مبنى المطعم التركي وسط العاصمة العراقية بغداد- فرانس برس
مبنى المطعم التركي وسط العاصمة العراقية بغداد- فرانس برس

قبل أن يطلق عليها محتجو أكتوبر اسم "جبل أحد" كانت بناية ساحة التحرير الشهيرة مركزاً تجارياً ومقراً للشركات الأجنبية عرفت باسم "المطعم التركي" خلال افتتاحها ثمانينيات القرن الماضي.

ورغم وعد حكومي بتحويلها إلى متحف يحمل اسم "تشرين"، إلا أن مخططات أمانة بغداد لها أخذت منحنى آخر.

بدأت فكرة إنشاء مجمعات تجارية أواخر سبعينيات القرن الماضي ضمن خطة للنهوض بواقع العاصمة المعماري، عبر إنشاء أربعة مشاريع ذات طراز متشابه من حيث السطوح البيضاء والأقواس البسيطة الواضحة.

أحد تلك المشاريع كان "مجمع التحرير التجاري" الذي صممه مكتب "بيتريا" اليوناني للاستشارات عام 1981 وجرى تنفيذه من قبل شركة آنسل الهندية وبإشراف من أمانة بغداد، ليتم افتتاحه عام 1984.

يتكون المبنى الذي يقع في واحدة من أكثر المناطق حيوية في بغداد من 14 طابقاً وبارتفاع 58 متراً. شغلت طوابقه شركات تجارية أجنبية ومحلية ومطعم راقٍ يقدم المأكولات التركية في طابقه العلوي، يمكن للجالس خلف شرفاته ذات الستائر المخملية باللونين الأحمر والأصفر التمتع بإطلالة على نهر دجلة أو على نصب الحرية.

ورغم أن البناية حملت اسم "مجمع التحرير التجاري" ووضع أعلاها لافتة ضوئية ضخمة حملت اسم "مطعم السدير التركي" إلا أنها عرفت شعبياً باسم بناية "المطعم التركي".

تدهورت أوضاع المجمع بعد حرب الخليج الثانية وتلو حصار التسعينيات، فبدأت الشركات تغادر العراق تباعاً وترك المبنى فارغاً حتى عام 2001، عندما قررت الحكومة العراقية تشكيل هيئة الشباب والرياضة العراقية واتخذت من المبنى مقراً لها.

استمر عمل الهيئة حتى عام 2003 عندما تعرض إلى القصف بقذائف صاروخية، وبقي مهجوراً منذ ذلك التاريخ لشبهات وجود تلوث إشعاعي في بعض طوابقه.

وفي عام 2009 حصل مستثمر لم يتم الإعلان عن اسمه على عقد إيجار طويل الأمد لبناية المطعم التركي من أمانة بغداد بغية تحويله إلى فندق خمسة نجوم ومركز متخصص بالاقتصاد والاستثمار.

تلكأ المشروع ولم يتم استكماله نتيجة خلافات بين المستثمر وأمانة بغداد، فبقي الموقع مهجوراً حتى عام 2011 عندما تحول إلى منصة مراقبة على المتظاهرين من قبل الأجهزة الأمنية، إثر خروج احتجاجات مناوئة لرئيس الوزراء آنذاك نوري المالكي، كان مقرها ساحة التحرير التي يطل عليها المبنى بشكل مباشر.

"جبل أحد"

بقي المبنى مهجوراً مع تمركز عدد محدود من القوات الأمنية حوله وداخله. وفي الأول من أكتوبر  2019 انطلقت واحدة من أكبر المظاهرات وأكثرها دموية في العراق، وخلال الموجة الأولى منها لم يتم الالتفات إلى البناية المهجورة سواء من قبل المتظاهرين أو القوات الأمنية.

لكن، خلال الموجة الثانية التي انطلقت في 25 من الشهر ذاته، قرر المحتجون تحويل بناية المطعم التركي بموقعها الإستراتيجي المطل على جسر الجمهورية والمنطقة الخضراء إلى غرفة عمليات وبرج مراقبة لدعم المحتجين حال تقدم القوات الأمنية تجاههم.

تسلق المحتجون بصعوبة أدراج البناية المهجورة منذ سنوات، التي تحولت إلى ما يشبه مكب نفايات كبير، وقاموا بحملات لتنظيفها وتحويلها لموقع يصلح للمبيت، زودوه بالمياه والكهرباء.

وخلال أيام معدودة، تحولت واجهة البناية إلى لوحة ضخمة علقت عليها أعلام عراقية ضخمة، ولافتات كبيرة تحمل الشعارات التي كان يرددها المتظاهرون، ولوحات لصور قتلى الاحتجاجات.

