وضعت كتائب حزب الله على قائمة العقوبات الأميركية سنة 2009.
صورة أرشيفية لعناصر من كتائب حزب الله العراقي

بدأت إيران بتكوين مليشيات موالية لها على الأراضي العراقية منذ الحرب العراقية الإيرانية في ثمانينيات القرن الماضي، بذريعة مقاومة حزب البعث. وبعد إسقاط النظام في 2003، تغلغلت تلك الفصائل في المؤسسات الأمنية والسياسية، قبل أن تفرض هيمنتها على الأرض بفضل الحرب على الإرهاب.

وتعتبر العلاقة بين إيران والعراق واحدة من أكثر العلاقات السياسية المعقدة بين جارتين في المنطقة، فهي تتأرجح بين التبعية الكاملة حيناً والعداء المستتر في أحيان أخرى، لارتباطها بأجندات دينية وسياسية واجتماعية تتقارب تارة وتشتبك تارة أخرى.

بدأت أولى الفصائل المسلحة العراقية بالتكون في إيران ثمانينيات القرن الماضي نتيجة للبطش وحالة العنف التي خلقها حزب البعث ما أن تسلم السلطة بالعراق، وتعزز نفوذ إيران باستغلال حالة الفوضى خصوصاً خلال الحرب الطائفية العراقية (2006-2007).

وما إن بدأت الحرب على الإرهاب عام 2014 بعد احتلال تنظيم داعش لمناطق واسعة من العراق، حتى بدأت رقعة سيطرة الفصائل الموالية لإيران بالتوسع كنتيجة مباشرة لاشتراكها في تلك الحرب، بعد الانسحاب المذل للجيش العراقي من الموصل صيف ذلك العام.

وحالياً يصل عددها إلى العشرات، أكبرها وأكثرها تأثيراً على الساحة السياسية والعسكرية "منظمة بدر" و "عصائب أهل الحق" و"حزب الله" و"النجباء"، التي تسيطر على مناصب مهمة ومواقع إستراتيجية لم تكن تحلم بالوصول لها لولا الحرب على الإرهاب.

 

"منظمة بدر"

يعتبر "فيلق بدر" واحداً من أهم وأقدم الفصائل المسلحة الموالية لإيران على الساحة العراقية. أسسها الحرس الثوري الإيراني بين عامي 1982 و1983 ليكون الجناح المسلح لـ "المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق" (تغير اسمه المجلس الأعلى الإسلامي العراقي بعد 2003)، وكان يتم تجنيد عناصره من المعارضين لحكم البعث بقيادة الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين، وأسرى الحرب العراقيين الذين كان يتم احتجازهم في إيران.

خاض "فيلق بدر" حرباً طويلة امتدت عشرين عاماً ضد نظام البعث، استخدم فيها تكتيكات حرب العصابات، وبعد 2003، مارست نشاطها في العراق وغيرت اسمها إلى "منظمة بدر للإعمار والتنمية"، وانفصلت في 2012 عن "المجلس الأعلى الإسلامي العراقي" لتدخل التنافس الانتخابي.

وبدءا من 2021، فازت "منظمة بدر" بـ22 مقعداً انتخابياً ضمن "تحالف الفتح" المكون من 48 مقعداً، لتكون أكثر الأحزاب المشتركة في الحكومة بعدد المقاعد.

كما حصلت على العديد من المناصب الحكومية المهمة، ومثال عليه منصب مستشار الأمن القومي، الذي يشغله قاسم الأعرجي.

بعد عام 2014 تم دمج العديد من عناصر المنظمة ضمن القوات الأمنية العراقية، كما تدير ما لا يقل عن عشر فصائل من قوات هيئة الحشد الشعبي. وتغلغلت بفضل مقاعدها البرلمانية وقوتها العسكرية في عمق الدولة العراقية، لتنبثق عنها العديد من الفصائل الأحدث عهداً أبرزها وأكثرها عنفاً "كتائب حزب الله".

 

"كتائب حزب الله"

تشكلت كتائب حزب الله خلال بين (2005-2007) من جماعات خاصة يديرها "فيلق القدس" التابع للحرس الثوري الإيراني، منها "لواء أبي الفضل العباس وكربلاء و"السجاد وزيد بن علي"، اندمجت فيما بينها وأطلقت على نفسها اسم "كتائب حزب الله".

