وصل رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني بالأمس إلى العاصمة الروسية موسكو في زيارة رسمية ستمتد أياماً عدة، من المقرر أن يلتقي فيها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. كيف بدأت العلاقات الثنائية بين روسيا والعراق؟ وما هي المحطات الأهم في تاريخ تلك العلاقة؟
العلاقات المبكرة
تم تأسيس أول علاقات دبلوماسية بين العراق والاتحاد السوفيتي في سنة 1944م زمن المملكة العراقية الهاشمية. ولكنها قُطعت في سنة 1955م، حينما قرر رئيس وزراء العراق حينها نوري السعيد تجميد العلاقات مع موسكو بسبب انتقاد الأخيرة لقرار العراق الانضمام إلى حلف بغداد.
عادت العلاقات بين الدولتين بالتزامن مع الانقلاب العسكري في بغداد في يوليو 1958م. اهتم الزعيم السوفيتي نيكيتا خروتشوف بأخبار هذا الانقلاب باعتباره وسيلة لجذب العراق إلى المعسكر السوفياتي. وسارعت موسكو حينها إلى الاعتراف بحكومة زعيم الانقلاب عبد الكريم قاسم. وفي تلك الظروف، سمحت السلطات العراقية أن يمارس الحزب الشيوعي العراقي أنشطته المختلفة.
ويذكر الباحثان أوليس سمولانسكي وبتي سمولانسكي، في كتابهما "الاتحاد السوفيتي والعراق: السعي السوفيتي من أجل النفوذ"، أن الجانبين العراقي والسوفيتي سرعان ما عملا على تطوير العلاقات الثنائية بينهما، وذلك عندما قاما في سنة 1959م بعقد اتفاقية اقتصادية قدمت موسكو بموجبها 137 مليون دولار لتطوير الاقتصاد العراقي. لكن، على الرغم من ذلك، تعرضت العلاقات الروسية- العراقية لبعض الضعف والفتور في الفترة ما بين 1960- 1962م بسبب سوء العلاقة بين عبد الكريم قاسم وكوادر الحزب الشيوعي العراقي.
في زمن حكم حزب البعث
في 1968م وصل حزب البعث العراقي إلى السلطة بعد انقلاب ناجح. وبعد فترة قام الحزب باستهداف عناصر الحزب الشيوعي، ما أدى إلى تدهور العلاقات مع الإتحاد السوفيتي. لكن بعد فترة قصيرة، عاود قادة حزب البعث التواصل مع موسكو. وحرصوا على تدشين بعض المعاهدات معها.
على سبيل المثال، عُقدت معاهدة الصداقة والتعاون بين العراق والاتحاد السوفيتي في التاسع من أبريل سنة 1972م. وفي السنة نفسها أيدت موسكو القرار العراقي بتأميم حقول النفط. يفسر أوليس سمولانسكي أسباب هذا التأييد بالقول إن "هذا التأميم كان يصب في مصلحة السوفييت في ضرب مصالح الغرب الاقتصادية، وأيضاً كان سيوفر أرباحاً اقتصادية هائلة لهم عبر السيطرة على القطاع النفطي العراقي من خلال بيع المعدات والمكائن، التي كان يتوقع أن يدفع العراق أسعارها بالعملة الصعبة".
شهدت العلاقات الروسية العراقية تقارباً إضافياً بعد وصول الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين إلى السلطة. توسع صدام حسين في استيراد الأسلحة الروسية في سبيل تحقيق طموحه الرامي إلى تضخيم قوة الجيش العراقي. وكان العراق من أهم مستوردي المعدات الحربية السوفيتية. وبلغ حجم المبيعات العسكرية للعراق في تلك الفترة قيمة 30.5 مليار دولار.
على الجانب الآخر، ارتبط العراق خلال تلك الفترة بعلاقات اقتصادية جيدة بموسكو. شكلت الصادرات الروسية إلى العراق قبل سنة 2003م ما يقرب من نصف إجمالي الصادرات الروسية إلى المنطقة العربية. وكانت روسيا هي الشريك التجاري الأول للعراق.
لكن على الرغم من هذا التقارب، فإن روسيا لم تقدم دعمها الكامل لصدام حسين فيما يخص مغامراته العسكرية التي أقدم عليها. على سبيل المثال عارضت موسكو الغزو العراقي للكويت في سنة 1990م. ووافقت على القرار 678 الصادر عن مجلس الأمن، والذي سمح باستخدام القوة في إخراج الجيش العراقي من الكويت. في هذا السياق، جاءت خطوة الحكومة الروسية في سنة 1992م القاضية بإرسال قطعتـين من أسطولها الحربي إلى الخلـيج للمشـاركة فـي أيـة مواجهـة ضـد العـراق.
بعد سقوط صدام حسين
يذكر الباحث فرزاد رمزاني بونيش، في دراسته "أهداف روسيا ونهجها تجاه العراق"، أنه ورغم المعارضة الروسية للغزو الأميركي للعراق في سنة 2003م، إلا أنَّ موسكو تكيّفت سريعاً مع الأمر الواقع. وتعاونت مع الحكومة الجديدة.
في هذا السياق تم استئناف العلاقات الدبلوماسية الثنائية. فافتتحت القنصلية العامة الروسية في أربيل (كردستان العراق) في نوفمبر سنة 2007م. كما تم افتتاح القنصلية العامة الروسية في مدينة البصرة في أغسطس سنة 2011م. وكخطوة على طريق التقريب بين البلدين، أعلن الرئيس الروسي فلاديمير في نوفمبر سنة 2004م عن شطب 90% من ديون بلاده المستحقة على العراق.
بشكل عام، يمكن أن نحدد أربعة محاور رئيسة للعلاقات القائمة حالياً بين موسكو وبغداد. يتمثل المحور الأول في صفقات الأسلحة التي توردها روسيا إلى الجيش العراقي. وذكرت بعض التقارير أن روسيا وقعت في سنة 2014م عقوداً ضخمة لتسليم العراق دفعة كبيرة من المدافع وراجمات الصواريخ والذخائر بمبلغ مليار دولار.
أما المحور الثاني فيتمثل في الملف النفطي. وقد قامت الشركات النفطية الروسية باستثمار أكثر من 10 مليارات دولار في قطاع الطاقة العراقي في الفترة ما بين 2010 و2019م.
يرتبط المحور الثالث بملف الاقتصاد الغذائي. في سنة 2018م، بدأت الحكومة العراقية في بحث إمكانية استيراد القمح من روسيا. بدلاً من الاقتصار على استيراده من الولايات المتحدة وأستراليا وكندا. وفي 2022م، تم الإعلان بشكل رسمي عن استئناف استيراد العراق للقمح الروسي بعد عشر سنوات من التوقف.
أما المحور الرابع فيتمثل في البرنامج النووي العراقي السلمي المستقبلي. ففي مطلع سبتمبر سنة 2022م، أعلنت وزارة الخارجية الروسية، استعداد موسكو تزويد العراق بمنتجات النظائر المشعة. وقال مسؤول كبير في الوزارة إن البلدين يعملان على الإعداد لتوقيع مذكرة تعاون نووي بينهما.
