حين علمت عائلة مقتدى شاكر أن ابنها ذا العشرين عاماً، مصاب بواحد من أشرس أنواع مرض السرطان وأكثرها فتكا وكلفة، لم تتردد في بيع منزل العائلة وسيارتين لتوفير ثمن العلاج الباهظ في أحد مستشفيات الهند.
تجاوزت فاتورة العلاج حتى الآن كما يقول مقتدى مئة ألف دولار، أكثر من نصفها تم جمعه عبر حملة تبرعات واسعة أطلقها أهالي محافظة الديوانية لمساعدة العائلة.
بتأثر واضح، يضيف مقتدى لـ "ارفع صوتك": "تم جمع ثمانين مليون دينار خلال ثلاثين ساعة فقط في المحافظة".
ويؤكد والده بإصرار وهو يمسك ياقة قميصه: "لدي استعداد لبيع الثياب التي أرتديها في سبيل معالجة ولدي"، ورغم الإصرار والقوة التي يبدو عليها الأب إلا أن مقتدى يقول إن مرضه غير والده كثيراً.
يوضح: "كان والدي يسير قبل اكتشاف المرض برأس مرفوع وظهر مستقيم، أما اليوم فيبدوا قلقاً طوال الوقت، وحين يمشي فإنه يكون دائماً مطأطئ الرأس ومهموماً".
وتشبه حالة مقتدى حالة آلاف مرضى السرطان العراقيين الذين يتوجهون سنويا للعلاج في مستشفيات الهند وتركيا والأردن وإيران ولبنان، إما لعدم توفر الإجراء الطبي الخاص بهم في العراق، أو لضعف البنية التحتية وقلة الكوادر الطبية والمراكز والأجهزة الحديثة.
"أزمة ثقة"
: "لا يثق الكثير من المرضى بالأطباء العراقيين، وهو أحد الأسباب الرئيسية التي تدعوهم للسفر بهدف العلاج خارج البلد"، تقول نبراس حسين وهي ناجية من السرطان عام 2019.
تضيف لـ "ارفع صوتك": "تعرضت قبل سنوات لأزمة صحية شديدة نتيجة لتشخيص خاطئ، ولذلك حين تم تشخيصي بالسرطان خشيت من تكرار الأمر فقررنا السفر إلى لبنان".
تتابع نبراس: "تجاوزت كلفة العلاج الستين مليون دينار عراقي (نحو 45 ألف دولار أميركي)، نصفها تبرع بها أقاربي، والنصف الآخر قمنا باقتراضه ولم نتمكن من تسديد كامل المبلغ حتى الآن".
ورغم أن كلفة العلاج في العراق أقل بكثير "إلا إن المراكز في العراق محدودة ومكتظة، وتفتقر للبنية التحتية المناسبة والاستقرار في صرف الأدوية"، بحسب نبراس.
ويتفق معها مدير العلاقات في المركز الألماني لعلاج الأورام بمحافظة النجف، فتحي التويني، قائلاً: "المريض العراقي مع الأسف لا يملك الثقة الكافية بالطبيب العراقي فيتجه إلى الخارج طلباً للعلاج، ما يرفع تكاليف العلاج التي تضاف لها بطاقات السفر والإقامة وأجور المترجم وغيرها".
ويؤكد التويني لـ"ارفع صوتك"، أن "هناك تطوراً كبيراً في علاج الأورام داخل العراق بعد افتتاح مراكز طبية عديدة لتشخيصها وعلاجها، كالمركز الألماني ومستشفى الوارث في كربلاء، إضافة لاستيراد العديد من الأجهزة وتطوير الطواقم الطبية".
ويشرح: "الأورام بشكل عام علاجها مكلف جداً، كما أنه لا يتوفر إلا في مؤسسات وزارة الصحة الرسمية بسبب منع استيراد أدوية علاج المرض التي توفرها الوزارة مجاناً للمواطنين أو بأسعار مخفضة جداً، لأنها تتطلب شروطاً معينة لا تتوفر لدى القطاع الخاص، وخشية من استيراد علاجات من مناشئ غير رصينة".
