Russian President Putin attends the plenary session at the 2023 Russian Energy Week international forum in Moscow
السوداني وبوتين في منتدى "أسبوع الطاقة الروسي" في موسكو

وصل رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني بالأمس إلى العاصمة الروسية موسكو في زيارة رسمية ستمتد أياماً عدة، من المقرر أن يلتقي فيها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. كيف بدأت العلاقات الثنائية بين روسيا والعراق؟ وما هي المحطات الأهم في تاريخ تلك العلاقة؟

 

العلاقات المبكرة

تم تأسيس أول علاقات دبلوماسية بين العراق والاتحاد السوفيتي في سنة 1944م زمن المملكة العراقية الهاشمية. ولكنها قُطعت في سنة 1955م، حينما قرر رئيس وزراء العراق حينها نوري السعيد تجميد العلاقات مع موسكو بسبب انتقاد الأخيرة لقرار العراق الانضمام إلى حلف بغداد.

عادت العلاقات بين الدولتين بالتزامن مع الانقلاب العسكري في بغداد في يوليو 1958م. اهتم الزعيم السوفيتي نيكيتا خروتشوف بأخبار هذا الانقلاب باعتباره وسيلة لجذب العراق إلى المعسكر السوفياتي. وسارعت موسكو حينها إلى الاعتراف بحكومة زعيم الانقلاب عبد الكريم قاسم. وفي تلك الظروف، سمحت السلطات العراقية أن يمارس الحزب الشيوعي العراقي أنشطته المختلفة.

ويذكر الباحثان أوليس سمولانسكي وبتي سمولانسكي، في كتابهما "الاتحاد السوفيتي والعراق: السعي السوفيتي من أجل النفوذ"، أن الجانبين العراقي والسوفيتي سرعان ما عملا على تطوير العلاقات الثنائية بينهما، وذلك عندما قاما في سنة 1959م بعقد اتفاقية اقتصادية قدمت موسكو بموجبها 137 مليون دولار لتطوير الاقتصاد العراقي. لكن، على الرغم من ذلك، تعرضت العلاقات الروسية- العراقية لبعض الضعف والفتور في الفترة ما بين 1960- 1962م بسبب سوء العلاقة بين عبد الكريم قاسم وكوادر الحزب الشيوعي العراقي.

 

في زمن حكم حزب البعث

في 1968م وصل حزب البعث العراقي إلى السلطة بعد انقلاب ناجح. وبعد فترة قام الحزب باستهداف عناصر الحزب الشيوعي، ما أدى إلى تدهور العلاقات مع الإتحاد السوفيتي. لكن بعد فترة قصيرة، عاود قادة حزب البعث التواصل مع موسكو. وحرصوا على تدشين بعض المعاهدات معها.

على سبيل المثال، عُقدت معاهدة الصداقة والتعاون بين العراق والاتحاد السوفيتي في التاسع من أبريل سنة 1972م. وفي السنة نفسها أيدت موسكو القرار العراقي بتأميم حقول النفط. يفسر أوليس سمولانسكي أسباب هذا التأييد بالقول إن "هذا التأميم كان يصب في مصلحة السوفييت في ضرب مصالح الغرب الاقتصادية، وأيضاً كان سيوفر أرباحاً اقتصادية هائلة لهم عبر السيطرة على القطاع النفطي العراقي من خلال بيع المعدات والمكائن، التي كان يتوقع أن يدفع العراق أسعارها بالعملة الصعبة".

شهدت العلاقات الروسية العراقية تقارباً إضافياً بعد وصول الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين إلى السلطة. توسع صدام حسين في استيراد الأسلحة الروسية في سبيل تحقيق طموحه الرامي إلى تضخيم قوة الجيش العراقي. وكان العراق من أهم مستوردي المعدات الحربية السوفيتية. وبلغ حجم المبيعات العسكرية للعراق في تلك الفترة قيمة 30.5 مليار دولار.

على الجانب الآخر، ارتبط العراق خلال تلك الفترة بعلاقات اقتصادية جيدة بموسكو. شكلت الصادرات الروسية إلى العراق قبل سنة 2003م ما يقرب من نصف إجمالي الصادرات الروسية إلى المنطقة العربية. وكانت روسيا هي الشريك التجاري الأول للعراق.

