على عكس التظاهرات التي اندلعت في العراق بعد تغيير نظام البعث، جاءت احتجاجات أكتوبر 2019 بدعوات عفوية على مواقع التواصل الاجتماعي لتشمل محافظات وسط وجنوب العراق ذات الأغلبية الشيعية، بعد إخفاق الحكومات المتعاقبة بتوفير الخدمات وفرص العمل ومكافحة الفساد.
انطلقت التظاهرات في بغداد في الأول من أكتوبر بعد تجمع المحتجين في ساحة التحرير وسط العاصمة بغداد، التي لا يفصل بينها وبين مقرات الحكومة العراقية بالمنطقة الخضراء سوى جسر الجمهورية.
ورغم أن أعداد المتظاهرين في ذلك اليوم لم تكن كبيرة جداً وكان من المتوقع على نطاق واسع أن تمر بسلام، إلا أنها سرعان ما تحولت إلى معركة دموية بعد أوامر بإطلاق النار ضد المحتجين أشارت أصابع الاتهام فيها إلى اللواء أزاد الهرمزي المقرب من رئيس الوزراء آنذاك، عادل عبد المهدي.
ولم تكتف القوات الأمنية حينها بإطلاق النار والغازات المسيلة للدموع لتفريق المتظاهرين، بل حولت الشوارع المحيطة بساحة التحرير إلى ساحات كر وفر بينها وبين المحتجين الهاربين الذين حالوا الفرار من بطش القوات الأمنية في ذلك اليوم الدامي.
أثارت المشاهد التي عرضتها مواقع التواصل للقتلى والمصابين وعنف قوات الأمن سخطا شعبيا هائلا، أدى بالنتيجة إلى خروج حشود غاضبة من العراقيين سيراً على الأقدام رغم إعلان حظر التجوال وقطع خدمة الإنترنت من قبل الحكومة.
شملت الاحتجاجات العاصمة بغداد ومختلف محافظات الوسط والجنوب في بابل وذي قار وديالى وكربلاء وميسان والمثنى والنجف والقادسية وواسط. ومن جديد واجهت القوات الأمنية المتظاهرين بالعنف المفرط.
وسجلت تقارير الأمم المتحدة 149 حالة وفاة بين المتظاهرين للفترة من (1-8) أكتوبر، 70 % منها على الأقل كانت عبر إصابات مباشرة بإطلاقات في منطقة الرأس أو الصدر، قبل أن يتم تأجيل التظاهرات لحين انتهاء الزيارة الأربعينية.
وحين عادت الاحتجاجات عاد معها العنف وسُجِلت العديد من المحطات التي تستحق التوقف عندها.
مجازر مروعة
حين تم استئناف الاحتجاجات في 25 أكتوبر قام المتظاهرون باعتصامات سلمية في الساحات الرئيسية للنجف وكربلاء والناصرية والبصرة، واتخذ متظاهرو ساحة التحرير في بغداد من بناية المطعم التركي المهجورة منذ تسعينيات القرن الماضي مقراً لتجمعهم ومبيتهم وأطلقوا عليها اسم "جبل أحد".
وشاركت في الاحتجاجات أعداد متزايدة من المتظاهرين ومن فئات متنوعة ديمغرافياً واجتماعياً بما في ذلك النساء وكبار السن وتلاميذ المدارس وطلبة الجامعات والمعلمين والمدرسين. وقام المتظاهرون بنصب خيام أتاحت مساحة استخدمت لنشاطات ونقاشات سياسية واجتماعية.
وشهدت المحافظات العراقية خلال تلك الفترة موجات عنف متعددة ارتكبت فيها مجازر بحق المحتجين، أشدها عنفاً كان في الناصرية بمحافظة ذي قار قرب جسر الزيتون الذي كان مغلقاً من قبل المحتجين بعد وصول قوات الرد السريع وتنصيب الفريق الركن جميل الشمري مشرفاً أمنياً على المدينة.