وتضمنت موازنة عام 2023 في العراق تخصيص مبلغ أربعة مليارات دينار عراقي (أكثر من ثلاثة ملايين دولار أميركي) لمعالجة مرضى السرطان وغسيل الكلى، وجاء ذلك بعد تظاهرات لمرضى وأطباء السرطان، طالبوا خلالها بتوفير العلاج اللازم لعدم انتظام التجهيز لأسباب مرتبطة بالأزمات المالية.
القطاع الخاص
يعيش كتاب السلطاني وهو في عقده السادس في محافظة ديالى، ولم يكن يعاني من الأمراض حتى أصيب ببحة في صوته لفترة طويلة، ليتبين بعد ذلك وجود ورم خبيث في الحنجرة.
يقول لـ"ارفع صوتك"، إن العلاج على نفقته الخاصة "تطلب مبلغاً كبيراً"، لذلك توجه إلى المستشفيات الحكومية، إلا أن رحلة لم تكتمل.
السبب كما يقول كتاب "الأوضاع المأساوية التي يعيش فيها مرضى السرطان لعدم توفر العلاج، وعدم الاهتمام وكذلك المواعيد المتباعدة زمنياً بسبب ضخامة الأعداد وقلة الأجهزة، خاصة أجهزة الإشعاع".
عدم قدرته على تقبل الوضع الذي رآه في المستشفيات الحكومية، دفعه للجوء إلى المستشفيات الخاصة العراقية، يقول كتاب: "فعلاً وجدت مركزاً في بغداد، فكان سعر الجلسة الواحدة من الإشعاع التي تستمر لربع ساعة أكثر من 300 ألف دينار (نحو 200 دولار)".
ويتابع: "تطلب العلاج 35 جلسة يومياً بشكل متتابع، فضلاً عن تكاليف العلاج الكيمياوي وأثمان الأدوية السائدة وغير ذلك".
هذه التكاليف بالنسبة لمواطن مثل كتاب من متوسطي الدخل باهظة جداً. وعند سؤاله عن كيفية تدبرها، يشير إلى أنه اعتمد على المدخرات والاستدانة من الأقرباء.
تعافى من السرطان، لكن الأمر لم ينته، يؤكد كتاب: "ما زالت هناك أعراض جانبية للمرض تتطلب المراجعة المستمرة للأطباء، بالإضافة إلى فحوصات دورية للدم والأنسجة لاكتشاف أي عودة ممكنة له".
قروض للمرضى
بسبب الأزمة المالية التي عاشتها نبراس حسين، فإنها تطالب الحكومة العراقية "بتقديم القروض الميسرة إلى عوائل مصابي أمراض السرطان، خصوصاً لمتوسطي ومحدودي الدخل، دون فوائد وبفترة تسديد مناسبة لوضعهم المعيشي".
من جهته، انتقد مقتدى شاكر مبادرة البنك المركزي لإقراض مرضى السرطان كونها "لا تعتبر ذات جدوى حقيقية" على حد تعبيره، لأن "المبلغ المالي قليل جداً، ولا يتناسب مع الكلف العالية لهذا المرض بالذات، عدا عن الروتين الإداري الذي يرافق التقديم للحصول على القرض".
"فاليوم الواحد من التأخير في المعاملة الرسمية من أجل الحصول على القرض أو على مساعدة مالية بالنسبة لمريض السرطان، قد يعني في حالات كثيرة الفرق بين الحياة والموت وهو ما لا يفهمه الكثيرون"، يقول مقتدى.
وكان البنك المركزي قرر في أكتوبر 2022 شمول ذوي الأمراض السرطانية والحالات المستعصية بالقروض، وحدد آلية منح قروض بحدود 15 مليون دينار (نحو عشرة آلاف دولار)، على أن يتم دفع القروض بعد تقديم التقارير الطبية من الجهات المختصة التي تثبت الحالة المرضية لطالبي القروض إلى المصرف.
