للغاية منها.

ويتابع روبنسون: "بعد مرور ما بين سبع وعشر سنوات على وفاتهم، الرائحة لا تزال قوية، لذا يمكنك أن تتخيل كيف كانت الرائحة بعد وقت قريب من حصول الوفاة".

وفقا للصحيفة فإن قرار الحكومة العراقية بإنهاء مهمة "يونيتاد" يعد جزءا مساعيها لتأكيد سيادتها الوطنية في وقت لا تزال فيه القوات الأميركية متمركزة في البلاد والعديد من السياسيين العراقيين متحالفين بشكل وثيق مع إيران، وهي خصم للولايات المتحدة.

وتنقل الصحيفة عن الباحثة العراقية في منظمة هيومن رايتس ووتش سارة صنبر القول إن إنهاء اعتماد العراق على مؤسسات الأمم المتحدة قد يكون جزءا من محاولات البلاد لتغيير صورتها.

في مايو، دعت بغداد إلى إنهاء بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق، التي أُنشئت بعد الغزو الأميركي في عام 2003 للمساعدة في تطوير مؤسسات الحكومة وإجراء الانتخابات وحماية حقوق الإنسان. ومن المقرر أن تنتهي هذه المهمة بحلول ديسمبر 2025.

وتضيف صنبر أن "العراق يريد أن يصور نفسه كدولة ذات سيادة ما بعد الصراع"، وبعض الفصائل الداخلية ترى في وجود الأمم المتحدة "تدخلا دوليا غير مبرر في الشؤون العراقية."

وتشير صنبر إلى أن تحفظات الحكومة العراقية على عمل يونيتاد يتعلق بالأساس في أن المؤسسة الأممية رفضت تسليم الأدلة التي جمعتها إلى السلطات العراقية، رغم أنها كانت تشاركها مع دول أخرى تحاكم مقاتلي داعش.

وتفضل الأمم المتحدة، التي تعارض عقوبة الإعدام، أن يجري محاكمة عناصر داعش المتورطين دون احتمال فرض عقوبة الإعدام، لكن العراق قد حكم بالإعدام بالفعل على أعضاء داعش المدانين.

وفي رد على سؤال بشأن الخلاف المتعلق بمشاركة الأدلة وعقوبة الإعدام، قال مسؤولو يونيتاد في بيان أرسل للصحيفة إن المنظمة شاركت بعض الأدلة مع السلطات العراقية.

وأضاف مسؤولو يونيتاد أن السلطات العراقية أعربت عن استعدادها لمواصلة التنقيب عن المقابر الجماعية بعد مغادرة الفريق، رغم أنه لم يكن واضحا على الفور ما إذا كانت ستتمكن من توفير الموارد اللازمة للقيام بذلك.

وعزا محما خليل، وهو إيزيدي وعضو في البرلمان العراقي، قرار الحكومة بإنهاء تفويض يونيتاد إلى "التوتر في العلاقة بين العراق والأمم المتحدة وأيضا إلى وجود ضغوط خارجية" من دول أخرى على رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني.

رفض خليل الإفصاح عن الدول التي يعتقد أنها تمارس تلك الضغوط، لكن الحكومة العراقية لها علاقات سياسية وعسكرية مع إيران، وفقا للصحيفة.

وتعتبر قضية المقابر الجماعية في العراق من أبرز الملفات الشائكة التي عملت الحكومات العراقية على معالجتها بالتعاون مع الأمم المتحدة.

وقدر "المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق" أن المقابر الجماعية في البلاد تضم رفات 400 ألف شخص. ووفق منظمة هيومن رايتس ووتش، فإن لدى العراق واحدا من أكبر أعداد المفقودين في العالم، ويقدر عددهم بين 250 ألف ومليون شخص، يُعتقد أن الكثير منهم دُفن في مقابر جماعية.