أدرجتها الولايات المتحدة في 2009 ضمن قائمة "المنظمات الإرهابية العالمية الخاضعة لإدراج خاص" لمهاجمتها القوات الأميركية وزعزعة استقرار العراق.

ورأس "كتائب حزب الله" هو أبو مهدي المهندس، الذي قتل في غارة أميركية في حرم مطار بغداد في يناير 2020، هو وقائد الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني.

توسع نفوذ "كتائب حزب الله" بعد اشتراكها في الحرب الشرسة ضد الإرهاب (2014-2017) حتى باتت اليوم تعتبر من فصائل المستوى الأول التي تنفذ عمليات عسكرية داخل العراق وخارجه، وذلك عبر جناحين أحدهما اجتماعي والآخر سياسي تعمل من خلالهما.

وهي أكثر الفصائل المسلحة العراقية اليوم نفوذاً وقوة، إذ تسيطر على الألوية (45 و46 و47) التابعة للحشد الشعبي، وتسيطر على إدارات رئيسية مهمة فيه، كما تحصل على تمويل جزئي من إيران التي تتدخل في اختيار قياداتها وتتعاون معها في المجالات الاستخبارية والأمنية.

وغالبا ما تقوم الألوية التابعة لـ"كتائب حزب الله" بعصيان التسلسل القيادي للحكومة، رغم ارتباطها القانوني بأجهزة تابعة للدولة العراقية.

 

"عصائب أهل الحق"

جماعة عراقية مسلحة ذات علاقة قوية مع "محور المقاومة" التابع لفيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، تحتفظ بنوع من الاستقلالية عن إيران، وهي مثل "كتائب حزب الله" تعتبر من فصائل الخط الأول وتمتلك جناحين أحدهما اجتماعي والآخر سياسي.

انشقت العصائب عن مليشيا "جيش المهدي" التابعة للزعيم الشيعي العراقي مقتدى الصدر خلال الفترة (2005-2006)، بعد خلاف حول إيقاف المواجهات المسلحة التي اندلعت في تلك الفترة بين "جيش المهدي" والقوات الأميركية.

نفذت العصائب هجوماً أستهدف قاعدة أميركية في كربلاء عام 2007 أدى إلى اختطاف وقتل خمسة جنود أميركيين، واعتقل التحالف زعيم العصائب قيس الخزعلي وشقيقه خلال الفترة (2007-2010)، إلى أن تم التوسط وإطلاق سراحهما مقابل إعادة رهينة غربي وجثث بريطانيين كانوا قد أعدموا.

بعد انسحاب الولايات المتحدة من العراق عام 2011 وخلال تلك الفترة، تمكنت العصائب من تقوية علاقتها مع "فيلق القدس" الإيراني. وفي 2014 تمكنت من الحصول على مقعد نيابي عبر كتلة "الصادقون" التي فازت عام 2018 بـ 15 مقعداً انتخابياً ومناصب وزارية وأخرى متقدمة في الحكومة.

توسع نفوذ "عصائب أهل الحق" بقوة بعد إعلان الحرب على داعش والانخراط في القتال ضمن الألوية (41 و42 و43) التابعة للحشد الشعبي التي تمولها الدولة.

ويتمتع زعيمها قيس الخزعلي، اليوم بنفوذ سياسي واجتماعي واسع في العراق، خصوصاً في المناطق التي تم تحريرها من داعش، وبإمكان الزائر لمحافظة نينوى ملاحظة انتشار صوره في شوارع المدينة.

 

"حزب الله النجباء"

إلى جانب "كتائب حزب الله" تعتبر "حركة النجباء" أكثر فرق المتطوعين أهمية خلال الحرب السورية عام 2015، ويعتقد على نطاق واسع أن الحركة تابعة لـ"فيلق القدس" الإيراني، الذي يقوم باختيار قيادات الحركة والإشراف عليها وتقديم المساعدات المالية والعسكرية لها.

نشأت الحركة بقيادة أكرم الكعبي في 2005، بعد انسحابه من "جيش المهدي". وفي سبتمبر 2008 أدرجت وزارة الخزانة الأميركية، الكعبي، على قائمة "الإرهابيين العالميين المحددين بصفة خاصة"، كما تم إدراج الحركة بشكل كامل ضمن القائمة عام 2019.

وتعتبر الحركة من فصائل المستوى الثاني وتنفذ عمليات عسكرية حركية عابرة للحدود، وكانت جزءاً من "عصائب أهل الحق" قبل أن يؤدي "اختلاف النهج" إلى استقلال "النجباء" عام 2013.

