صورة تعبيرية لأستاذ عراقي في مدينة الموصل شمال العراق- أرشيف فرانس برس
صورة تعبيرية لحصة مدرسية في مدينة الموصل شمال العراق- أرشيف فرانس برس

تباينت الأوضاع الاجتماعية والمعيشية للمعلمين والكوادر التدريسية في العراق خلال الحقب الماضية، بداية بـ"الأفندي" ذي المكانة الاجتماعية المرموقة، انتهاء بحاله اليوم، بحيث يعمل مهناً إضافية بحثاً عن لقمة العيش.

ويوافق الخامس من أكتوبر كل عام، اليوم العالمي للمعلم، لإحياء ذكرى توقيع توصية منظمة  منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) ومنظمة العمل الدولية لعام 1966 المتعلقة بتسليط الضوء على أحوال المدرسين.

وبحسب اليونسكو، تضع هذه التوصية مؤشرات مرجعية تتعلق بحقوق ومسؤوليات المعلمين، ومعايير إعدادهم الأولي وتدريبهم اللاحق، وحشدهم، وتوظيفهم، وظروف التعليم، والتعلم. 

ومر المعلمون والكوادر التدريسية في العراق على مدى الـ 100 عام الماضية من تاريخ تأسيس العراق الحديث، بعدة مراحل اجتماعية واقتصادية، كان للظروف التي شهدها البلد سياسيا واقتصاديا دور وتأثير بارز عليهم.

 

العهد الملكي

خلال الحكم الملكي للعراق، تميز الأساتذة بارتداء ملابس ذات طابع أوروبي، مع قبعة الرأس (السدارة)، وهي نفسها التي يرتديها الملك ورئيس الوزراء والوزراء والنواب وكبار موظفي الدولة.

وكان المعلم يُدعى "الأفندي" ويتلقى راتباً عالياً يصل ٣٥ دينارا، حين كان الدينار الواحد يساوي 2.8 دولار أميركي بحسب البنك المركزي العراقي.

كما تمتع بالعديد من الامتيازات، كمقابلة مسؤولي الدولة مباشرة، وتوفير السكن له ولعائلته.

 

عهد الجمهورية

حافظ المعلمون على مكانتهم الاجتماعية والاقتصادية في العراق في بداية النظام الجمهوري، وأصبحت أوضاعهم المعيشية أفضل حتى وصلت إلى أوجها في سبعينيات القرن الماضي، عندما كانوا يقضون عطلتهم الصيفية في أوروبا، معتمدين على رواتبهم التي كانت تتراوح ما بين (100– 300) دينار أو أكثر لمن يمتلك خدمة ومؤهلات أكبر، آنذاك كانت الدينار الواحد يساوي 3.3778 دولاراً.

تقول سمية مهدي، وهي معلمة متقاعدة منذ عامين، لـ"ارفع صوتك": "تعينت عام 1983 براتب مقداره 89 ديناراً عراقيا، كنا نعيش برفاهية بفضل الراتب، خاصة أن الأسواق ومتطلبات الحياة في تلك الفترة كانت رخيصة. ووصل راتبي قبل الحصار الذي شهده العراق في التسعينيات إلى 300 دينار".

"وبعد الحصار عشنا أوضاعا مأساوية، فاضطررنا إلى بيع كل ما نمتلك من أثاث المنزل والذهب" تضيف مهدي.

أما راتبها التقاعدي اليوم "فلا يكفي لسد احتياجات عائلتها"، وتطالب الحكومة بزيادة الرواتب.

ورغم الأوضاع المالية الجيدة التي تمتع بها المعلمون في الثمانينيات، لكن حدثت تغييرات إثر الحرب العراقية الإيرانية، فالنظام العراقي السابق زج بالمعلمين والكوادر التدريسية في الحرب عبر تشكيلات الجيش الشعبي، وكان المعلمون المتخلفون عن الانضمام لهذه القوات يتهمون بالهرب من الجيش ثم يحاكمون عسكريا بعقوبات مختلفة تصل إلى قطع الأذن والإعدام في بعض الأحيان.

وقتل العديد من المعلمين خلال المعارك والبعض الآخر تعرض للأسر في إيران. وبعد انتهاء الحرب، كان منهم المرضى الذين توفوا لاحقاً.

وخلال التسعينيات، انخفضت رواتب المعلمين إثر الحصار الدولي المفروض على العراق لغزوه دولة الكويت عام 1991، وأصبح المعلم يستلم 3 آلاف دينار عراقي (أقل من دولارين)، وكان لا يكفي لشراء جورب أو أي قطعة ملابس بسيطة، فاضطر غالبيتهم إلى فتح بسطات في الأسواق بعد الدوام لإعالة أسرهم.

هذا الوضع استمر حتى عام 2003، ليدخل التعليم بشكل عام في العراق، حقبة مختلفة بين صعود وهبوط.