وتخضع القروض للضوابط الموحدة وتشمل عمولة إدارية للبنك المركزي العراقي بواقع خمسة بالألف من مبلغ القرض تُستقطع لمرة واحدة، وفائدة بنسبة ( 2.9) وبمدد سداد لا تتجاوز الخمس سنوات.
وتُمنح تلك القروض عبر المصارف المجازة في العراق، ما يعني إضافة فوائد لصالح المصرف المجاز بحيث يمكن أن تصل إلى 5% سنوياً فأكثر.
إحصاءات
بحسب المؤشرات الصحية للجهاز المركزي للإحصاء لعام 2021، فإن العدد الكلي للمصابين بالأمراض السرطانية في العراق خلال 2020 بلغ 31.692، أكثر من 17 ألف حالة منها للنساء، ونحو ثلثها بسرطان الثدي، فيما تجاوز عدد الوفيات الكلية ألف حالة.
حاول "ارفع صوتك" الحصول على تصريحات من البنك المركزي العراقي ووزارة الصحة والبرلمان العراقي تتعلق بالخطط التي وضعتها تلك الإدارات للارتقاء بمستوى الخدمات، لكننا لم نحصل على رد.
الجدير ذكره، أن تقريراً أنجزته دائرة البحوث والدراسات النيابية نشر العام الحالي، بعنوان "حجم انتشار السرطان في العراق للمدة ما بين 2003-2020"، ناقش مشاكل علاج أمراض السرطان بشكل تفصيلي.
وأورد أن حالات الإصابة بالسرطان ارتفعت من 11 ألف حالة عام 2003 لتتجاوز الـ31 ألف حالة العام 2021. فيما وصلت الحالات بحسب مجلس السرطان في العراق إلى 35815 ألف حالة العام 2022.
ويرجع التقرير سبب الزيادة في الإصابات إلى نقطتين. الأولى: التلوث الإشعاعي الناجم من ذخائر اليورانيوم المنضب المستخدمة خلال حربي الخليج عام 1991 وعام 2003، إذ تم خلالها سرقة معدات لجنة الطاقة الذرية في التويثة، ومنها براميل وخزانات ملوثة إشعاعياً من قبل المواطنين والتلوث الناجم عن انبعاثات الآبار النفطية.
النقطة الثانية بحسب التقرير، هي تدني الخدمات الصحية في مجال تطبيق معايير الجودة والنوعية في التشخيص السريري والفحص المخبري، حيث لا تمتلك وزارة الصحة "رؤية واضحة لتحديد المتطلبات التي تستوجبها الخدمة العامة، وعدم وجود منهجية في التحري والتشخيص المبكر للسرطانات على الصعيد الوطني، لكونها تقتصر على مستشفيات محددة ضمن بعض المحافظات التي تمتلك أجهزة الفحص الطبي، وقلة الأدوية والكوادر الطبية والأجهزة المتخصصة، فضلاً عن الاعتماد على التقنيات القديمة للعلاج بالأشعة والعلاج الكيمياوي والتي أدت إلى زيادة في معدلات الموت بسبب السرطان".
وأوصت الدراسة بتقديم تقرير يتضمن نهج التسعير للأدوية للوقاية من السرطان، والعمل على تذليل العقبات التي تعترض سبيل إتاحة الأدوية والمنتجات الطبية المأمونة والناجعة والمعقولة التكلفة، ومناقشة موضوع تحمل الدولة تكاليف تلك الأدوية بجميع أنواعها.
كما أوصت بمناقشة توفر الإمكانيات والقدرات الكافية من المراكز المتخصصة للتشخيص والعلاج، وسهولة الوصول إليها طبقا للمعايير العالمية لتلافي التأخير في التشخيص والعلاج. ووضع خطة لمكافحة السرطان ذات موارد كافية، وذات أهداف قابلة للقياس لبيات تأثيرها بيانا عمليا مشفوعة بوضع آلية للتقييم السنوي وإجرائه بصفة دورية.