وفي نوفمبر 2015، أدلى الكعبي بتصريحات صحافية صادمة، قال فيها إنه "سيستجيب لأي أمر صادر عن المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، بما في ذلك الإطاحة بالحكومة العراقية أو القتال في أي حرب أجنبية".

ومثل باقي الفصائل المسلحة الأخرى، تطور نفوذ حركة "حزب الله النجباء"، وتدير حالياً اللواء (12) في الحشد الشعبي.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

العراقية نزيهة الدليمي أول امرأة تتولى حقيبة وزارية في العالم العربي
العراقية نزيهة الدليمي أول امرأة تتولى حقيبة وزارية في العالم العربي- تعبيرية

وردت أسماء الكثير من النساء المسلمات في كتب التراجم والطبقات باعتبارهن من العالمات اللائي قمن بإثراء العلوم الإسلامية على مر القرون. 

كما عُرفت العديد من النساء بالمشاركة في شؤون الحكم والسياسة، واشتهرت أخريات بأشعارهن. نلقي الضوء في هذا المقال على أبرز الشخصيات النسائية العراقية اللاتي أسهمن في ازدهار الحضارة الإسلامية.

 

الخيزران

هي جارية يمنية الأصل اشتراها الخليفة العباسي الثالث محمد بن عبد الله المهدي، وأحبها بشدة فأعتقها ثم تزوجها وصارت السيدة الأولى في البلاط. 

حظيت الخيزران بمكانة مُعتبرة في هرم السلطة العباسية واعتادت أن تدير بعضاً من شؤون الدولة، وأن تتصل بالقادة والوزراء. لمّا توفي زوجها وآل الحكم لابنها موسى الهادي، حاولت أن تنتهج النهج ذاته. في ذلك يقول ابن جرير الطبري في كتابه "تاريخ الرسل والملوك": "أرادت الخيزران أن تسلك به -يقصد موسى الهادي- مسلك أبيه من قبله في الاستبداد بالأمر والنهي…".

رفض الهادي مشاركة أمه في أعمال الخلافة والحكم، فاضطرت الخيزران أن تدبر مؤامرة للتخلص منه. يقول الطبري "دست إليه من جواريها لمّا مرض من قتله بالغم والجلوس على وجهه". لتقف بعدها بجوار ابنها الثاني هارون الرشيد، وعملت على مشاركته الحكم، لكنها سرعان ما توفيت عام 789، بعد عامين من وفاة الهادي.

زبيدة بنت جعفر

عُرفت زبيدة بنت جعفر بن أبي جعفر المنصور باعتبارها واحدة من أشهر النساء اللائي تربعن على هرم السلطة في الدولة العباسية. كان اسمها الحقيقي "أمة العزيز"، ولُقبها جدها المنصور بـ"زبيدة" لشدة بياضها.

تزوجت زبيدة من ابن عمها هارون الرشيد، وأتاح لها ذلك فرصة المشاركة في شؤون الحكم وإدارة الدولة. 

تُنسب لها العديد من المشاريع الخيرية الضخمة داخل بغداد وخارجها، كبنائها مسجداً كبيراً على نهر دجلة قرب قصر الخلافة، وتعميرها طريق الحج من الكوفة إلى مكة، وذلك عندما قامت بأداء "فريضة" الحج عام 187 هجرية، وهو الطريق الذي يعرف حتى الآن باسم "درب زبيدة".

إنجازات زبيدة وصلت أرض الحجاز، فعندما زارت مكة، لمست المعاناة الشديدة التي يمر بها الحجيج أثناء بحثهم عن الماء، فأمرت بحفر قنوات مائية كبيرة لسقي المياه. في هذا السياق، اشتهرت مقولتها لكبير العمال لمّا خوفها من ارتفاع تكاليف الحفر "اعمل ولو كلفتك ضربة الفأس دينار". يقال إنها أنفقت ما يزيد عن 1.700.000 دينار ذهبي في هذا المشروع.

كل تلك المشاريع، حدت بالباحث المعاصر لويس شيخو لأن يعتبرها المسؤولة الأولى عن النهضة التي عرفتها بغداد في عهد الرشيد. يقول شيخو في كتابه تاريخ الآداب العربية في القرن التاسع عشر والربع الأول من القرن العشرين: "...ولئن كنت رأيت له -أي هارون الرشيد- في تدبير المملكة ذلك التصرف الجميل فإني ما وجدته له في تدبير أهل بيته ومواليه وإنما يرجع الرأي في ذلك زوجه أم جعفر وهي أنفذ نساء العباسيين كلمة في الدولة...".