 

ما بعد 2003

تشير إحصائيات رسمية صادرة عن وزارة التربية العراقية نهاية العام الماضي، إلى أن عدد المعلمين والكوادر التدريسية حوالي 750 ألف معلم، من بينهم المحاضرون المنضمون للسلك التعليمي خلال عام 2019. وشهد عام 2021 انضمام نحو 219 ألف محاضر للسلك التعليمي بعد تثبيتهم بحسب نظام العقود.

وعن أحوال المعلمين، تخبرنا أسماء إسماعيل، وهي معلمة في إحدى مدارس بغداد، تعمل منذ أكثر من 35 عاماً في القطاع الحكومي: "بداية التغيير حصل بعد عام 2003، إذ حدثت نقلة نوعية لحياتنا المعيشية كمعلمين وموظفين، لأن رواتبنا شهدت قفزة نوعية من دولارين إلى نحو 500 دولار، وتقاضينا الرواتب في البداية بالدولار، وشهدت الأسواق انفتاحاً كبيراً في كل شيء، وكنا سعيدين وننتظر أن تعود مكانتنا إلى ما كانت عليه في الماضي".

"لكن بعد سنوات، ارتفعت الأسواق وبدأت الأزمة الاقتصادية وتدهورت الأوضاع الأمنية، واستمرت الأسعار بالارتفاع، والدينار لم يستعد عافيته"، تضيف إسماعيل لـ"ارفع صوتك".

وتتابع: "حالياً، بالنسبة لي أستلم شهرياً نحو مليوني دينار، وهو مبلغ لا يكفي لسد احتياجات البيت والعائلة".

في السياق، يؤكد الخبير الاقتصادي، خطاب عمران الضامن: "بعد التغيير عام 2003، شُرعت بعض القوانين التي نظمت عمل المؤسسات التربوية والتعليمية، بالتالي حصل المعلمون على رواتب مجزية، واستمروا على هذا الحال حتى عام 2020".

"مع جائحة كورونا والتضخم الذي حصل في الاقتصاد الدولي وارتفاع أسعار المواد الغذائية، وطبيعة الاقتصاد العراقي الذي يعتمد على الاستيراد من الخارج، أدى كل هذا  إلى ارتفاع معظم أسعار المواد الغذائية والسكن وجميع تكاليف المعيشة، بالتالي انخفضت القدرة الشرائية لرواتب المعلمين في العراق"، يقول الضامن لـ"ارفع صوتك".

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

السلطات الطاجيكية تشن حملة قمع ضد اللحى والحجاب
السلطات الطاجيكية تشن حملة قمع ضد اللحى والحجاب

بدأت طاجيكستان حملة قمع واسعة تستهدف المظاهر الدينية كاللحى الطويلة والحجاب، بعد اتهام عدد من الطاجيكيين بتنفيذ هجوم إرهابي كبير في موسكو، بحسب تقرير مطول لصحيفة "نيويورك تايمز".

وأشار مسؤولون أميركيون إلى أن تنظيم "داعش-خراسان" المتطرف، الذي ينشط في آسيا الوسطى، كان وراء الهجوم، وهو ما سلط الضوء على الدور الذي يلعبه الطاجيك المتطرفون في تنفيذ عمليات إرهابية على مستوى العالم.

وبعد اعتقال رجال طاجيك واتهامهم بشن هجوم إرهابي على قاعة حفلات في موسكو في مارس الماضي، أدى إلى مقتل 145 شخصاً وإصابة أكثر من 500، كان المواطنون هناك يتوقعون حملة قمع حكومية.

وتستعرض الصحيفة قصة فتاة طاجيكية في الـ27 من العمر، شاهدت عناصر من السلطات المحلية تحمل مقصا خارج أحد المطاعم في دوشانبي، عاصمة طاجيكستان، وهي تقص اللحى التي اعتبرت طويلة للغاية.

وتعرضت الفتاة بحسب حديثها للصحيفة إلى الاعتقال عدة مرات حتى قررت التخلي عن الحجاب حتى لا يؤثر على مستقبلها المهني.

 وتفرض الحكومة الطاجيكية برئاسة إمام علي رحمن، الذي يتولى السلطة منذ أكثر من ثلاثة عقود، كثيرا من القيود ومنها حظر الحجاب في المدارس منذ عام 2007 والمؤسسات العامة في طاجيكستان منذ عام 2009.

واعتمد البرلمان في الدولة ذات الأغلبية المسلمة التي يبلغ عدد سكانها حوالي 10 ملايين نسمة مسودة تعديلات على قانون "التقاليد والاحتفالات" والتي ستحظر ارتداء "الملابس الغريبة عن الثقافة الطاجيكية"، وهو مصطلح يستخدمه المسؤولون على نطاق واسع لوصف الملابس الإسلامية، بحسب إذاعة أوروبا الحرة "راديو ليبرتي". 

وتمنع التعديلات أيضا استيراد تلك الملابس وبيعها والإعلان عنها.

