ساهمت الحروب وتقلبات الاقتصاد وفشل الإجراءات الحكومية خلال العقدين الأخيرين في العراق بارتفاع نسب الفقر حتى وصلت إلى ربع سكان العراق الذين قارب عددهم 43 مليون نسمة، أي أكثر من عشرة ملايين عراقي، في الوقت الذي بلغ مجموع واردات بلدهم النفطية ١١٥ مليار دولار عام 2022.
ووصلت نسبة الفقر في العراق، بحسب بيانات نشرتها وزارة التخطيط العراقية، إلى 25% من إجمالي السكان في عام 2022. وقالت إنها نسب "مرتفعة مقارنة بعامي 2019 و2020 حيث كانت النسبة لا تتجاوز 20%".
وأوضحت أن هذا الارتفاع نجم عن أسباب عديدة، بينها تداعيات جائحة كورونا (2020 و2021) التي رافقها توقف الأنشطة الاقتصادية، بالإضافة إلى الأزمة الاقتصادية نتيجة انخفاض أسعار النفط وتوقف المشاريع.
وهناك نوعان من الفقر كما تبين الوزارة، الأول مرتبط مع "خط الفقر"، فإذا كان معدل الدخل أقل من الخط المرسوم عدّ الفرد فقيراً، وإذا ارتفع دخله فوق ذلك الخط فهو خارج خانة الفقر ويدخل في ذلك تفاصيل الحاجة إلى الغذاء.
أما النوع الثاني فهو "الفقر متعدد الأبعاد"، الذي يشمل بالإضافة إلى الدخل، ثلاثة معايير أخرى هي الصحة والتعليم والسكن، فإذا لم تتوفر تلك المتطلبات للإنسان عدّ فقيراً.
حروب وحصار
شكلت حقبة السبعينيات من القرن الماضي مرحلة تطور مهمة تمتع خلالها العراق باستقرار نسبي، حيث شهد خطط تنمية واسعة وعوائد ضخمة من تصدير النفط وتمكن من إنجاز بنية تحتية مكنته لاحقا من الصمود خلال فترة حرب الخليج الأولى، وفق تقرير للجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا للأمم المتحدة، بعنوان "الفقر في العراق قبل وبعد حرب الخليج".
وتحدث التقرير عن حقبة الثمانينيات، التي شهدت اندلاع الحرب العراقية الإيرانية (1980-1988). وقال إن العراق ورغم أعباء اندلاع الحرب وحصول تضخم بنسب تعتبر مقبولة، إلا أن التنمية كانت مستمرة، كما استمر الإنفاق على النواحي الاجتماعية والتنموية، والتي كان لها أثر في حفظ المستوى المعيشي للسكان والعدالة النسبية في توزيع الدخل وتطور النواحي الصحية.
وأوضح أن الفقر بدأ في العراق بعد أن ألحقت حرب الخليج الثانية الدمار بمنشآته الاقتصادية في تسعينيات القرن الماضي، كما أدى استمرار الحصار المفروض عليه (1990-2003) إلى "أضرار ضخمة لحقت ببنيته التحتية وجعلته في حالة كساد تضخمي مريع انعكست على مجمل حياة السكان لتجعل من الفقر السمة العامة السائدة فيه".
ارتفع الفقر في تلك الفترة ارتفاعاً هائلاً، إذ طرأ ازدياد مذهل على نسبة الفقراء فقراً مطلقاً لتصل عام 1993 إلى 72% من السكان، أغلبهم كان يعتبر ضمن نطاق متوسطي الدخل، حيث تعرّضوا لانخفاض مفاجئ في مستواهم المعيشي بالتالي الانتقال إلى دون خط الفقر المطلق.
تشمل هذه الفئة، موظفي القطاع الاشتراكي والمختلط وموظفي الأعمال الإدارية والسكرتارية في القطاع الخاص وصغار الفلاحين والعاملين بأجور محدودة كقوة عاملة بسيطة والمتقاعدين، وفق التقرير.
وعود لم يحققها النفط
بعد عام 2003 ورفع الحصار عن العراق كانت التوقعات تشير إلى ارتفاع في مستويات المعيشة بعد خطط لإعادة العراق إلى خارطة الدول المصدرة للنفط من جديد.