بشكل عام، بقيت ذكرى زبيدة حاضرة في العراق عبر القرون، ويعتقد الكثير من العراقيين خطأ أن زبيدة صاحبة المرقد المعروف باسم زمرد خاتون في وسط بغداد، ولكن في الواقع صاحبة هذا المرقد هي السيدة زمرد خاتون، أم الخليفة الناصر لدين الله العباسي الذي حكم بغداد في القرن الثالث عشر الميلادي.

رابعة العدوية

تُعدّ رابعة العدوية أشهر النساء المتصوفات على مدار التاريخ الإسلامي. عاشت رابعة في البصرة في القرن الثاني الهجري، ويُقال إنها سًميت برابعة لأنها كانت البنت الرابعة لأبيها. وتوفيت عام 180 هـ تقريباً.

تتحدث المصادر التاريخية عن المكانة المهمة التي حظيت بها رابعة العدوية بين أقرانها من العلماء والفقهاء، على سبيل المثال يذكر ابن الجوزي في كتابه "صفة الصفوة" أن الفقيه الكبير سفيان الثوري كان يقصدها لطلب العلم والدين، كما  وصفها بـ "المؤدبة التي لا يستريح إذا فارقها".

كذلك، وصفها ابن خلكان في وفيات الأعيان بأنها "من أعيان عصرها، وأخبارها في الصلاح والعبادة مشهورة...".

اشتهرت رابعة العدوية بحبها لذات الله، حتى عُرفت بـ "شهيدة العشق الإلهي" وتُحكى عنها الكثير من الروايات المثبتة لهذا الحب، من ذلك أن بعض الأشخاص شاهدوها يوماً ما وهي تتمايل، فلما سألوها عن السبب قالت لهم "سكرت من حب ربي الليلة، فأصبحت وأنا منه مخمورة".

كذلك عُرف عنها الزهد في ملذات الدنيا والتفرغ بشكل كامل للعبادة. يُقال إن واحداً من أغنياء البصرة أرسل لها ليعرض عليها الزواج، وأغراها بمهر عظيم فأجابت عليه برسالة جاء فيها "أما بعد، فإن الزهد في الدنيا راحة القلب والبدن، والرغبة فيها تورث الهم والحزن، فإذا أتاك كتابي فهيء زادك وقدم لمعادك، وكن وصي نفسك ولا تجعل وصيتك إلى غيرك، وصم دهرك واجعل الموت فطرك، فما يسرني أن الله خولني أضعاف ما خولك فيشغلني بك عنه طرفة عين، والسلام".

من جهة أخرى، تُنسب لرباعة العدوية العديد من القصائد التي اعتاد الصوفيون  ترديدها جيلاً بعد آخر، من ذلك:

"عرفت الهوى مذ عرفت هواك... وأغلقت قلبي عمن عاداك

وقمت أناجيك يا من ترى... خفايا القلوب ولسنا نراك

أحبك حبين حب الهوى... وحباً لأنك أهل لذاك

فأما الذي هو حب الهوى... فشغلي بذكرك عمن سواك

وأما الذي أنت أهل له... فكشفك لي الحجب حتى أراك"

ولدت زينب فواز في بلدة تبنين في جبل عامل بلبنان عام 1844. (مصدر الصورة: مجلة "المصور"، عدد خاص، سنة 1950).
من زينب فواز إلى منى الطحاوي.. أبرز الناشطات النسويات في العالم العربي
عرفت المنطقة العربية الحراك النسوي منذ فترة مبكرة. وظهرت العديد من الأفكار التقدمية الداعية لتحرير المرأة وإشراكها بشكل فعال في مختلف الأنشطة المجتمعية. نلقي الضوء في هذا المقال على مجموعة من أشهر الناشطات النسويات في العالم العربي المعاصر، لنرى كيف تمكن الحراك النسوي من التأثير على الأوضاع السياسية والاجتماعية.

شهدة الكاتبة

ولدت أم محمد شهدة بنت أحمد الإبري في سنة 484 هـ في بغداد لأسرة تجارية منحدرة من مدينة دينور. في شبابها، درست على يد أكبر المحدثين في بغداد، فيما بعد اضطلعت بمهمة رواية الحديث، واشتهرت بذلك حتى أُطلق عليها لقبا "مسندة العراق" و"فخر النساء".