وفرضت غرامات مالية كبيرة  تتراوح ما بين 660 إلى 1400 دولار على من يخالف هذه القوانين، ما يزيد الضغط على السكان في بلد يعاني من الفقر والبطالة.

وفي عام 2018، قدمت طاجيكستان دليل الملابس الموصى بها الذي يحدد ألوان الملابس وأشكالها وأطوالها وموادها "المقبولة".

وأنشأت الحكومات المحلية فرق عمل خاصة بينما داهمت الشرطة الأسواق لاعتقال "المخالفين"، بحسب "راديو ليبرتي". 

فرق عمل حكومية في طاجيكستان تغرم النساء اللاتي ترتدين الحجاب في الشوارع

يُظهر مقطع فيديو حديث يُزعم أنه لموظفي مستشفى في جنوب طاجيكستان وهم يساعدون زائرتين ترتديان الحجاب في تنسيق غطاء الرأس "على الطريقة الطاجيكية" بربطه خلف رأسيهما كوشاح، بحسب راديو "ليبرتي". 

 

 

ويبدو أن المنطق وراء هذا هو القضاء على المظاهر العامة للإسلام المحافظ، وهو ما تعتقد الحكومة أن من شأنه أن يساعد في كبح جماح الإسلام المحافظ والحد من التطرف.

ورغم هذه التدابير، يشير خبراء مكافحة الإرهاب إلى أن هذه السياسة قد تأتي بنتائج عكسية.

ويرى لوكاس ويبر، المؤسس المشارك لمنظمة "ميليتانت واير" التي تركز على بحث نشاط الجماعات المتطرفة، إن الحملة القمعية التي تقودها الحكومة قد تؤدي إلى زيادة الغضب والاحتقان الاجتماعي، مما يغذي مزيدا من التطرف بدلا من الحد منه.

وأضاف أن ردود الفعل الحكومية على الهجمات الإرهابية قد تكون بالضبط ما يسعى إليه المتطرفون، إذ يرغبون في تأجيج التوترات بين المواطنين والسلطات.

إلى جانب القمع الداخلي، زادت طاجيكستان من تعاونها الأمني مع روسيا بعد الهجوم الإرهابي في موسكو، حيث يُنظر إلى الطاجيكيين المهاجرين في روسيا بريبة متزايدة.

ويعمل حوالي مليون طاجيكي في روسيا، ما يمثل نحو 10 في المئة من سكان البلاد، وهم يرسلون أموالا حيوية لعائلاتهم في الوطن.

ولكن في أعقاب الهجمات، أصبح الطاجيكيون هدفا رئيسيا للمداهمات الأمنية في روسيا، لتفتيش مساكنهم وأوراقهم الثبوتية بانتظام.

هذا الاعتماد الكبير على روسيا لم يمنع طاجيكستان من تعزيز علاقاتها مع دول أخرى، فقد بدأت أيضاً في تعزيز التعاون مع الصين، رغم التقارير التي تفيد ببناء قاعدة صينية في شمال البلاد، وهي تقارير نفتها بكين.

ووقعت طاجيكستان اتفاقية أمنية مع الولايات المتحدة في مايو الماضي، تهدف إلى تحسين مراقبة الأشخاص الذين يدخلون البلاد ويشتبه في صلتهم بالجماعات المتطرفة.

ويرى مراقبون أن التركيز على المظاهر الدينية قد لا يكون حلا فعالا لمكافحة الإرهاب، خاصة أن بعض أفراد عائلات المتهمين في الهجوم الإرهابي في موسكو أشاروا إلى أن المتورطين لم يظهروا أي علامات خارجية على التدين أو التطرف، مما يدل على أن هؤلاء المتطرفين قد يحاولون التهرب من التدابير الأمنية من خلال الابتعاد عن المظاهر الإسلامية التقليدية، بحسب صحيفة "نيويورك تايمز".

وقالت جولراكات ميرزوييفا (59 عاما)، والدة أحد المتهمين في الهجوم، إن ابنها لم يكن متدينا بشكل علني ولم يظهر أي ميول للتطرف.

وأشارت إلى أن الفقر والظروف الاقتصادية القاسية هي التي دفعت ابنها إلى السفر مرارا للعمل في روسيا لتوفير احتياجات أسرته.

كان المهاجمون الأربعة المتهمون يعملون في روسيا لعدة أشهر على الأقل، وكان بعضهم يقوم برحلات متكررة للدخول والخروج.

ويشير خبراء في مجال حقوق الإنسان إلى أنه بدلا من أن تعالج الدولة المشاكل الجوهرية مثل الفساد وانعدام العدالة الاجتماعية، تبحث عن أمور مظهرية قد لا يكون لها علاقة بجذور أزمة التطرف. 

وقال العديد من سكان دوشانبي لراديو ليبرتي إنهم لا يدعمون حظر أنواع معينة من الملابس لأنهم يعتقدون أن الناس يجب أن يكونوا أحرارا في اختيار الملابس التي يريدون ارتدائها.