لكن على الرغم من هذا التقارب، فإن روسيا لم تقدم دعمها الكامل لصدام حسين فيما يخص مغامراته العسكرية التي أقدم عليها. على سبيل المثال عارضت موسكو الغزو العراقي للكويت في سنة 1990م. ووافقت على القرار 678 الصادر عن مجلس الأمن، والذي سمح باستخدام القوة في إخراج الجيش العراقي من الكويت. في هذا السياق، جاءت خطوة الحكومة الروسية في سنة 1992م القاضية بإرسال قطعتـين من أسطولها الحربي إلى الخلـيج للمشـاركة فـي أيـة مواجهـة ضـد العـراق.

دمرت إسرائيل المفاعل النووي العراقي بغارة جوية في يونيو 1981.
المفاعل النووي العراقي.. حلم صدام الذي انتهى بغارة إسرائيلية
كان عدم قدرة العراقيين على رصد الطائرات فور دخولها الأجواء العراقية أمراً مثيراً للغرابة، برّره طارق عزيز نائب رئيس الوزراء العراقي حينها بأن المعدات العسكرية التي كان يمكنها القيام بهذه المهمة منشغلة بالحرب مع إيران، ثم ألقى باللوم على الدول العربية التي مرّت الطائرات الإسرائيلية عبر أجوائها دون أن ترصدها.

بعد سقوط صدام حسين

يذكر الباحث فرزاد رمزاني بونيش، في دراسته "أهداف روسيا ونهجها تجاه العراق"، أنه ورغم المعارضة الروسية للغزو الأميركي للعراق في سنة 2003م، إلا أنَّ موسكو تكيّفت سريعاً مع الأمر الواقع. وتعاونت مع الحكومة الجديدة.

في هذا السياق تم استئناف العلاقات الدبلوماسية الثنائية. فافتتحت القنصلية العامة الروسية في أربيل (كردستان العراق) في نوفمبر سنة 2007م. كما تم افتتاح القنصلية العامة الروسية في مدينة البصرة في أغسطس سنة 2011م. وكخطوة على طريق التقريب بين البلدين، أعلن الرئيس الروسي فلاديمير في نوفمبر سنة 2004م عن شطب 90% من ديون بلاده المستحقة على العراق.

بشكل عام، يمكن أن نحدد أربعة محاور رئيسة للعلاقات القائمة حالياً بين موسكو وبغداد. يتمثل المحور الأول في صفقات الأسلحة التي توردها روسيا إلى الجيش العراقي. وذكرت بعض التقارير أن روسيا وقعت في سنة 2014م عقوداً ضخمة لتسليم العراق دفعة كبيرة من المدافع وراجمات الصواريخ والذخائر بمبلغ مليار دولار.

أما المحور الثاني فيتمثل في الملف النفطي. وقد قامت الشركات النفطية الروسية باستثمار أكثر من 10 مليارات دولار في قطاع الطاقة العراقي في الفترة ما بين 2010 و2019م.

يرتبط المحور الثالث بملف الاقتصاد الغذائي. في سنة 2018م، بدأت الحكومة العراقية في بحث إمكانية استيراد القمح من روسيا. بدلاً من الاقتصار على استيراده من الولايات المتحدة وأستراليا وكندا. وفي 2022م، تم الإعلان بشكل رسمي عن استئناف استيراد العراق للقمح الروسي بعد عشر سنوات من التوقف.

أما المحور الرابع فيتمثل في البرنامج النووي العراقي السلمي المستقبلي. ففي مطلع سبتمبر سنة 2022م، أعلنت وزارة الخارجية الروسية، استعداد موسكو تزويد العراق بمنتجات النظائر المشعة. وقال مسؤول كبير في الوزارة إن البلدين يعملان على الإعداد لتوقيع مذكرة تعاون نووي بينهما.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

فقد تنظيم داعش مصدر تمويله الرئيسي، النفط، بعد خسارته لأراضيه في سوريا والعراق.
فقد تنظيم داعش مصدر تمويله الرئيسي، النفط، بعد خسارته لأراضيه في سوريا والعراق.

يبدو تنظيم داعش، عندما يتعلق الأمر بالتمويل والبحث عن مصادر دخل تنعش موارده المتدهورة، أشبه بكيان متمرس في عالم المافيا والجريمة المنظمة. الكثيرون، بمن فيهم أمراء كبار، انشقوا عنه حينما صدمتهم هذه الحقيقة. 

قيادة التنظيم نفسها تدرك جيدا أن تسليط الضوء على هذا الجانب من نشاطات التنظيم يقوض الصورة التي رسمها لنفسه أمام أتباعه وأنصاره. لذلك لم يتبنَّ يوما أي عملية قتل أو تخريب قام بها باسم جباية ما يسميها "الكلفة السلطانية" رغم أن جزءا من جهوده، لا سيما في شرق سوريا، مكرس لهذا النشاط الشنيع.