ألفت شهدة كتاب بعنوان "العمدة من الفوائد والآثار الصحاح والغرائب"، كما روت بعض الكتب منها كتاب "العلم" ليوسف بن يعقوب القاضي، وكتاب "الأموال" لأبي عبيد، وكتاب "قرى الضيف" لابن أبي الدنيا، وكتاب "ذم المسكر" لابن أبي الدنيا. 

وحدث عنها مجموعة من كبار العلماء العراقيين كابن عساكر، والسمعاني، وابن الجوزي. وكتب عنها شمس الدين الذهبي في كتابه "سير أعلام النبلاء": "خالطت الدور والعلماء، ولها بر وخير...".

من جهة أخرى، كانت شهدة من بين العلماء المقربين للخليفة العباسي المقتفي لأمر الله. وبحسب ما تذكر الباحثة نجلاء كريم مهدي في دراستها "شهدة الكاتبة: قراءة في سيرتها وجهودها في العلوم الدينية" فإن الخليفة العباسي خصص لها أرضاً أقامت عليها مؤسسة تعليمية على ضفاف نهر دجلة، واستقبلت بها المئات من طلبة العلم، كما أوقفت عليها أموالاً كثيرة، لتصبح إحدى المؤسسات التعليمية المبكرة في العراق.

"أول طبيبة"، "أول محامية"، "أول وزيرة".. رائدات العراق في 100 عام الأخيرة
لم تتوان المرأة العراقية منذ تأسيس الدولة العراقية عام 1921 عن خوض كافة أنواع النضال لنيل حقوقها والحصول على المساواة مع الرجال والمساهمة بفاعلية في كافة مجالات الحياة وخدمة المجتمع، متحدية كافة العوائق السياسية والمجتمعية التي تقف في طريقها.

بولينا حسون

ولدت الصحافية بولينا حسون في مدينة الموصل العراقية عام 1895، وتنقلت في السنوات الأولى من حياتها بين مصر وفلسطين والأردن، ثم عادت للعراق عام 1922، بعد أن تأثرت كثيراً بالنهضة النسوية التي عايشتها أثناء فترة إقامتها في القاهرة على وجه الخصوص.

عام 1923، أصدرت حسون العدد الأول من مجلة "ليلى" وهي أول مجلة نسائية تصدر في العراق. ركزت المجلة على نشر موضوعات متنوعة حول تعليم المرأة وتحريرها ومشاركتها في ميادين العمل السياسي فضلاً عن بعض الجوانب الخاصة بتربية الأبناء والاقتصاد المنزلي والفنون والآداب. 

تضمن العدد الأول من مجلة "ليلى" نداء موجه إلى أعضاء أول مجلس تأسيسي عراقي. 

وفي 1923، خطت حسون خطوة أخرى مهمة في نشاطها النسوي عندما أسست أول نادي نسوي في العراق أسمته "نادي النهضة النسائية". لعب النادي جهوداً كبيرة في سبيل الحصول على الحقوق السياسية للمرأة العراقية بعد سنوات.

نازك الملائكة

وُلدت نازك الملائكة في 23 أغسطس 1923، في محلة العاقولية في بغداد. واسم عائلتها هو آل الجبلي، غير أن الأسرة عُرفت باسم الملائكة من قِبل الجيران والأصدقاء بسبب صفاتهم الأخلاقية الميالة للهدوء والسكينة.

تميزت أسرة نازك الملائكة بوجود العديد من الشعراء، الأمر الذي شجع نازك منذ نعومة أظافرها على قرض الشعر وإنشاده. 

في المرحلة الجامعية، درست نازك اللغة العربية وتخرجت من دار المعلمين العالية في سنة 1944، ثم التحقت بمعهد الفنون الجميلة، وتخرجت منه عام 1949. 

سافرت بعدها للولايات المتحدة الأميركية لمتابعة الدراسات العليا، وبعد عشر سنوات حصلت على شهادة الماجستير في تخصص الأدب المقارن. وبعد عودتها إلى العراق عملت نازك الملائكة كأستاذة محاضرة في جامعات بغداد والبصرة والكويت. 

في 1990، سافرت نازك الملائكة إلى مصر بالتزامن مع اندلاع حرب الخليج الأولى، واستقرت في القاهرة حتى توفيت عام 2007 عن عمر 83 عاماً، ودُفنت في مقبرة خاصة بالعائلة غربي القاهرة.