حاولت القوات الأمنية استعادة الجسر بالقوة وباشرت بإطلاق النار على خيام نصبها المحتجين فجر 28 نوفمبر لتقتل وتصيب العشرات منهم. أثارت الحادثة غضباً شعبياً عارماً تطور إلى مواجهات ساخنة مع القوات الأمنية، تلاها إحراق العديد من مقرات القوات الأمنية والأحزاب وإغلاق جسور المدينة.
وبحسب تقارير الأمم المتحدة، فقد قتل في تلك الأحداث 42 متظاهراً على الأقل وأصيب أكثر من 396 آخرين. وفي توقيت مقارب شهدت النجف أحداثاً مشابهة بالقرب من مرقد محمد باقر الحكيم بعد محاولات من محتجين لاقتحامه وحرق بوابته الرئيسة.
كما قامت قوات الأمن "عمداً ودون تمييز" بإطلاق الذخيرة الحية لتفريق متظاهرين، ما أدى إلى مقتل 18 على الأقل وإصابة 143 في ساحة التربية بكربلاء.
وفي بغداد ارتكبت مجزرة بمنطقتي السنك والخلاني المجاورتين لساحة التحرير وفي محيط منطقة مول النخيل قتل خلالها 22 شخصاً وأصيب 112 آخرون عندما أطلق مسلحون مجهولون النار عشوائياً على المحتجين.
استقالة الحكومة
بعد المجازر التي حصلت أعلن رئيس الوزراء عادل عبد المهدي استقالته رسمياً من منصبه أواخر نوفمبر 2019، بعد أن أصبحت استقالته مطلوبة من أجل تهدئة الجماهير الغاضبة واستجابة لخطبة المرجعية الدينية العليا في النجف التي طالبت بسحب الثقة عن الحكومة.
وقال عبد المهدي إن الحكومة ستبقى حكومة تصريف أعمال بما في ذلك رئيس الوزراء والوزراء، لتفادي ترك فراغ في السلطة.
وفي غضون ذلك، استمرت الاحتجاجات الشعبية بزخم أقل من السابق. وفي 24 ديسمبر أقر مجلس النواب قانونا انتخابيا جديداً يهدف إلى توسيع المشاركة في الانتخابات للمرشحين غير المنتمين إلى أحزاب سياسية، عبر الانتقال من نظام التمثيل النسبي لقوائم الأحزاب إلى نظام فردي قائم على تحديد دوائر انتخابية جديدة.
ورغم الضغط الشعبي الكبير، إلا أن مكلفين اثنين بتشكيل الحكومة أخفقا لعدم التوافق السياسي، ولم تر الحكومة الجديدة النور إلا في مايو 2020 بعد تكليف مصطفى الكاظمي برئاسة الوزراء.
موقف المرجعية
في أول خطبة جمعة بعد الاحتجاجات، رفضت المرجعية في النجف الاعتداء على المتظاهرين وعلى القوات الأمنية والممتلكات العامة. وفي الأسبوع الذي تلاه حملت المرجعية الحكومة العراقية المسؤولية كاملة "عن الدماء الغزيرة التي أريقت في مظاهرات الأيام الماضية"، بحسب خطابها.
وتدرج خطاب المرجعية وصولاً إلى تحريمها الاعتداء على المتظاهرين السلميين ومطالبة مجلس النواب "أن يعيد النظر في خياراته".
وحملت المرجعية الدينية الشيعية العليا في العراق في وقته، الحكومة والأجهزة الأمنية، مسؤولية مقتل المتظاهرين وعدم حمايتهم، وتحدثت عن وجود "عناصر مسلحة خارجة عن القانون تحت أنظار قوى الأمن، تقوم باستهداف المتظاهرين وقنصهم، وتعتدي على وسائل إعلام معينة بهدف إرهاب العاملين فيها".
وبلغ عدد البيانات الخاصة بمظاهرات تشرين 16 بياناً إلى جانب 3 تصريحات رسمية متفرقة، بحسب دراسة حملت عنوان "دور المرجعية في مظاهرات تشرين".