أطلقت في البداية أسماء عديدة على البناية منها "الجنائن المعلقة" و"قلعة الصمود" قبل أن يستقر المحتجون على اسم "جبل أحد" تيمنا بالجبل الموجود في المملكة العربية السعودية الذي شهد معركة "أحد" الشهيرة في التاريخ الإسلامي، حيث التف "المشركون" فيها على المسلمين في إشارة ضمنية إلى أن خسارة المبنى تعني نهاية المعركة.

وهو ما حصل فعلاً في فبراير 2020 عندما أخلي المبنى من المتظاهرين بالقوة، واستقرت فيه القوات الأمنية وأغلقته منذ ذلك الحين.

مصير البناية

في مطلع أكتوبر 2020، أعلن مكتب رئيس الوزراء السابق مصطفى الكاظمي تحويل بناية "المطعم التركي" بإشراف مكتبه الخاص إلى متحف لاحتجاجات أكتوبر يطلق عليه اسم "متحف تشرين"، بالإضافة إلى مركز وطني للفن العراقي، إلا أن المشروع لم يتم تنفيذه.

أسباب عدم تنفيذ المشروع لخصها مستشار رئيس مجلس الوزراء لشؤون الإعمار صباح عبد اللطيف مشتت، في تصريحات إعلامية (أغسطس 2021)، قال فيها: "المشروع لا يزال قائما. لكن، هناك مشكلة تشكل عائقاً أمام المباشرة في تنفيذ المشروع وهي ملكية الأرض".

وأكد وجود "دعوى قضائية رفعت من قبل أحد الأشخاص يدعي بأنه يمتلك إجازة استثمار سابقة من أمانة بغداد، باعتبار أن الأرض تعود ملكيتها للأمانة"، مبيناً أنه "لا يمكن المباشرة في تفاصيل المشروع دون حسم مشكلة الملكية".

ومع حلول الذكرى الرابعة لاحتجاجات أكتوبر، لا تزال التساؤلات قائمة حول مصير بناية "مجمع التحرير" أو "المطعم التركي" أو "جبل أحد" تشغل الرأي العام نظراً لرمزيتها وموقعها الحساس وسط العاصمة بغداد وعدم استغلالها حتى الآن.

في هذا، يقول المتحدث باسم أمانة بغداد محمد الربيعي، لـ"ارفع صوتك"، إن الدعوى القضائية التي تم رفعها نتيجة خلاف على العقد السابق، نجحت، دون ذكر مزيد من التفاصيل حول طبيعة القضية.

ويبين أن أمانة بغداد "لديها رؤية لتجديد البناية وإعادة رونقها كما كانت عليه في السابق، عبر عرضها للاستثمار كمطعم تركي ومركز لرجال الأعمال".

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

Iranian President Pezeshkian visits Iraq
جانب من لقاء رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني بالرئيس الإيراني مسعود بزشكيان- رويترز

وصل الرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، صباح الأربعاء، إلى بغداد في أول زيارة له إلى الخارج منذ انتخابه في يوليو الماضي.

وجاء في بيان لمكتب رئيس الوزراء العراقي، محمد شياع السوداني، أن هذا الأخير استقبل بزشكيان، مرفقا بيانه بصورة يتصافح فيها الرجلان على مدرج المطار.

ويسعى الرئيس الإيراني لتعزيز العلاقات الثنائية الوثيقة أصلا بين البلدين.

وتعهد بزشكيان إعطاء "الأولوية" لتعزيز العلاقات مع الدول المجاورة في إطار سعيه إلى تخفيف عزلة إيران الدولية وتخفيف تأثير العقوبات الغربية على الاقتصاد، وفقا لفرانس برس.

وقال في أغسطس "العلاقات مع الدول المجاورة (...) يمكن أن تحيّد قدرا كبيرا من الضغوط الناجمة عن العقوبات".

كما تعهد بزشكيان خلال حملته الانتخابية السعي لإحياء الاتفاق الدولي لعام 2015 الذي أتاح رفع عقوبات اقتصادية عن طهران لقاء تقييد أنشطتها النووية. وانسحبت الولايات المتحدة أحاديا من الاتفاق في 2018 معيدة فرض عقوبات قاسية خصوصا على صادرات النفط.

وعيّن بزشكيان مهندس اتفاق عام 2015 الدبلوماسي المخضرم، محمد جواد ظريف، نائبا له للشؤون الاستراتيجية في إطار سعيه إلى انفتاح إيران على الساحة الدولية.

وتعززت العلاقات بين العراق وإيران خلال العقدين الماضيين بعد الغزو الأميركي في العام 2003 الذي أطاح بنظام، صدام حسين.

وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، ناصر كنعاني، هذا الأسبوع "ستكون هذه الرحلة فرصة لتعزيز وتعميق العلاقات الودية والأخوية بين البلدين في مختلف المجالات".

وذكر موقع الرئاسة الإيرانية الإلكتروني، الخميس الماضي، أن زيارة بزشكيان ستستمر ثلاثة أيام. وأشار إلى أن الرئيس الإيراني سيعقد، بالإضافة إلى الاجتماعات الرسمية، لقاءات مع إيرانيين في العراق ومع رجال أعمال. وسيزور النجف وكربلاء والبصرة.

شريكان تجاريان

وتتمتع إيران التي تعد أحد الشركاء التجاريين الرئيسيين للعراق بنفوذ سياسي كبير في العراق. ويهيمن حلفاء طهران العراقيون على البرلمان، وكان لهم دور أساسي في اختيار رئيس الحكومة الحالي.

ويزور سنويا ملايين الإيرانيين مدينتَي النجف وكربلاء العراقيتين المقدستين.

وذكرت وسائل إعلام إيرانية أن حجم التجارة غير النفطية بين إيران والعراق بلغ نحو خمسة مليارات دولار بين مارس ويوليو 2024.

وتصدّر إيران كذلك ملايين الأمتار المكعبة من الغاز يوميا إلى العراق لتشغيل محطات الطاقة. وهناك متأخرات في الدفع على العراق مقابل هذه الواردات التي تغطي 30% من احتياجاته من الكهرباء، تقدر بمليارات الدولارات.

وفي سبتمبر 2023، أطلق البلدان "مشروع ربط البصرة-الشلامجة" للسكك الحديد وهو خط سيربط المدينة الساحلية الكبيرة في أقصى جنوب العراق بمعبر الشلامجة الحدودي على مسافة أكثر من 32 كيلومترا.

تعاون أمني

وتأتي زيارة بزشكيان وسط اضطرابات في الشرق الأوسط أثارتها الحرب التي اندلعت في قطاع غزة بين إسرائيل وحركة حماس - المصنفة إرهابية في الولايات المتحدة ودول أخرى - في السابع من أكتوبر الماضي، والتي دفعت المجموعات المسلحة المدعومة من إيران في جميع أنحاء المنطقة لدعم الفلسطينيين وعقّدت علاقات بغداد مع واشنطن.

وتنشر الولايات المتحدة زهاء 2500 جندي في العراق ونحو 900 في سوريا المجاورة، في إطار التحالف الذي أنشأته عام 2014 لمحاربة تنظيم داعش. ويضم التحالف كذلك قوات من دول أخرى لا سيما فرنسا والمملكة المتحدة.

وتطالب فصائل عراقية مسلحة موالية لإيران بانسحاب هذه القوات.

وتجري بغداد وواشنطن منذ أشهر مفاوضات بشأن التقليص التدريجي لعديد قوات التحالف في العراق.

وأعلن وزير الدفاع العراقي، ثابت العباسي، الأحد الماضي، أن بغداد وواشنطن توصلتا إلى تفاهم حول جدول زمني لانسحاب قوات التحالف الدولي من العراق "على مرحلتين"، مرجحا أن يتم توقيع اتفاق بهذا الشأن قريبا.

وسيكون لبزشكيان محطة في أربيل، عاصمة إقليم كردستان الذي يحظى بحكم ذاتي، حيث سيلتقي مسؤولين أكراد، على ما أفادت وكالة الأنباء الرسمية الإيرانية "إرنا".

وفي مارس 2023، وقع العراق وإيران اتفاقا أمنيا بعد أشهر قليلة على تنفيذ طهران ضربات ضد مجموعات كردية معارِضة في شمال العراق.

ومنذ ذلك الحين، اتفق البلدان على نزع سلاح المجموعات المتمردة الكردية الإيرانية وإبعادها عن الحدود المشتركة.

وتتّهم طهران هذه المجموعات بالحصول على أسلحة من جهة العراق، وبتأجيج التظاهرات التي اندلعت في أعقاب وفاة الشابة الكردية الإيرانية، مهسا أميني، في سبتمبر 2022، بعد أيام على توقيفها من جانب شرطة الأخلاق لعدم التزامها بقواعد اللباس الصارمة.

ويوجد في العراق عدة أحزاب وفصائل مسلحة متحالفة مع إيران. وتعمل طهران على زيادة نفوذها في العراق منذ أن أطاح الغزو الذي قادته الولايات المتحدة بصدام حسين في عام 2003.

وقال بزشكيان، وهو معتدل نسبيا، قبل زيارته وفقا لوسائل إعلام رسمية إيرانية "نخطط لتوقيع عدد من الاتفاقيات. سنلتقي مع مسؤولين عراقيين كبار في بغداد".