 

الكلفة السلطانية

 

منذ خسارة التنظيم للمساحات الشاسعة التي كان يسيطر عليها في سوريا والعراق، وما نجم عن ذلك من فقدانه لما تدره عليه المعابر وحقول النفط من موارد مالية كبيرة، فَعّل التنظيم عددا من "الخطط الاقتصادية" البديلة كان من بينها جباية ما يسميها "الكلفة السلطانية".

تعد " الكلفة السلطانية" نشاطا مدرا للدخل إلى جانب نشاطات أخرى ضمن "اقتصاد الحرب" تضخ في خزينة التنظيم أموالا طائلة، مثل التهريب، والاختطاف، وتجارة الآثار، والسطو على البنوك ومحلات الصرافة، واستحواذه على احتياطات العملة الصعبة والذهب في المدن التي اجتاحها، ونهب ممتلكات الطوائف الأخرى وغيرها.

تزامنت ثورة مواقع التواصل الاجتماعي مع الصعود السريع لتنظيم داعش عام 2013.
"داعش".. خلافة رقمية يطوقها مارد الذكاء الاصطناعي
الشركات التكنولوجية الكبيرة شرعت منذ 2017 في الاعتماد كليا على خوارزميات الذكاء الاصطناعي لرصد وحذف المواد التي تروج للتطرف العنيف على منصاتها، بينما اقتصر دورها في السابق على تكميل جهود فرق بشرية يقع على عاتقها عبء هذه العملية برمتها.

لعدة سنوات ظل التنظيم يجمع " الكلفة السلطانية" لاسيما في مناطق الشرق السوري، حيث تنتشر حقول النفط، والمساحات الزراعية، وممرات التهريب، والمتاجر ومحلات الصرافة. لكنه لم يكن يتحدث عن ذلك لا في إعلامه الرسمي ولا الرديف، بل وتحاشى الاشارة إليها حتى في مراسلاته الداخلية، لأنه يدرك أن جدلا محموما سينتج عن ذلك، وسيحتاج إلى فتاوى دينية وجهود دعائية كبيرة لإقناع أتباعه بـ"وجاهة" أفعاله، وقد خرج أعضاء سابقون في التنظيم ونشروا على قنواتهم الرقمية "أن إرغام المسلمين غصبا وبحد السيف على إعطاء جزء من حلالِهم لثلة من المفسدين في الأرض هو عمل عدواني لا يقوم به إلا أهل البغي وقطاع الطرق".

 

ضريبة على رعايا الخليفة!

 

ينبغي التفريق هنا بين ما ينهبه التنظيم ممن يعتبرهم "كفارا ومرتدين" والذي يسميه ب"الفيء" و"الغنيمة" وبين ما يجبيه باسم "الكلفة السلطانية". فالكلفة السلطانية هي ضريبة يؤديها "المسلمون ورعايا الخليفة" بالقوة والإكراه، أي أن المستهدفين بها هم في عرف التنظيم من المسلمين الذين "لا تحل أموالهم ودماؤهم" ولا تدخل "الكلفة السلطانية" أيضا ضمن الزكاة الواجبة التي تتم جبايتها قسرا من المسلمين من طرف أمنيي التنظيم.

وبعد انكشاف أمر عمليات السطو والنهب هذه لم يجد التنظيم بدا من الحديث عنها في مراسلاته الداخلية، وانتداب أحد شرعييه لصياغة فتوى لتسويغها من الناحية الدينية.

صاغ أبو المعتصم القرشي، وهو أحد كوادر "المكتب الشرعي" لـ"ولاية الشام" فتوى مطولة في 12 صفحة، وحشد فيها مجموعة من النصوص الدينية والقواعد الأصولية التي اعتبرها "أدلة شرعية" على جواز نهب أموال المسلمين بالقوة والإكراه!.

عَرّف القرشي الكلفة السلطانية بأنها " الأموال التي يطلبها الإمام من الناس لأجل مصلحة شرعية". ولعجزه عن إيجاد نصوص قطعية من الكتاب والسنة لتبرير هذه "البدعة الداعشية"، فقد لجأ إلى القواعد الأصولية من قبيل" يُتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام" و" درء المفاسد مقدم على جلب المصالح"، و" تفويت أدنى المصلحتين لتحصيل أعلاهما"، و"ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب".

يعني هذا ببساطة أن مصلحة استمرار عمليات التنظيم والحفاظ على قوته ومقدراته مقدمة على مصالح الناس الأخرى، وأن تواصل عمليات التنظيم باعتبارها "جهادا مقدسا"  إذا لم يتم إلا بالسطو على أموال الناس فيجب السطو عليها.