وتحدثت الدراسة عن "عناية المرجعية الخاصة بمظاهرات تشرين حتى أنها وصفتها باسم معركة الإصلاح، التي لا تقل شأنا عن المعركة ضد الإرهاب التي خاضها العراقيون في العام 2014".
ووصفت المرجعية الذين قتلوا فيها بأنهم "شهداء"، كما اعتبرت هذه المظاهرات مرحلة فاصلة في تاريخ العراق وأكدت على "أن الأوضاع بعد مظاهرات تشرين لن تعود كما كانت قبلها".
موقف التيار الصدري
التزم زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر في البداية الصمت تجاه الأحداث، حتى أصدر بيانا أعلن فيه تضامنه مع المحتجين وقال إن "كل السياسيين والحكوميين يعيشون في حالة رعب وهستيريا من المد الشعبي، وكلهم يحاولون تدارك أمرهم، لكن لم ولن يستطيعوا فقد فات الأوان".
وكان الصدر من أبرز الداعمين للاحتجاجات، وأسس فرقة خاصة عرفت باسم "القبعات الزرق" لحماية المحتجين في 25 أكتوبر 2019. كما أيد الدعوة إلى استقالة الحكومة وإجراء انتخابات مبكرة تحت إشراف الأمم المتحدة.
ولكن في فبراير 2020 اشتبكت "القبعات الزرق" مع المحتجين الذين رفضوا تأييد ترشيح محمد علاوي لرئاسة الوزراء.
وكان للقبعات الزرق دور كبير في رفع خيام الاعتصامات من ساحات التحرير في بغداد والصدرين في النجف والحبوبي في الناصرية باستخدام العنف. كما سيطروا على بناية المطعم التركي في ساحة التحرير وسط بغداد.
"الطرف الثالث"
وثقت بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق استهداف المحتجين من قبل "عناصر مسلحة مجهولة الهوية" مارست عمليات قتل وتهديد بهدف قمع المتظاهرين باستخدام العنف كوسيلة لإسكاتهم وخلق بيئة من الخوف والترهيب لثنيهم عن المشاركة، أطلق عليهم عراقياً اسم "الطرف الثالث".
وقامت البعثة بتوثيق مقتل 109 متظاهرين و821 إصابة في مواقع الاحتجاج من قبل عناصر مسلحة مجهولة الهوية. وعبر تلك الجهات نفسها وثقت الأمم المتحدة 32 محاولة اغتيال أدت لمقتل 23 شخصاً وإصابة 13 آخرين واختفاء 20 متظاهراً.
وفي معظم الحالات كما أشارت البعثة فإنه "لم يتم الكشف عن عضويتهم ولم يعلن أحد مسؤولياته عنها ولم يتم التعرف على الجناة".
وحددت حادثتين في بغداد بتاريخ 4 أكتوبر 2019 في منطقة ساحة الخلاني ومول النخيل بإطلاق الرصاص الحي وكانت الكثير من الوفيات بإصابات في الرأس بواسطة قناص.
حضور قوي للمرأة
لعبت النساء والفتيات دوراً بارزاً في مظاهرات أكتوبر. وبالإضافة إلى المشاركة في التظاهرات والاعتصامات، تطوعن كمسعفات وساهمن في تقديم الإمدادات الغذائية وغيرها من المساعدات اللوجستية وتحشيد الرأي العام عبر مواقع التواصل.
ورصدت بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق في تقرير لها تعرض المشاركات إلى "حملات تشويه وواجهن بيئة عدائية مشبعة بمخاطر جمة على النساء المشاركات في المجتمع المدني والأنشطة". كما جرى تصنيفهن على أنهن "منحلات أخلاقياً".
وأسوة بالرجال، كانت الناشطات عرضة لعمليات الاغتيال كما جاء في التقرير الذي قال إن البصرة شهدت قتل ناشط وزوجته على أيدي مسلحين مجهولين في منزلهم. وتعرضت ناشطة إلى محاولة اغتيال بأسلحة كاتمة في الناصرية نجت منها بأعجوبة، كما جرى توثيق اختطاف أربع نساء من قبل عناصر مسلحة مجهول الهوية.