يرى الكثير من النقاد أن نازك الملائكة كانت من القلائل الذين تمكنوا من خلق حالة تجديدية حقيقية في ميدان الشعر العربي، فكانت أول من كتب الشعر الحر غير المقيد بالقافية في قصيدتها المسماة الكوليرا. 

فضلاً عن ذلك نشرت نازك العديد من الدواوين الشعرية المتميزة: "عاشقة الليل" في 1947م، و"شظايا ورماد" 1949، و"شجرة القمر" 1968، و"مأساة الحياة وأغنية الإنسان" 1977، و"الصلاة والثورة" 1978، كما أصدرت في 1962 كتابها "قضايا الشعر الحديث". 

تحدث بعض النقاد عن أثر نازك الملائكة على الوسط الشعري العراقي والعربي فقال: "نازك الملائكة لم تعد رمزاً من رموز الأدب والشعرية العراقية فحسب، بل أصبحت رائدة للشعر العربي بما طرحته مع السياب من قصيدة التفعيلة أو الشعر الحر، بل هي المرأة التي شقّت طريقها وسط الصعاب والمجتمع، لتكون الشاعرة المؤثّرة في الوسطين الأدبي والنسوي".

نزيهة الدليمي

ولدت نزيهة الدليمي عام 1923 في محلة البارودية ببغداد. بدأت دراستها الابتدائية والمتوسطة في مدرسة "تطبيقات دار المعلمات النموذجية". وفي 1939 أكملت دراستها الثانوية في المدرسة المركزية للبنات.

 في 1941، التحقت الدليمي بكلية الطب، وبعد تخرجها عملت في بعض المشافي الحكومية، مثل "المستشفى الملكي" ببغداد، ومستشفى "الكرخ"، وتنقلت بين بعض المدن العراقية. قبل أن يتم اختيارها ضمن إحدى البعثات العلمية التي درست مرض السل الذي تفشى بين السكان المقيمين قرب المياه.

بدأ النشاط النسوي لنزيهة الدليمي في أربعينيات القرن العشرين عندما التحقت بـ"الجمعية النسوية لمكافحة الفاشية والنازية".

بعد هزيمة دول المحور في الحرب، تغير اسم الجمعية إلى "رابطة نساء العراق"، وصارت الدليمي واحدة من قياداتها، وأشرفت على إصدار مجلة "تحرير المرأة". 

بعد فترة، قامت الحكومة العراقية بتفكيك الجمعية ومنعت نشر المجلة.

لم تيأس الدليمي، وحاولت أن تعيد النشاط النسوي إلى الواجهة مرة أخرى؛ فجمعت عشرات العراقيات اللائي تخرجن من الكليات وقدمت إلى الحكومة مقترحاً بتأسيس جمعية "تحرير المرأة"، لكنه قوبل بالرفض.

 يذكر الباحث موفق خلف غانم في كتابه "الدكتورة نزيهة الدليمي ودورها في تاريخ الحركة الوطنية والسياسية العراقية" أن الدليمي تابعت أنشطتها الحقوقية مع مطلع الخمسينيات. ففي 1950 شاركت في حركة "أنصار السلم العالمية" وكانت عضوة في اللجنة التحضرية التي كانت يرأسها محمد مهدي الجواهري. وبعد سنتين فقط، أُتيحت الفرصة للدليمي مواصلة النشاط النسوي عقب تأسيس "رابطة الدفاع عن حقوق المرأة العراقية"، لتُنتخَب كأول رئيسة لها.

في 1959، كُللت مجهودات الدليمي في مجالي الطب والعمل النسوي عندما تم اختيارها لتشغل منصب وزيرة البلديات في حكومة عبد الكريم قاسم. بموجبه، أضحت الدليمي أول امرأة تتسلم منصب وزير في تاريخ العراق والعالم العربي. 

ومن خلال منصبها الرفيع، تمكنت الدليمي من دعم الحركة النسوية في العراق، وذلك حين أسست "رابطة المرأة العراقية"، التي شاركت في صياغة قانون الأحوال الشخصية العراقي عام 1959.

اهتم هذا القانون بحقوق المرأة العراقية ووُصف بأنه "أول قانون تقدمي ليس في العراق فحسب، بل في المنطقة العربية كلها. وخطوة جريئة على طريق تطوير وضع المرأة"، كما يقول موفق خلف غانم في كتابه.