أكد القرشي في نص فتواه جواز استخدام العنف والقوة لجباية الأموال، قائلا: "لا شك أن المال عصب الجهاد، والإعداد لا يكون إلا به، فتحصيله وتوفيره واجب على الإمام ولو بالقوة والإكراه"، ومن امتنع عن أداء "الكلف السلطانية جاز للإمام أو من ينوب عنه أن يعزره بشكل يكون رادعا له ولغيره حتى يؤدي ما عليه من الحقوق المالية في هذا الشأن".

أما الفئات الاجتماعية المستهدفة بهذه الضريبة، فقد قدم أبو المعتصم سردا طويلا بأصحاب المهن والمحلات التجارية والأطباء والصرافين والفلاحين والمدارس والكليات وتجار الدجاج والبيض وتجار المواشي والمستشفيات. ولم يترك أي نشاط مدر للدخل إلا وأشار إليه ضمن الذين فرض عليهم دفع "الكلف السلطانية"، ولم يستثن سوى أصحاب البسْطات على الأرصفة.

أخطر ما في الفتوى هو أن الممتنع عن أداء ما يطلبه التنظيم من أموال سيكون مصيره القتل والحكم عليه بالردة، و" طريقة استخدام القوة تتفاوت حسب المعاندة والممانعة بين التهديد، والإتلاف لبعض المال، أو التعزير، أو التغريم المالي وحتى الجسدي، ثم القتل إذا استعان الممتنع بشوكة الكفار والمرتدين على المجاهدين فعندها يُطبق عليه حكم الردة" حسب تعبير أبي المعتصم القرشي.

 

معاناة الناس في شرق سوريا

 

في شرق سوريا، يتم استخلاص هذه الضريبة بعد توجيه رسائل تهديد بأرقام دولية عبر تطبيق واتساب إلى المعنيين، وتخييرهم بين دفع "السلطانية" أو مواجهة خلايا الاغتيال، بعد تخريب ممتلكاتهم وتقويض مشاريعهم التجارية والاستثمارية.

وحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان، فقد ارتفعت هذا العام نسبة تلك الضرائب إلى حد كبير جداً مقارنة بالسنوات الفائتة، حتى بلغت نحو 616 ألف دولار من تجار النفط والمستثمرين.

وحصل المرصد على إفادة من أحد العاملين في شركة مستثمرة في قطاع النفط في المنطقة الشرقية (دير الزور) تقول بأن الشركة رفضت دفع كامل المبلغ المطلوب منها تحت مسمى "الكلفة السلطانية"، والتي قدرها التنظيم بنصف مليون دولار أميركي، ودفعت بدلها 300 ألف دولار، لكن التنظيم هدد سائقي صهاريج المحروقات التي تعمل لصالح الشركة بالاستهداف إذا لم يتم دفع المبلغ كاملا في غضون أسابيع، ولم يعد لدى الشركة خيار آخر سوى تدبير ما تبقى من المبلغ.

مستثمر آخر في قطاع النفط توصل برسالة عبر تطبيق الواتساب من رقم دولي مفادها بأن عليه دفع "الكلفة السلطانية" البالغ قدرها 75 ألف دولار، وعدم إخبار أي جهة تابعة لقسد أو التحالف الدولي بذلك ووجهت له تهديدات في حال التبليغ أو عدم دفع المبلغ خلال أسبوع، وأن خلايا التنظيم ستقوم بزرع عبوة في سيارته أو حرق بئر النفط الذي يعود له.

ولفت المرصد إلى أن خلايا داعش في بادية ريف دير الزور الشرقي تفرض ضرائب تتراوح بين 1000 و3500 دولار، في مناطق ذيبان وحوايج ذيبان وجديد بكارة، على المستثمرين الذين يعملون على توريد المحروقات إلى "سادكوبى" التابعة للإدارة الذاتية في دير الزور.

يعمد التنظيم أيضا إلى حرق المحاصيل الزراعية التي تعود للفلاحين الذين رفضوا الرضوخ لابتزازه ودفع الأموال التي يطلبها منهم، ورمي القنابل اليدوية على منازل الأثرياء، وعيادات الأطباء، وقد هرب عدد من الأطباء من المنطقة الشرقية بعدما أثقل التنظيم كاهلهم بالضرائب و"المكوس"، ولا سيما وقد وضعهم في رأس قائمة أهدافه لأنهم -حسب اعتقاده- يجنون الأموال أكثر من غيرهم.