أعقب تشكيل حكومة مدنية منتخبة في الفترة 2005-2006 فترات من النمو الاقتصادي القوي. ومع ذلك، فإن الفقر لم ينخفض إلا بشكل طفيف، واستمرت أشكال الحرمان الشديد في أبعاد غير نقدية، بحسب تقرير للبنك الدولي.
التقرير الذي نشر بعنوان "الوعود التي لم يحققها النفط والنمو: الفقر والاحتواء والرفاه في العراق 2007-2012"، أفاد أنه خلال تلك الفترة كان حوالي نصف السكان في العراق حاصلون على تعليم أقل من المستوى الابتدائي، ونحو ثلث الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين صفر وخمسة أعوام يعانون التقزم، وأكثر من 90% من الأسر في بغداد والمحافظات الوسطى والجنوبية تحصل على الكهرباء لمدة أقل من 8 ساعات في اليوم.
وأشار إلى أن ثلث الرجال و90% من النساء في الفئة العمرية 15-64 عاماً لا يعملون ولا يبحثون عن عمل، فيما يأتي أكثر من 60 % من السعرات الحرارية التي يستهلكها الفقراء من برنامج لدعم الغذاء على الصعيد الوطني.
وخلص التقرير إلى أنه في عام 2012 عاش 20% من سكان العراق تحت خط الفقر، وكانت نسبة كبيرة من الشعب العراقي عرضة للسقوط في براثن الفقر. ورغم أن البلاد شهدت نمواً اقتصادياً مرتفعاً بلغ 7% سنوياً في المتوسط بين عامي 2008 و2012، فإن معدل الفقر لم ينخفض إلا بنسبة 4% في تلك الفترة وحصدت الفئات الأكثر ثراء من السكان النسبة الأكبر من المكاسب.
وأكد على ضرورة الحفاظ على النمو الاقتصادي وإدارة عائدات النفط وتنويع الاقتصاد لصالح الأنشطة التي يقودها القطاع الخاص والقطاع غير النفطي، من أجل خلق مناخ موات لأنشطة الأعمال والاستثمار وخلق فرص عمل ستشتد الحاجة إليها مستقبلا.
حرب لم تحقق أهدافها
حارب العراق الفقر عندما أطلق أول إستراتيجية وطنية لخفض الفقر للمدة (2010- 2014) التي كانت تهدف إلى خفض الفقر من 23% إلى 15% في النصف الأول من عام 2014، كما جاء على منصة وزارة التخطيط الإلكترونية للتخفيف من الفقر.
وأوضحت أن هذه الخطة لم تحقق أهدافها نتيجة للظروف القاهرة التي تمثلت بالأزمة الأمنية والاقتصادية التي عانى منها العراق خلال عام 2014، حيث ارتفعت نسب الفقر بعد موجات النزوح وتوقف آلاف المشاريع الاستثمارية لتصل نسبة الفقر إلى 22.5% عام 2015.
ولهذا السبب، أعدت الوزارة الإستراتيجية الوطنية الثانية للتخفيف من الفقر في العراق (2018-2022)، التي تهدف إلى خفض الفقر بنسبة 25% على مدى خمس سنوات، من خلال ثلاثة عناصر هي إيجاد فرص لتوليد الدخل المستدام والتمكين وبناء رأس المال البشري وتأسيس شبكة أمان اجتماعي فعالة.
وخلال تلك الفترة وتحديداً في ديسمبر 2020، اتخذ العراق خطوة تخفيض سعر صرف الدولار أمام الدينار العراقي بنسبة 18% لسد فجوة ميزانيته البالغة 80 تريليون دينار دون مراعاة حقيقية للفئات الأكثر هشاشة.
وهي خطوة انتقدها تقرير للأمم المتحدة حمل عنوان "أثر فيروس كورونا المستجد على الأمن الغذائي في العراق"، محملاً الحكومة مسؤولية القرار كونه سيؤدي على المدى القصير إلى زيادة أعداد الفقراء في البلاد بين 2.7 مليون و5.5 ملايين عراقي.
وقال إنها ستضاف إلى نحو 6.9 ملايين عراقي موجودين أصلاً قبل اندلاع أزمة جائحة كورونا.
مع ذلك، تستمر وزارة التخطيط العراقية في وضع خطط لمحاربة الفقر، حيث أعلنت أواخر العام الماضي عن خطة ثالثة لمعالجة الفقر تمتد للأعوام 2023-2027 وتأتي استكمالا للإستراتيجية السابقة التي انتهى العمل بها دون الإعلان عن نتائجها.
